بقلم : د. محمد إبراهيم الرميثي ان كلمة جرائم الأموال كلمة كبيرة جداً في مفهومها ومعانيها وابعادها فهي تشمل الجرائم الواضحة الموثقة التي تصل الى الجهات الأمنية والقضائية للفصل فيها. وهي تشمل كذلك الجرائم الخفية التي يصعب وقد يستحيل اكتشافها مثل جرائم غسيل الأموال والرشاوى والتزوير وأعمال القرصنة وسرقة الانتاج الفكري والتحايل على القوانين. وتجدر الاشارة الى ان الارباح المتحققة من عمليات تهريب المخدرات (القنب والهيروين والكوكايين) تقدر سنويا بحوالي 500 ملياردولار أما القرصنة المعلوماتية فتقدر بنحو 200 مليار دولار وأما تقليد الماركات العالمية فتقدر بنحو 100 مليار دولار سنويا. واجمالا فان تلك الجرائم المالية التي يصعب اكتشافها وتحديدها بدقة تتجاوز ارباحها السنوية 1000 مليار دولار وهو ما يعادل 20% من حجم التجارة العالمية. وفي الحقيقة ان الجرائم المالية بشقيها الواضح والخفي تحتاج الى جهد أمني اكبر في ظل العولمة كما انها تحتاج الى دقة اكبر في صياغة القوانين والنظم التي تحكم الانشطة الاقتصادية. وأما فيما يخص الشق الاول وهو الجانب الامني وبالطبع يرتبط بذلك جانب النيابة العامة والقضاء فنقصد بالجهد الاكبر والاوسع ليس الجانب المادي لذلك الجهد وان كان ذلك مهما الا اننا نقصد بالجهد الاكبر الجانب التكنولوجي بجميع مفاهيمه وابعاده. ونقصد بذلك تكنولوجيا رأس المال وتكنولوجيا العمل والتكنولوجيا الجامدة والتكنولوجيا الناعمة. أي بمعني آخر ان قضية العولمة تفرض استخدام المجرمين للتكنولوجيا المتطورة لتنفيذ جرائمهم واخفاء كافة الادلة والقرائن التي من الممكن ان تفضحهم ومن هذا المنطلق فنحن نتوقع ان يزداد ذلك النوع من الجرائم الخفية الذي يستعصي اكتشافه. فاذا لم نقم بتعليم الاجهزة الامنية والقضائية على تلك التكنولوجيا سوف تزداد نسبة جرائم المال الخفية كنسبة من اجمالي جرائم المال وحتى الجرائم التي كان في الماضي يسهل اكتشافها مثل جرائم التزوير والرشاوي والاختلاسات اصبحت ـ مع دخول التكنولوجيا وتحرير حركة التجارة بين الدول وتحرير حركة السلع والبضائع وحركة رؤوس الاموال والنقود وتحرير حركة القوة العاملة - صعبة ومستعصية على الظهور بأدلة وقرائن كافية لادانة مرتكبيها. ومن هذا المنطلق يصبح من الضرورة بمكان ادخال التكنولوجيا في الجانب الأمني والقضائي وتعليم العاملين عليه وبشكل مشوق ومقنع لهم بأهمية تعلمه وليس بشكل منفر وذلك من أجل تكوين قناعات ذاتية لديهم بأهمية التكنولوجيا لوظائفهم بحيث يدفعهم ذلك الى التعلم الذاتي بعد ذلك وتطوير الذات تكنولوجيا دون الحاجة المستمرة الى تدخل الخبراء والمختصين. اما فيما يخص الجوانب التشريعية والقانونية فان التطور التكنولوجي الذي يشهده عالم اليوم يحتم علينا اعادة النظر في القوانين القائمة واستحداث قوانين جديدة تحكم كل صغيرة وكبيرة في النشاط الاقتصادي وتنظمه آخذين بعين الاعتبار الجاد ذلك التطور التكنولوجي في كل كلمة يتم صياغتها في القوانين الجديد. حيث ان الفجوات القانونة التي تتجاهل ابعاد التكنولوجيا قد تخلق سبلا سهلة لمجرمي الأموال يستطيعون من خلالها النفاذ الى عالم الجريمة الاقتصادية بعيدا عن عيون القانون وذلك بفضل استخدامهم للتكنولوجيا الحديثة التي تجاهلتها النصوص القانونية. انه بالفعل عالم غاية في التعقيد بيدانه يحتاج منا بالفعل الى ادراك ابعاد واهمية التكنولوجيا في عالم جريمة المال في ظل العولمة. فاذا ادركنا اهمية وابعاد ذلك اركنا بالفعل أهمية التكنولوجيا في الجانبين الأمني والقضائي من ناحية والقانوني من ناحية أخرى.