يمكن تقسيم محاولات إعادة الهيكلة من خلال عمليات الدمج والتملك ما بين البنوك إلى مجموعتين رئيسيتين: الأولى الدمج الإجباري, والثانية الدمج الاختياري. فإذا واجه أحد البنوك مشكلة مالية فإنه يمكنه أن يواجه ذلك الموقف من خلال الدمج مع بنك آخر أكبر منه, وفي هذه الحالة يصبح الدمج إجباريا. أما الدمج الاختياري فيحدث في حالة رغبة البنوك في جني ثمار الدمج والتملك. وعلى أية حال يمكن القول إن الأسباب التي دفعت البنوك نحو الدمج, خلال العقود الماضية, كانت هي: تكامل أسواق رأس المال العالمية, تحرير الأسواق المالية المحلية والعالمية, التحسن الذي طرأ على وسائل الاتصال وتقنيات العمليات الحسابية, المشكلات الناشئة من نوعية الأصول في العديد من الأجهزة المصرفية, وانقطاع الدعم الرسمي المقدم للمؤسسات المصرفية. وقد استلزم تحرير الأنشطة المصرفية المحلية وعبر الحدود, والتخفيف من الحدود الفاصلة ما بين النظم المالية الوطنية, وإعادة توجيه اهتمام الرقابة على البنوك نحو كفاية رأس المال, كل ذلك استلزم بالضرورة إدخال تغييرات على إطار الرقابة والإشراف على البنوك. كما تمكنت البنوك من تخفيض حجم نفقاتها (مصروفاتها) وتنويع منتجاتها وزيادة خدماتها بفضل التقدم الذي شهدته تقنيات الاتصالات والعمليات الحسابية. وبجانب ذلك فقد أجبرت المشكلات الخطيرة المتصلة بنوعية الأصول البنوك على الاتجاه نحو الدمج وإعادة الهيكلة خلال العقد الماضي, حيث أدت عمليات دمج البنوك القوية مع البنوك الضعيفة نسبيا إلى تحسين نوعية الأصول, وذلك نتيجة لحسن الإدارة وزيادة الأموال. ومن العوامل كذلك التي دفعت البنوك نحو الدمج قيام الحكومات بوقف الدعم الذي اعتادت أن تقدمه للبنوك, وخاصة في حالة إنقاذ البنوك المتعثرة. ولقد استجابت الصناعة المصرفية للتغير الذي طرأ على السياسة العامة بتبني استراتيجية الدمج. أما مزايا الدمج والتملك ما بين البنوك فإنها تتمثل في التالي: ـ زيادة النمو والمنافسة: يتيح الدمج والتملك الفرصة لزيادة حجم البنوك المندمجة, الأمر الذي يزيد من إمكانية النمو الذي يؤدي بدوره إلى زيادة القدرة التنافسية لتلك البنوك في جو مصرفي عالمي, هذا فضلا عن أن البنوك المندمجة إذا نتج عنها بنك كبير بقدر كاف فإن ذلك من شأنه أن يقلل من فرص انهيار هذا البنك. ـ اقتصادات وفورات الحجم: تتمتع البنوك التي تقدم نفس النوع من الخدمات المصرفية وتقرر الدمج فيما بينها, وهو ما يعرف بالدمج الرأسي, بمزايا الحجم الكبير وتتمثل في تحقيق وفورات ناتجة من انخفاض متوسط تكلفة الوحدة نتيجة التوسع في حجم الأعمال. كما تنشأ وفورات الحجم من الإنفاق على تقنية (تكنولوجيا) المعلومات وإدارة الأصول, ويؤدي التقدم الذي يطرأ في مجال تقنيات العمليات الحسابية والاتصالات إلى زيادة كفاءة عدد من العمليات المصرفية. ـ اقتصادات وفورات النطاق: تتحقق هذه الوفورات من خلال ما يسمى بالدمج الأفقي والذي يتم بين مؤسسات مالية تقدم كل منها منتجات وخدمات مختلفة, مثل الدمج الذي يتم ما بين أحد البنوك ومؤسسة تعمل في مجال الأوراق المالية أو التأمين. وفي هذه الحالة تصبح المؤسسة المندمجة قادرة على تقديم عدد أكبر من المنتجات والخدمات إلى عملائها ومن ثم زيادة كفاءة (فعالية) التكاليف, كما تتمكن من تنويع مجال أنشطتها حيث تقدم الخدمات المصرفية بجانب التأمين تحت سقف واحد. ـ تطبيق أحدث التقنيات: يؤدي الدمج إلى زيادة حجم البنك المندمج وبالتالي زيادة حجم المبالغ المخصصة لعمليات البحث والتطوير, الأمر الذي يمكن البنك من تطبيق أحدث التقنيات المستخدمة في مجال الخدمات المصرفية التي تؤدي بدورها ـ في حالة زيادة حجم الأعمال ـ إلى تحقيق وفورات الحجم. وعلاوة على ذلك, فإن تطبيق مثل هذه التقنيات الحديثة من شأنه أن يحدث آثارا نوعية تفوق التحسن في الكفاءة, ذلك أن التكنولوجيا تؤدي إلى تحسين نوعية الخدمات المقدمة, وتتيح مجالا أكبر للاختيار أمام العملاء. ـ تعظيم العائد: من المتوقع أن تؤدي عملية الدمج بأشكالها الثلاثة, الدمج الرأسي والدمج الأفقي والدمج عبر الحدود, إلى تعظيم عائد النشاط بقدر أكبر مما يمكن أن يحدث في حالة كل بنك منفرد. ومن هنا فإن الميزة الرئيسة للدمج هي زيادة القيمة الصافية للمؤسسة المصرفية المندمجة, وينطوي ذلك على زيادة صافي إيرادات هذه المؤسسة عن مجموع صافي إيرادات الوحدات المندمجة قبل عملية الدمج, وذلك نتيجة لوفورات التشغيل أو الوفورات المالية أو زيادة نصيب الوحدة المندمجة من السوق, أو هذه العوامل مجتمعة. على أن لعملية الدمج أيضا مساوئها والتي تتمثل في ما يلي: أولا: من الناحية الاقتصادية: في كثير من الأحيان لا تتمكن البنوك الكبيرة المندمجة من أن تكون أكثر ربحية من البنوك الصغيرة, وذلك لأن وفورات الحجم تميل إلى التناقص التدريجي بعد مرحلة معينة. فعندما يسمح للمؤسسات المالية بأن تدخل إلى مجال جديد للنشاط, وهو أحد مظاهر الدمج, فإن ذلك يكتنفه خطر احتمال أن تفرط البنوك في الانخراط في الأعمال ذات الدرجة العالية من المخاطر التي من شأنها أن تضعف من هيكل النظام المالي, ويصبح من الصعب إدارة البنوك الكبيرة بسبب ضخامة حجمها. وعلاوة على ذلك فإن وجود مؤسسات كبيرة الحجم يشكل خطرا على سلامة وأمان الجهاز المالي, لأن انهيار أي من هذه المؤسسات الكبيرة يعرض الجهاز المالي برمته للخطر. كما أن كبر حجم البنك قد يولد ضغوطا على صانعي السياسات لاتباع سياسة تعتمد على الاعتقاد بأن البنك من الكبر بحيث إنه لا يمكن أن ينهار, الأمر الذي يؤدي إلى تراخي الرقابة وعدم اللجوء إلى نظام ضمان الودائع, وغيرها من الضوابط التي قد يؤدي عدم توفرها في النهاية إلى انهيار البنك. ثانيا: من الناحية الاجتماعية: يؤدي الدمج إلى إنشاء وحدات مصرفية كبيرة قادرة على المنافسة في سوق الخدمات المالية بشكل أفضل, وفي السوق التي تسودها المنافسة من المفترض أن يستفيد العملاء من المزايا الاقتصادية التي يحققها الدمج للبنوك المندمجة, والسابقة الإشارة إليها. لكن الآثار المباشرة وغير المباشرة للدمج على العمالة عادة ما تكون سلبية في الأجل القصير, أما في الأجل الطويل فمن المفترض أن يؤدي الدمج إلى زيادة فرص العمل. وعلى أية حال فإن التركيز يتعين ألا يكون موجها نحو عدد الوظائف فقط بل أيضا على نوعية هذه الوظائف. ثالثا: من الناحية الإدارية: يتسبب الدمج في نشوء مشكلة التقييم, فغالبا ما يحصل البنك المندمج على تقييم جائر. وتتفاوت الأساليب المحاسبية لمعالجة موضوع ما في مجال الأعمال التجارية والمالية, بصفة عامة, من دولة لأخرى, وأيضا بالنسبة لمعاملة موضوع (شهرة المحل) (أي القيمة المعنوية التي يكتسبها محل تجاري). فطبقا لأسلوب المحاسبة الخاص بتجميع المصالح نجد أن أصول البنكين المندمجين تظل مقيدة في الدفاتر والسجلات الخاصة بالبنك المندمج بقيمتها الدفترية دون مراعاة (لشهرة المحل) , بينما نجد أنه طبقا لأسلوب المحاسبة الخاص بعمليات الشراء تؤخذ (شهرة المحل) في الاعتبار حيث تقيد ضمن الأصول في ميزانية الوحدة المندمجة, وتؤخذ في الحسبان بالتالي عند إعداد الحسـاب السنوي للأرباح والخسائر.