ان كلمة الثقة ليست كلمة سهلة هينة, بل هي كلمة لها معانٍ سامية عظيمة. فالثقة تعني المصداقية والامن والامان والاطمئنان النفسي والوجداني إلى السوق وإلى ما يطرحه من معلومات. ويقول الاقتصاديون ان رأس المال (ويقصد به بالطبع مالك رأس المال) جبان يهرب من الجو الاستثماري غير الآمن إلى الجو الاستثماري الآمن. ويقول الحق سبحانه وتعالى (الذين اطعمهم من جوع وآمنهم من خوف) حيث ربط بين الاقتصاد والامن. فالثقة ليست سلعة او خدمة تباع وتشتري ولا اجراءً ادارياً يتخذ, بل انها شيء معنوي روحي وجداني وهي مشاعر واحاسيس وعواطف وهي جزء من البناء الروحي والنفسي للانسان. وهي تبنى مع بناء الشخصية ذاتها حيث ان بناءها صعب للغاية ويستغرق وقتاً طويلاً بلا شك وان هدمها سهل للغاية في اغلب الحالات وقد يستغرق حتي لحظات من الزمن. اما استعادتها فتستغرق وقتاً اطول بالطبع الا اذا حدثت هناك تطورات وتغيرات اقتصادية هيكيلية اساسية يعتمد عليها وادرك المتعامل تلك التغيرات ونتائجها الايجابية بالطبع. ان انهيار الثقة في سوق الاسهم الاماراتية يرجع مرده إلى امرين: ـ اما الامر الاول فهو سوق الاصدار الاولي وما يحمله من سلبيات لا حصر لها منها على سبيل المثال ضعف دراسات الجدوى الاقتصادية التي تؤسس على اساسها الشركات المساهمة وتجارة الجنسيات والاقتراض اللا محدود من البنوك وتجارة الاسهم فور المساهمة او حتى قبل المساهمة في كثير من الحالات والتنازلات المفتوحة حتى قبل بدء الاصدار الاولى. وهذا الامر مرد تنظيمه يرجع إلى وزارة الاقتصاد والتجارة وليس السوق النظامية للاوراق المالية حيث انها هي المسئول الاول عن تنظيم قيام الشركات والتزامها بالقوانين والنظم المعمول بها في الدولة. ـ اما الامر الثاني الذي ادى إلى انهيار الثقة في سوق الاسهم فهو السوق الثانوية. ويقصد بالسوق الثانوية هو سوق الاسهم والاوراق المالية بعد ان يتم اصدارها. وهذه بالطبع ترجع إلى الفوضى الكبيرة التي سادت السوق في الفترة الماضية. ويأتي على رأس تلك الفوضى غياب المعلومات الصحيحة او اقتصارها على خاصة الخاصة مما دفع بالكثيرين إلى بناء قراراتهم في البيع والشراء على الحدس والتخمينات والشائعات والمعلومات الصحيحة القاصرة وغير الواضحة. وكذلك دخول وخروج كبار المضاربين إلى السوق للتلاعب بالاسعار واستغلال بعض المضاربين لوظائفهم العامة لتحقيق مكاسب كبيرة من المضاربة بالسوق. وكذلك موضوع التنازلات المفتوحة (أي التنازل دون ذكر اسم المتنازل اليه) والتي فتحت الباب امام المضاربين الاجانب للدخول إلى السوق وتأجيج روح المضاربة لدى المتعاملين في السوق. ان مثل هذه السلبيات وغيرها الكثير تستطيع السوق النظامية للاوراق المالية السيطرة علىها وتحويلها ادارياً من حالة الفوضى التي سادت إلى الحالة النظامية. ولا شك ان الثقة لن تعود إلى السوق بشكل مفاجىء ولكنها سوف تعود تدريجياً من خلال الممارسات ومن خلال ما سيلاحظه المتعاملون على السوق حيث ان الكثير من المتعاملين مازال يعيش فترة الترقب والحذر. وتجدر الاشارة إلى التنبيه إلى ضرورة الحذر من الرجوع مرة اخرى إلى سلبيات ما قبل السوق النظامية حيث ان اى جرح جديد في الثقة قد يفقد السوق مصداقيته إلى الابد. ومن هذا المنطلق تصبح مهمة كل من وزارة الاقتصاد والتجارة والسوق النظامية للاوراق المالية بدبي مهمة غاية في الصعوبة وتحتاج إلى جهد كبير وعمل شاق لاستعادة ثقة المتعاملين في السوق. د. محمد ابراهيم الرميثي