بينما ترى الدول المتقدمة التكنولوجيا نسقا علميا وعمليا بحاجة إلى تطوير منتظم ومنهجي, وبينما تعتقد الاقتصادات الناشئة أن التكنولوجيا هي وسيلتها للحاق بالاقتصادات المتقدمة, فإن للدول النامية موقفا مغايرا. فبعض الدول النامية تظن أن في التكنولوجيا الدواء لكل أمراضها الاقتصادية, والبعض الآخر يتوهم أن التكنولوجيا مجرد شيء يمكن الحصول عليه من مظانه دون بذل جهد يذكر. ومع ذلك ـ وربما بسبب ذلك ـ تقف هذه الدول النامية من التكنولوجيا موقف المتلقي والمنتظر, وهو ما يرده كارلوس ألفريدو إلى الفهم الأساسي الخاطئ لدور التكنولوجيا الاقتصادي. مما لاشك فيه أن التكنولوجيا تعتبر من المتطلبات المهمة للغاية لجميع الدول النامية, ولربما أكثر أهمية مما تدرك هذه الدول. فبالنسبة للأسواق الناشئة, التي تتنافس قطاعاتها الإنتاجية في الأسواق العالمية, يعتبر عنصر التكنولوجيا من الأدوات الحيوية لتحقيق أي نجاح, فهذه الأداة هي الشيء الذي يحدد ملامح أداء القطاعات الصناعية ويحدد مدى النمو في إنتاجية هذه القطاعات. فالتكنولوجيا تقوم بتوفير الوظائف, كما أنها في الوقت نفسه تؤدي إلى هدم قطاع من الوظائف, وتقوم أيضا بتطوير ودعم قدرة الشركات والمؤسسات والصناعات على المنافسة في الأسواق العالمية. ولكن في الوقت الذي يعترف فيه بأن الابتكار التكنولوجي هو أحد المصادر الرئيسة للنمو, فإن إسهامات التكنولوجيا لم يتم إدراكها وهضمها بعد بالقدر الكافي حتى داخل الدول الصناعية. إلا أن الدول المتقدمة تقوم بدعم عمليات التطوير التكنولوجي بطريقة منظمة ومنهجية, في حين أن الاقتصادات الناشئة تعتقد أن عنصر التكنولوجيا أكبر من ذلك, فبالنسبة لهذه الدول تعتبر التكنولوجيا إحدى وسائل التقدم, وبالتالي أحد سبل اللحاق بنظرائها من الدول المتقدمة. والنجاح لن يناله إلا هؤلاء الذين يجمعون بين الإسهامات الإيجابية للدولة والأدوار المؤثرة للقطاعات الخاصة, وبالتالي تحقيق نظام متعدد الأطراف لصالح التنمية, وهو الأمر الذي يحتاج إلى الإسهام الإيجابي من جميع أطراف المجتمع. ويبدو من الواضح الآن أن الاقتصادات الناضجة هي التي تتمتع بقدر كبير من المرونة والقدرة على التكيف, وهو الشيء الذي تفتقده الأسواق الناشئة. وأحد العناصر المهمة لهذه القدرة على التكيف التي تتمتع بها الاقتصادات الناضجة, يتمثل في الثقة النسبية التي يضعها المستثمرون في ثوابت الاقتصادات الناضجة, وبالتحديد في مستوى التقنيات الخاصة بهذه الاقتصادات. وربما يرى البعض أن مثل هذه الثقة مبالغ فيها, أو حتى غير موضوعة في مكانها الصحيح. إلا أنه في الوقت نفسه لا يمكن لأحد أن ينكر أو يجادل في الدور الذي تلعبه التكنولوجيا الحديثة في تمييز منتج عن منتج أو شركة عن شركة أو دولة عن أخرى. وهذا القدر من التمييز سواء من جهة الجودة أو الوظيفة أو غيرهما, يحدد بقدر كبير اتجاه وقدر ومدى المعاملات التجارية وعالم التجارة بوجه عام, وبعبارة أخرى يحدد مدى النجاح داخل الأسواق العالمية. وبالطبع تقدم الأنماط التكنولوجية لأي اقتصاد قدرا كبيرا من المرونة, حتى أن الأمر يتعدى ذلك إذ تقدم ما هو أكثر من المرونة. وبالرغم من هذا فإن التكنولوجيا هي أقل عوامل الإنتاج فهما داخل الدول النامية, وبالتالي فإنها تنال تقديرا واهتماما أقل. فبالنسبة لبعض الدول النامية تعد التكنولوجيا بمثابة الدواء لجميع الأمراض والسلبيات التي تسببت فيما حدث من إخفاقات سابقة, ووسيلة فعالة للحاق بركب الدول الصناعية المتقدمة. أما بالنسبة للغالبية العظمى من هذه الدول, فإن التكنولوجيا ليست سوى (شيء ما) يجري تطويره في مناطق أخرى غير مناطق هذه الدول, وعلى هذا فإن هذا الشيء يمكن اقتناؤه ولا يتطلب الحصول عليه الكثير من الجهد. وبالطبع فإن هذا النوع من التفكير الذي تتبناه هذه الدول يجانبه الصواب, إلا أنه في الوقت نفسه نجد أن كلا الطرفين: هؤلاء الذين ينظرون إلى التكنولوجيا كعلاج لجميع الآفات, وأولئك الذين يرون أنها شيء يمكن اقتناؤه على نحو عرضي, مخطئان في تفكيرهما هذا, فالتكنولوجيا في حقيقتها تخالف هذا الفهم. والاستثناءات في هذا الشأن تتمثل في الدول الصناعية الجديدة والقطاع الآخر من الاقتصادات الناشئة. فالأهمية الاستراتيجية التي توليها هذه الدول لعملية اكتساب واستعمال أفضل أنماط التكنولوجيا, هي إحدى السمات بل أبرز السمات التي تميز هذه الدول وتجعلها تسبق الدول النامية الأخرى. فالشيء الذي فهمته الاقتصادات الناشئة, هو أنه ليست التكنولوجيا في ذاتها هي الشيء الذي يهم, فالتكنولوجيا موجودة في كل مكان. وإنما القضية هي أن معظم التقنيات التكنولوجية في الدول النامية ليست قادرة على التنافس, وسبب ذلك هو أنها غير مبنية على أي ابتكار تكنولوجي, إلى جانب غياب القدرة على إحداث هذا الابتكار, أو القدرة على دمج الكفاءة التكنولوجية والتقنيات الجديدة بهدف التوصل إلى تميز في الإنتاج. ففي الدول, سواء النامية أو المتقدمة, التي يتم فيها تطبيق التكنولوجيا وليس اختراعها, تكون القدرة على الابتكار التكنولوجي أهم بكثير من التكنولوجيا نفسها. إلا أن معظم الدول النامية لا تتفهم هذا الأمـر, فهي تشتكي أن صناعاتها تفتقر إلى التقنيات التكنولوجية, في الوقت نفسه الذي تشتكي فيه من عدم قدرتها على الوصول إلى الأسواق العالمية ورؤوس الأموال. والأهم من ذلك أن هذه الدول لا تدرك أن الكثير من مشكلاتها مع التكنولوجيا هو نتيجة إهمالها للأنماط التكنولوجية والكفاءة التقنية داخل مناهج التعليم والأنظمة التدريبية, وعدم توافر البنية التحتية التي تدعم الأنماط التكنولوجية, وعدم فهمها للدور الحيوي الذي تلعبه التكنولوجيا في تحديد القدرات التنافسية في المستقبل. ومن المعروف داخل الاقتصادات الصناعية والناشئة أن النمو الاقتصادي السريع يأتي نتيجة تطبيق استراتيجيات معينة, تقوم على تبني الأنماط التكنولوجية واعتبارها المحرك الرئيس لعملية النمو. وفي الوقت نفسه يعتبر العكس صحيحا, فالنمو البطيء يأتي نتيجة التركيز المفرط على العوامل الأخرى بخلاف التكنولوجيا وإهمال التكنولوجيا كمحرك أساسي لعملية النمو. فالدول الصناعية تعلم أن الابتكار التكنولوجي يلعب دورا رئيسا في تحديد ملامح الأداء الصناعي, وتريد أن تعرف المزيد عن كيف يؤثر الابتكار على النمو الإنتاجي وكيف يؤدي إلى توفير وضياع الوظائف, وكيف يغير أنماط المهارات التي يحتاجها الاقتصاد, وكيف يحدد قدرة الشركات على العمل, وكيف يحدد سير الأسواق العالمية. فهي تدرك كون أن المكاسب الاقتصادية التي يتم جنيها من التكنولوجيا, تأتي بسبب النشر والإنتاج الواسعين لمجموعة كبيرة من المنتجات والتقنيات الجديدة. وبالتالي فإن هذه الدول تعكف على دراسة أنماط التوليد التكنولوجي. أما في الدول النامية فإن الحال يختلف, فمعظم رجال الأعمال وموظفي الحكومة والمؤسسات الصناعية مكبلون بأفكار عتيقة عفا عليها الزمن عن التكنولوجيا, وينظرون إليها كأنها أحد الأشياء التي يمكن الاستغناء عنها أو اقتناؤها على نحو عشوائي. والأمر الذي يجب أن تدركه هذه الدول بشدة, هو أن قضية القدرة التكنولوجية والابتكار التكنولوجي ومدى توافره تتطلب قدرا كبيرا من الأهمية, وذلك لأن ما ظهر من اقتصادات مفتوحة وعالم خال من الحدود وتقنيات سريعة التطور والتغير, هذا كله يؤدي إلى إظهار ضعف الدول النامية في هذه الفترة, وهو الأمر الذي يتطلب من هذه الدول مراجعة سياساتها, والعمل على تطوير مستوى التكنولوجيا لديها, والعمل على الاستفادة من إمكانات بعضها البعض بهدف دعم قدراتها على المنافسة. كارلوس ألفريدو ـ مدير عام اليونيدو