تزايدت المخاوف والقلق خلال الثمانينات والتسعينيات بسبب الامن الوظيفي عندما ارتفع عدد المسرحين من عمال الشركات الى رقم قياسي. وبلغ عدد المسرحين من الشركات الامريكية 3.4 ملايين عامل عام 1992, وظل عند هذا المستوى تقريبا منذ ذلك العام, برغم النمو الاقتصاي والطفرة القوية في سوق الأسهم والسندات. وتقول ادارة احصاءات العمل ان عاملا من بين كل 25 عاملا تم تسريحه خلال فترة عامين فقط في الثمانينات وارتفع هذا الرقم الى عامل من بين كل 20 عاملا خلال التسعينيات. وجاء في استطلاع اجرته صحيفة نيويورك تايمز أن نحو ثلاثة ارباع الاسر عانت من التسريح منذ عام 1980 وفقد عاملون في ثلث هذه الاسر وظائفهم بالعمل. وينتشر تسريح العمالة في كل القطاعات الاقتصادية تقريبا, لكن العاملين الفنيين لايزالون يمثلون اعلى نسبة من المسرحين, لكن خلال التسعينات كانت عمليات تسريح العمالة محسوسة بدرجة اكبر, حيث شملت اصحاب الاعمال الادارية والمهنيين والاداريين ايضا. وجاء في دراسة اجرتها جامعة ميتشيجان ان المسرحين من العاملين الحاصلين على مؤهلات جامعية فوق سن الخمسين تضاعفوا بين الثمانينات والتسعينيات. ويقول ايان سونك الخبير الاقتصادي المصرفي في شيكاغو أن تسريح العمالة ينتشر بشكل كبير بين الشركات وهذا يثير القلق لانه زاد انتشارا في الفترة الاخيرة. واضاف انه خلال فترات النمو الاقتصادي القوي السابقة, لم يكن تسريح العمالة بهذه النسبة الكبيرة. وبالطبع كانت تسريحات العمال خلال الفترة الأخيرة من الشركات وفي الصناعات التي لم تستفيد كثيراً من طفرة التسعينيات والتحول الى الاقتصاد الجديد (مثل شركة بوينج للصناعات الجوية). ومثال ذلك ان شركات بيت لحم للصلب اعلنت مؤخرا انها سوف تسرح 15% من قوة العمل بسبب تزايد المنافسة العالمية من ناحية وانخفاض سهمها الى 1.72 دولار عام 1999, أي خسائر مقدارها 183 مليون دولار. كما كان لعمليات الاندماج ايضا اثر كبير في تسريح العمالة الأمريكية. فتعتزم شركة إكسون موبيل تسريح 16 ألف عامل, تم بالفعل تسريح الفين منهم من أجل التخلص من العمالة الزائدة الناتجة عن اندماج إكسون وموبيل. كما اعلنت شركة بوينج الشهر الماضي عن عزمها تسريح 1890 عاملا, اضافة الى تسريح 2100 عامل في الشهر السابق له. وقد خفضت الشركة العاملين بها بمقدار 48 الف عامل من منتصف 1998 حتى العام الجاري, منهم 31 الفا من العاملين في المصانع الكائنة في ولاية واشنطن. الإسراع بإعادة هيكلة العمالة: لكن هناك أمر يثير الانتباه هو أن كثيرا من الشركات تقوم بإعادة هيكلة العمالة بسرعة لم يسبق لها مثيل وتعين عمالة جديدة تكاد تصل الى حجم العمالة المسرحة. لكن العمالة الجديدة اكثر تكلفة ويظن العاملون ان هذه الهيكلة لاتكون دائما في اطار استراتيجية موحدة معلنة, هناك بعض الشركات في حالة نمو جيد وتريد فقط الحصول على مهارات جديدة وتحاول الاستفادة من الانترنت, أو التجارة الالكترونية. وهناك شركات اخرى مثل الكوتيل تعيد بناء قوة العمل لديها من القاعدة للقمة. وجاء في بحث اجرته مؤخراً رابطة الادارة الأمريكية ان 38% من الشركات التي شملها البحث اتاحت وظائف جديدة في نفس الوقت الذي سرحت فيه عمالا خلال العام المنتهي في يونيو 1999, مقابل 27% في العام السابق له. وقال التقرير ان هناك كثيرا من التوظيف وكثيرا من التسريح, وتقوم الشركات بالأمرين في وقت واحد. يحيي هذا الاتجاه فكرة التدمير الخلاق, التي ذاعت شعبيتها في الثلاثينيات على يد الاقتصادي جوزيف شومبيتر. فقال الاقتصاي النمساوي ان الرأسمالية تميل الى تجديد نفسها من خلال التغيير الفوضوي غير المستقر. وتعتبر ظاهرة تسريح العمالة وما ينتج عنها من تغيرات في قوة العمل بالنسبة لشومبيتر وغيره من خبراء الاقتصاد, دليلا على التقدم, وليس مشكلة لأن هذا يعني أن الشركات تحاول أن تكون اكثر كفاءة من ان تظل مستقرة كما هي. ليس هذا بالضرورة خبر جيد بالنسبة للعمالة التي يتم تسريحها, الذين يتساءلون أين يذهبون الآن بعد ان اصبحت مهاراتهم لا حاجة لها. ويقول جيني سولوكيسي الذي عمل في شركة الكوتيل لمدة 12 عاما ثم تم تسريحه ان هذه الحركة المضطربة ليس لها معني فالامر يبدو وكأن الشركات تغير مناصب العاملين, لكني اعتقد ان العالم يتغير, ولابد ان نقبل ذلك. أمر سيىء أم جيد: سواء كانت عملية الحركة المضطربة هذه جيدة ام سيئة فهي غير مسبوقة لأن الشركات التي قد تكون احتفظت بعمالة غير ضرورية فيما سبق تسرحهم الآن لمجرد ان توجد اماكن او وظائف لغيرهم. الشركات تقلق بدرجة اكبر لتراكم العمالة غير الضرورية حالياً بدرجة اكبر مما كانت عليه خلال الدورات الاقتصادية السابقة لانها تريد ان ترفع الارباح لصالح اصحاب الاسهم. كما ان التكنولوجيا تتغير بسرعة كبيرة والمنافسة بسرعة كبيرة عندما ينذوي نوع من الاعمال القديمة ويظهر نوع جديد. ففي الوقت الذي قد تصبح مهارات العاملين في مجال المراحل التجارية مثلاً قديمة في عقود من الزمان, فإن مهارات العاملين في مجال الحاسب الآلي مثلاً تصبح قديمة جداً في غضون سنوات قليلة. وما يجعل الامر اكثر سهولة هو انه لا يوجد شعور بالزنب تجاه العمالة المسرحة الآن, لان احتمالات حصولهم على وظائف اخرى اكثر كثيراً من ذي قبل. ويقول احد المسئولين في احدى الشركات انه في السابق ان الاعلام السييء كان يجعل المديرين التنفيذيين يشعرون بالذنب بسبب التسريح والتوظيف في نفس الوقت, لكن الآن بعد ان قام عديد من الشركات بتسريح العمالة في التسعينيات جعل المديرين اقل شعورآً بالذنب. وتقود شركات الاقتصاد الجديد هذا الاتجاه حيث اعلنت شركة ادوب سيستمز العام الماضي انها سوف تسرح 300 من عامليها في الولايات المتحدة واستكلندا الاموال التي ستوفرها بعد هذا التسريح. وغالبية التي تريد توظيفهم يعملون في مجال التسويق والابحاث والتطوير. واعلنت امازون كوم في يناير العام الجاري عن تسريح نحو 12% من قوة عملها, ورغم انها ترفض ان تناقش الامر, فإن الشركة تتيح وظائف جديدة في مجال تطوير وتنمية البرمجيات. انكماش ونمو ولا يقتصر الاتجاه على العمالة الجديدة شركات الاقتصاد الجديد, حيث ظلت شركة ايه.تي.اند.تي تبدد العمالة منذ بداية التسعينيات حتى الآن. وحتى في شركات التأمين اعلنت شركة نورث بروك في ايلينوي انها سوف تخفض عمالتها بمقدار اربعة آلاف خلال عملية غربلة للعمالة حتى توفر الشركة 600 مليون دولار سنوياً. وسوف تستخدم غالبية هذه الاموال لبدء خدمة تسويق للشركة عبر الانترنت والمبيعات على مدى العامين المقبلين خلال خطة تتكلف مليار دولار. ويقول مسئولون بالشركات ان قرار التسريح والتوظيف في نفس الوقت لا يمكن تجنبه فهناك انواع اخرى من المهارات مطلوبة غير التي توجد على قوائم الشركات. شركة الكوتيل مثلاً شركة الكوتيل التي بدأت العمل في منتصف الثمانينات حيث دشنت هواتف يمكن بيعها للشركات التي تتنافس مع بيبي بيلز الجديدة. كانت شركة بيبي بيلز تسيطر على سوق الهواتف العامة قبل ان تفكك السلطات الفيدرالية شركة ايه.تي.آند.تي عام 1984. وكان دفع الفواتير وتحويل الحسابات يتم عن طريق محطات تملكها الشركة. لكن هواتف الكوتيل الجديدة احتوت على حواسيب آلية يمكنها معالجة دفع الفواتير وتحويل الحسابات من كل هاتف, بما يعني ان كل شخص يستطيع ذلك من الهاتف الذي يحمله, وليس الامر قاصراً على الشركات ذات محطات التمويل الكبير فقط. خلال هذا العام المالي حققت مبيعات الكوتيل 65 مليون دولار ويعمل بها 320 موظفاً فقط. ويقول بويل رئيس الشركة ومديرها التنفيذي ان الشركة كانت تستطيع خفض العمالة والتركيز على تحقيق نفس العائدات بعدد اقل من الموظفين. وبالفعل قامت الشركة بتسريح 70 من عمالها وتعاقدت مع شركة اخرى على تصنيع هواتفها بنفس الاسم, اضافة إلى هاتف جديد يحتوى على شاشة فيديو وتعمل الانترنت من خلاله. وتقول الشركة انها سوف توفر مليوني دولار من تسريح هذه العمالة, بما يساعدها لدفع اجور 20 ـ 30 مهندساً ومبرمجاً تحتاجهم للتركيز على تصميم البرمجيات لتبيعها للشركات لتضعها في هواتفها. ويقول بويل انه لا يعتقد ان الناس من عشر سنوات كانت تحب ان تعيد هيكلة مشروعاتها. فقد كانوا يركزون اكثر على محاولة طرد المنافسين لهم من الاسواق من خلال تخفيض التكاليف. ويضيف ان الاجور تتغير والسوق الآن اكثر كفاءة في اتخاذ هذه القرارات.