في العامين الماضيين اتضح أمران كانا يستعصيان على التفسير بشأن الصين. الاول ان الحكومة الصينية اعلنت التزامها بإصلاحات تهدف إلى تطبيق قواعد اقتصاد السوق في الداخل وانه لا رجعة في ذلك, وبحيث تتكامل مع الاقتصاد العالمي. ليس هذا لأن كل القادة والمفكرين والسياسيين الصينيين تحولوا إلى ليبراليين فجأة. بل لأن بقايا افكار ماوتسي تونج قد بدأت تتلاشى او تختفي ولا تعود للظهور الا من حين لآخر. وفي الوقت نفسه فإن الاجنحة المسيطرة سواء كانت من دعاة الاصلاح او من المحافظين الحذرين او من الوطنيين الذين يرون ان النجاح الاقتصادي هو المستقبل والذي يعطي البلاد قوتها المستقبلية تتفق جميعاً على شيء واحد هو ان الحزب الشيوعي سوف يصبح جزءاً من التاريخ اذا لم يستطع دفع عملية النمو الاقتصادي. وعلى مدى السنوات السبع الماضية ينخفض معدل النمو الاقتصادي, بما ينذر بانتشار حالة من عدم الرضا بين افراد الشعب الصيني. لذلك فإن رئيس الوزراء تشورونج جي يتخذ نفس الوجهة من حيث الحرص على الاصلاح, لكن ليس لأنه من دعاة حرية السوق وهو لا يتمتع بشعبية كبيرة سواء بين زملائه في المكتب السياسي للحزب او غيرهم. لكنه يصر على ضرورة ايجاد موارد ومصادر جديدة للنمو عن طريق تقليص ملكية الدولة. وكان المؤتمر العام الخامس عشر للحزب الشيوعي الصيني في خريف عام 1997 نقطة فاصلة, حيث اطلق مرحلة جديدة تهدف إلى تمليك القطاع الخاص عشرات آلاف من المصانع والشركات الصغيرة والمتوسطة المملوكة للدولة, بحيث تثبت نجاحها او تعلق ابوابها. وفي ربيع العام الماضي دخلت في الدستور لاول مرة ضمانات تعترف بأهمية القطاع الخاص. عشرون عاماً من الاصلاح الاقتصادي لقد حققت العشرون عاماً الماضية من الاصلاحات الاقتصادية في الصين نمواً اقتصادياً كبيراً. وتحققت المكاسب من خلال المشروعات الزراعية المملوكة للدولة وذات الملكية الجماعية فسمح ذلك بتدفق رأس المال والعمالة إلى قطاع التصنيع والصناعات التحويلية, خاصة الموجهة للتصدير. فالحكومة لم يكن عليها ان تنقل شيئاً حتى يتحقق هذا النمو, الا ان ترتفع يدها فقط. واصبح معدل النمو اكثر من 10% هو السمة الطبيعية وأدى النمو السريع إلى ايجاد وظائف جديدة للعمال الذين تم تسريحهم من المشروعات المملوكة للدولة لانهم كانوا يمثلون عمالة زائدة عليها والمهاجرين من المناطق الريفية إلى المدن والشباب الذي يبحث عن فرصة عمل لاول مرة. لكن النمو المرتفع توقف الآن ويحتمل الا يعود مرة اخرى. فمعدلات النمو منخفضة في هذه الفترة, كما ان توفير فرص العمل لم يعد ايضا بنفس المعدل. النمو الاقتصادي البطيء لم يعد يكف لتوفير وظائف لمن يطلبوها. ويقول احد المسئولين الصينيين عن ذلك ان الفترة الصعبة في الاصلاح قد بدأت. ووضع الاساس للمرحلة المقبلة من النمو هو المهمة الصعبة التي تواجه البلاد حالياً. لقد بلغت انتاجية الارض سقفها الطبيعي, ولابد ان نتذكر ان ثلثي سكان الصين البالغ عددهم 3.1 مليار نسمة يعملون في مجالات زراعية, وندرة الموارد المائية في الصين. لكن ارتفاع انتاجية الاراضي الزراعي جاءت على حساب نزوح عدد كبير من سكان الريف الى المدن, وربما يصل هذا العدد من 8 الى 10 ملايين سنويا, ولابد من ايجاد فرص عمل لهم. ولابد من توفير نحو ستة ملايين فرصة عمل في المدن في ضوء الزيادة الطبيعية للسكان سنويا, ثم هناك ايضا من 4 الى 7 ملايين عامل يتم تسريحهم سنويا من المصانع والشركات المملوكة للدولة في اطار الاصلاحات وتقليص العمالة. هذا يعني ان اقتصاد البلاد ينبغي ان يوفر نحو 18 مليون وظيفة سنويا. لكن كيف يتم ذلك والأمراض التي يعاني منها القطاع الصناعي في الصين معروفة وقطاع الخدمات مثقل بالتركة الاشتراكية. المعضلة الثانية أما الأمر الغامض الثاني فهو هل تستطيع الصين تحقيق تقدم سلسل في مجال الانفتاح الاقتصادي في ظل النظام السياسي شديد المركزية؟ الحقيقة ـ كما يقول مسئولون أمريكيون ان هذا أمر غير قابل للتنفيذ. ان تكامل الاقتصاد الصيني مع الاقتصاد العالمي خلال السنوات الثلاث أو الخمس المقبلة سوف يشكل المزيد من الضغوط والاعباء حتى يزداد انفتاح وليبرالية الصين وأسواقها. وسوف يؤدي ذلك بالتالي الى مزيد من الحاجة الى تغييرات جذرية في النظام السياسي والمجتمع الصيني. لكن المسئولين الصينيين لا يزالون يستبعدون أي تغيرات سياسية ويقمعون أي مطالبة بها, اعتمادا على التقدم الاقتصادي الذي تحقق خلال السنوات العشرين الماضية. اقتصاد السوق الحر لايزال بعض الكتاب في الغرب يفترضون ان اقتصاد السوق الحر يمكن تطبيقه في الصين, لكن ليس معنى هذا ان الاسواق الحرة وحكومة ليس عليها غبار في الصين أمر مفروغ منه. فهناك عوائق ثقافية وسياسية أمام تحقيق ذلك. ومن هذه العوائق الحجم الكبير للبلاد والفقر والتركة الشيوعية التي لابد من أخذها في الاعتبار عند تقدير امكانية تطبيق قواعد السوق الحرة في الصين وكيف تتفق معها مصالح الحكومة المركزية. ولنأخذ في الاعتبار ايضا نصيب الفرد من اجمالي الناتج المحلي الذي يصل في المتوسط (باستثناء هونج كونج وماكاو) 735 دولارا حسب أسعار ,1998 مما يجعل الصين في الواقع أكثر فقرا من اندونيسيا, ومع ذلك فإن هذا المتوسط ينطوي على كثير من المفارقات, مثال ذلك ان نصيب الفرد من اجمالي الناتج المحلي في مناطق قويتشو يبلغ 280 دولارا سنويا, أي يعادل الرقم في بنجلاديش أو اليمن. في الوقت الذي يصل نصيب الفرد في شنغهاي الى 3400 دولار سنويا, بما يعادل الرقم في تركيا أو جنوب افريقيا. ثم نأتي الى هونج كونج حيث يصل دخل الفرد السنوي الى 22990 دولارا, أي أعلى من مثيله في بريطانيا. هذا يعني ان دخل الفرد في هونج كونج يصل الى 90 ضعفا عن نظيره في قويتشو. اللجوء للقطاع الخاص تحولت كثير من مزارع الأرز في تشونجشان والمناطق المحيطة بها الى مصانع يأتي اليها المزارعون الفقراء من الأراضي الداخلية بحثا عن العمل, وغالبيتهم من النساء الشابات, وعندما يعودون الى قراهم يكون لديهم كثير من المال وبعض الخبرات عن العالم الخارجي, وفرصة أفضل في الزواج, وبالنسبة لأصحاب المصانع, يحققون ثروات تفوق ما كان أسلافهم يحلم به بكثير. وعلى مسافة الفي كيلو متر الى الشمال, في العاصمة الصينية بكين يقول المسئولون ان القطاع الخاص أصبح من الان جزءاً هاماً من الاقتصاد الاشتراكي ويتفق مع الفكر الماركسي واللينيني وفكر ماوتسي تونج. وتنتشر المشروعات الخاصة في مدينة تشونجشان والمناطق المحيطة بها, حتى المشروعات القليلة ذات الملكية الجماعية أو مشروعات القرى والمراكز الباقية من عصر ماوتسى تونج, تدعى انها تدار بطريقة القطاع الخاص في هذه المدن الصغيرة والقرى المجاورة, هناك شخص من بين كل 40 شخص يملك مشروعاً خاصاً, بخلاف أصحاب المحال التجارية وتجارة الجملة, والى جانب ذلك هناك نحو 40 ألف عامل مهاجر من مناطق اخرى في هذه المنطقة يعملون في المجال الصناعي. ومنذ افتتاح أول مصنع في مدينة قوتيشين عام ,1986 تسيطر المدينة على 46% من سوق الاضاءة في البلاد بسبب مصانع اللمبات والأدوات الكهربائية التي بدأت في هذه المدينة وتركزت فيها. طريق الرأسمالية يشير المؤرخون الى مدينة قويتشين والمدن المماثلة على انها عرفت طريق الرأسمالية الذي اغلقه ماوتسى تونج, بعد ان كان مفتوحاً في الصين من مئات السنين والدليل على وجود هذا الطريق في الصين هو الأسماء التي تجدها منتشرة في شوارع بكين القديمة تذكر بالتجارة التي كانت تمارس هناك مثل شارع الحرير وشارع القبعات وشارع المعكرونة, وينطبق نفس الأمر على قونزرونج في الجنوب التي تعكس قدراً أكبر من المنافسة حتى ان البعض يعتقد ان مايكسبه الآخرون يمثل خسارة بالنسبة له. وكان هذا التركيز في الصناعات والتجارة عاملاً مساعداً في التعامل مع تركة التخطيط الاشتراكي خلال فترة التخطيط المركزي. لكن السؤال الان بعد ان باركت الحكومة اقتصاد القطاع الخاص هو هل ما يحدث في هذه المدن سوف يكون نموذجاً يحتذى في بقية انحاء الصين؟ بالطبع ليس هناك ما يمنع ذلك مع اختلاف درجة الرأسمالية من مكان لآخر. فالعمالة في الصين رخيصة ولاتحتاج الى كثير من رأس المال, ويمكن ان ينتشر نموذج مدينة وينتشر أو غيرها من المدن التي انتشرت بها الصناعات الرأسمالية في جميع انحاء الصين وتصبح محرك الاقتصاد المحلي. ويمكن ان يصل حجم القطاع الخاص في الصين الى 75% من اجمالي اقتصادها, حسب توقعات سابقة لم تكن قائمة على بيانات دقيقة, لكن البعض يضع هذا الرقم الان عند 25% فقط, لكن بعض المصادر المحلية تقول ان القطاع الخاص يمثل نحو نصف اقتصاد الصين, لكن مهما كان هذا الرقم, فان هذه النوعية من الاقتصاد الخاص الرأسمالي لم تكن موجودة في الصين من عقدين من الزمان. ومن الصعب قياس اسهام القطاع الخاص في الصناعة والزراعة في الصين لان كثيراً من الشركات المسجلة على انها ملكية جماعية هي في الحقيقة قطاع خاص, ويأتي كثير من رأسمال هذه الشركات والمشروعات من صينيين مهاجرين ومن شركات متعددة الجنسية. اذن هناك فرصة فعلية لحدوث التحول الاقتصادي في الصين الى اقتصاد السوق الحر, اذا حدث تغير سياسي أيضا بنفس القدر. والفرصة السانحة لحدوث التغير السياسي هي في مطلع عام 2002 خلال المؤتمر الوطني للحزب الشيوعي الصيني, حيث سيواجه كل من رئيس الوزراء والرئيس الصيني ضغوطاً بالتنحي ويحتمل ان يتغير اربعة اخماس أعضاء المكتب السياسي للحزب ايضا. لكن في ظل التاريخ الصيني والتجارب السابقة من الصعب ان يحدث مثل هذا التغير سلمياً اذا حدث, واذا حدث سوف يعزز الديمقراطية, وبالتالي التحولات الاقتصادية الى الاقتصاد الحر.