كتب جون ماينارد كينيز عن اقتصاد ما قبل الحرب العالمية الاولى تحت عنوان (النتائج الاقتصادية للسلام (1919) يقول: (يا لها من حلقة استثنائية في التقدم الاقتصادي للانسان التي مثلها ذلك العصر الذي انتهي في اغسطس من عام 1914!.. لقد قدمت الحياة, بتكلفة ضئيلة وبأقل حد من المشكلات, وسائل راحة ورفاهية واسباب متعة كانت بعيدة عن متناول الاشخاص الاغنى والملوك الاشد نفوذاً في العصور الاخرى. فالقاطن في لندن يستطيع من خلال جهاز التليفون ان يطلب ارتشاف شاي الصباح في سريره والمنتجات العديدة في العالم كله.. وباستطاعته في الوقت نفسه ومن خلال الوسائل نفسها ان يغامر باستثمار ثروته في الموارد الطبيعية ومشروعات جديدة في اي مكان من العالم.. لكن الاهم من كل ذلك, هو انه اعتبر هذه المسألة امراً طبيعياً واكيداً ودائماً. الا باتجاه ادخال تحسين اضافي, واعتبار اي انحراف عنه بانه امر شاذ ومخز ويمكن تفاديه) . يمثل هذا الاقتباس المقدمة للتقرير السنوي الذي نشر مؤخراً من قبل مجلس المستشارين الاقتصاديين, المجموعة الابرز من صناع السياسة الاقتصادية في واشنطن. والذي يتم اعداده لصالح الرئيس والكونجرس ونشره في فبراير من كل عام. ويعتبر التقرير احدى الوثائق السياسية الواسعة النطاق التي تعلنها الادارة وتقدم اطلالة مفصلة على نوايا المؤسسة في واشنطن بغض النظر عمن يشغل البيت الابيض. ويكتسب تقرير هذا العام اهمية خاصة لانه سيكون هناك تغيير في الادارات في غضون ثمانية اشهر, وهناك العديد من الاسئلة حول استمرار السياسة في هذه البيئة المتقلبة. والضمانة الوحيدة التي يقدمها المستشارون الاقتصاديون للرئيس, هي حقيقة ان النجاح الاقتصادي الراهن في الولايات المتحدة يعتمد على دراسة لقرن من التاريخ. ويمثل التزاماً بالاستمرار سيعمر اكثر من أي ادارة. وفي ضوء ذلك, من المغري النظر إلى الاقتباس من كينيز الذي استخدمه المستشارون لاستهلال تقريرهم, وتوجيه سؤال مفاده: هل هناك اي ارتباط بين حامل السندات في لندن, الذي كانت اصوله مؤمنة بقوة الامبراطورية البريطانية, والمستثمر في اقتصاد الانترنت الحالي؟ ويذهب مؤلفو التقرير بقوة إلى القول ان اي مقارنة من هذا القبيل ستكون سطحية. ويدللون على ذلك بقولهم ان النظام التجاري الامبراطوري كان معيباً على نحو قاتل وكان عاجزاً عن الحفاظ على فوائد التجارة الدولية او ايجاد بنية تقوم بتوزيع تلك الفوائد بطريقة عادلة في كافة ارجاء المعمورة. ان الانهيار المطول والدموي لذلك النظام كان مصدر التعاسة الاقتصادية خلال القرن الماضي. وهم يأملون بأن تكون الدروس المستفادة من تلك الخبرة الاساس لبناء برنامج لـ (البنية المالية الجديدة) التي تعتقد واشنطن بأنه يمكن اخراجها إلى حيز الوجود. وهذه المقتطفات تمثل اساس التفكير فيما يتعلق بالسياسة التجارية والاقتصادية في واشنطن اليوم. قرن من التجارة لقد نما اشتراك العديد من الدول الاغني في العالم في التجارة العالمية بصورة اسرع من نمو ناتجها طوال ثلاثة قرون تقريباً. والفترة الوحيدة التي نمت فيها التجارة بصوة ابطأ من الانتاج امتدت من عام 1913 إلى عام 1950. وهي فترة شملت الكساد العظيم وحربين عالميتين. ومن حسن الطالع وعلى الرغم من وصف كينيز لفترة ما قبل الحرب العالمية الاولى بأنها (حلقة استثنائىة) الا ان العولمة الصاعدة والنشاط الاقتصادي في تلك الفترة اثبتت انه لا يمثل انحرافاً. وعوضاً عن ذلك, فقد كانت الفترة من عام 1913 ـ 1950 هي التي تميزت كحلقة استثنائية, حيث كانت فترة شهدت نمواً ضعيفاً في الانتاج والتجارة. وخلال تلك الفترة وحدها من دون غيرها, انخفضت التجارة عموماً مقارنة بالناتج المحلي الاجمالي. وبعد عام 1950 استعاد الاقتصاد العالمي نزعته العولمية. لكن الامر استغرق وقتاً لتعويض ما فات. وفي الولايات المتحدة واماكن اخرى لم تجاوز مستوى التجارة مقارنة بالناتج مستويات بداية القرن العشرين في العقود القليلة الماضية. يعتبر الاقتصاد الامريكي اليوم ملتحماً بشكل اوثق مع باقي العالم مما كان عليه في اي وقت مضى من التاريخ. فالروابط التجارية وإلى حد اقل بكثير, الاستثمارية كانت قد رسخت اقدامها جيداً قبل قرن من الآن, لكن الاثنتان تدهورتا خلال الفترة الممتدة بين الحربين. غير انه على امتداد الخمسين عاماً الماضية, ارتفع مستوى التجارة والاستثمار الدوليين بشكل حاد. اما اليوم, فإن العلاقات العالمية.. عبر تجارة السلع والخدمات وعبر تدفق رأس المال وعبر علاقات الانتاج المتكاملة.. اصبحت اوسع واعمق بشكل عام من أي وقت مضى. وتكشف الاحصائىات التاريخية حول التجارة الامريكية عن نمط مذهل. وقد بدأت فترة من الاندماج الاقتصادي الدولي الناشىء قبل القرن العشرين لكنها تداعت بين الحربين العالميتين. وعلى الرغم من ان الرسوم الجمركية الامريكية كانت عالية بشكل نسبي خلال الجانب الاكبر من القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين, الا ان الولايات المتحدة كانت تميل إلى المشاركة بنشاط في تجارة عالمية مزدهرة بشكل عام. وعلى الصعيد الدولي, كانت معوقات التجارة غير المتعلقة بالرسوم الجمركية قليلة. غير ان الفترة المتخللة للحرب التي تلت ذلك, كانت بوجه عام فترة تميزت بتزايد المعوقات المتعلقة بالرسوم الجمركية وغير الجمركية.. في الولايات المتحدة وغيرها من الاماكن.. وبالتفكك بدلاً من الاندماج. ومنذ الحرب العالمية الثانية, وضعت التطورات التكنولوجية والتحرير الدولي التدريجي للتجارة وتدفقات رؤوس الاموال الاندماج الاقتصادي من جديد في حركة صاعدة. وباستثناء فترة قصيرة قريباً من موعد كل حرب عالمية, فإن نسبة التجارة (الصادرات زائد الواردات) إلى الناتج المحلي الاجمالي لم تعد إلى المستويات التي كانت عليها في بداية القرن حتى فترة السبعينيات. غير ان هذه النسبة وصلت مؤخراً إلى 25% وهو اعلى مستوى لها في غضون قرن على الاقل. دور التصنيع على الرغم من ان انتاج السلع.. جذب الانتباه إلى الانتاج فى التصنيع والتعدين والزراعة.. قد اخذ يستحوذ على حصة اصغر في الاقتصاد, الا انه اصبح ايضاً مندمجاً بعمق اكبر في الاقتصاد العالمي. وقد زادت حصة انتاج السلع المحلية المخصصة لاسواق التصدير من حوالي 9% في عام 1929 إلى 21% في عام 1998. غير ان الحصص لبعض الصناعات والمنتجات المحددة تعد اكبر بكثير. وتقوم العديد من صناعات انتاج التقنية العالية الامريكية كالالكترونيات بتصدير 25% او اكثر من شحناتها الاجمالية. والواردات ايضاً تعزز الاندماج في الاقتصاد العالمي. وفي الواقع ان الولايات المتحدة تستورد وتصدر ضمن الفئات نفسها من المنتجات. فالسلع الرأسمالية على سبيل المثال, تعتبر التصنيف الرئيسي لكل من الواردات والصادرات الامريكية. وهذه التجارة ذات الاتجاهين يمكن ملاحظتها وفي صناعات معينة مثل صناعة الكمبيوتر. ويعكس جانب من هذه التجارة ذات الاتجاهين الواقعة ضمن الصناعة ذاتها عولمة ترتيبات الانتاج. وتوثق الشواهد القصصية والدراسات الحديثة كيف تم تقسيم عمليات الانتاج واعادة توزيعها على نحو متزايد سواء محلياً او عالمياً. وهذا يعني ان العناصر المتميزة لهذه العمليات كالبحث والتطوير والتصميم والتجميع والتغليف تجريها الشركات في الولايات المتحدة واماكن اخرى استناداً إلى قدرات الدول النسبية على اداء مهمات مختلفة. وقد يعكس جانباً من النمو في التجارة ايضاً التخصص الرأسي المتصاعد الذي يتم في اطاره استيراد السلع ومعالجتها اكثر واعادة تصديرها. وتوضح البيانات من صناعة الكمبيوتر الامريكية (انظمة كمبيوتر واجهزة وسطوح خارجية) مدى كل من تجارة الصناعة البينية والتخصص الرأسي. ووفقاً لتقرير حديث, فإنه في عام 1998 تم تصدير ما يقدر بـ 43% من اجمالي السلع المشحونة للمنتجين المحليين, ويشير التقرير إلى ان اكثر من 60% من حيث القيمة من الجهاز في نظام كمبيوتر شخصي امريكي نموذجي يأتي من آسيا. التقدم التكنولوجي في البنية التحتية الامريكية لقد انخفضت تكلفة نقل السلع مع مرور الوقت وتدعم الدراسات بالوثائق وجود تخفيضات كبيرة في تكاليف الشحن في فترة ما قبل الحرب العالمية الاولى, وبعض المؤشرات تقول بأن التكاليف استمرت في الانخفاض منذ ذلك الحين. ويبدو ان هذا الانخفاض يعكس عوامل عديدة بما في ذلك عمليات الانخفاض المباشر في بعض اسعار الشحن وكذلك تغيراً في مزيج السلع المتداولة واساليب الشحن. وتشير احدى الدراسات إلى ان متوسط اجور الشحن عبر المحيط ورسوم الميناء على التجارة الامريكية انخفض من 95 دولاراً للطن الامريكي في عام 1920 (مقاس بقيمة الدولار في عام 1990) إلى 27 دولاراً في عام 1960 لكنه استقر بعد ذلك. وتبحث دراسة اخرى حديثة في بيانات غير مجمعة نسبياً منذ الخمسينيات, حيث دل قليل من الادلة على وجود عمليات انخفاض في اسعار الشحن الحقيقية عبر المحيط. لكن تلك الدراسة لم تتوصل إلى ان اسعار الشحن الجوي قد انخفضت بشكل حاد, اما عالمياً, فإن تكلفة اجور الشحن الجوي, مقاسة كمتوسط عائد لكل طن ـ كيلو متر, انخفضت بمعدل 78% في الفترة ما بين 1955 و1996. وبالاضافة إلى ذلك, فإن حصة التجارة العالمية في المنتجات ذات القيمة العالية مقابل الوزن مثل المنتجات الدوائىة قد ارتفعت. وفي انعكاس لانخفاض تكلفة الشحن الجوي. وكذلك التركيبة المتغيرة للتجارة, فإن السلع المشحونة جواً في عام 1998 استحوذت على 28% من قيمة التجارة الدولية الامريكية من اصل 7% في عام 1965 وحصة لا تذكر في عام 1950. وفي الوقت نفسه فإن تكلفة الشحن البري قد تكون انخفضت ايضاً. فنظراً لاهمية كندا والمكسيك كشركاء تجاريين, فإن 34% من قيمة التجارة الامريكية تم شحنها براً في عام 1998 ـ من اصل 28% في عام 1965 ـ وحتى العديد من السلع التي تنقل بالسفن التي تبحر في المحيط يجب نقلها إلى الميناء او منه. وقد اسهم رفع القيود المحلية في مجال صناعة النقل الامريكية في زيادة الكفاءة للنقل البري, كما ان تطوير نظام الطرق السريعة بين الولايات منذ الحرب العالمية الثانية يبدو ايضاً انه ساهم في تخفيض تكاليف النقل. وعلاوة على ذلك, سهلت التطورات التكنولوجية مثل استخدام الكونتينرات (الحاويات) عملية النقل من حيث الشكل وحسنت من نوعية خدمات النقل. ويتيح استخدام الكونتينرات (الحاويات) نقل حاوية ذات حجم قياسي بواسطة شاحنة او عربة سكة حديد ثم يتم تحميلها مباشرة, اذا كانت ستواصل رحلتها عبر البحار, بواسطة رافعة على السفينة. وقد خفضت هذه التقنية متطلبات المناولة وزمن العبور بالنسبة للارساليات. وقد ساهمت وسائل الاتصال المحسنة وتقنيات المعلومات ايضاً في تسهيل التجارة الدولية ففي عام 1930, على سبيل المثال, كانت مكالمة هاتفية مدتها ثلاث دقائق من نيويورك إلى لندن تكلف 293 دولاراً بقيمة الدولار في م 1998. وبحلول عام 1998, لم تتجاوز رسوم طريقة تخفيضات واسعة الانتشار 36 سنتاً لمكالمة هاتفية اشد وضوحاً مدتها ثلاث دقائق. ان هذا الانخفاض في تكاليف الاتصالات إلى جانب توفر التقنيات الجديدة كان هاماً بوجه خاص في تسهيل تجارة الخدمات. وعلى الرغم من ان قرب الاسواق لا يزال يعد عاملاً مهماً للعديد من الخدمات, الا ان قدرة الشركات على تقديم الدعم للزبون عبر التليفون او البريد الالكتروني بتكلفة مخفضة نسبياً او لنقل المنتجات الكترونياً عبر الانترنت, قد خفضت من اهميته في بعض الصناعات. ويشير تقرير صدر من مكتب المحاسب العام الامريكي إلى ان الابتكارات التقنية المرتبطة باجهزة الكمبيوتر والاقمار الصناعية قد اثرت على كيفية مناولة السلع المشحونة وتشمل هذه الابتكارات عملية التشفير لاغراض التحقق واقتفاء الاثر والبث الالكتروني للبيانات والوثائق الاقتصادية. وانظمة الملاحة في السيارات التي تساعد الشاحنات على اكتشاف الطرق التي تقود مباشرة إلى الهدف والاقل ازدحاماً. الاستثمار الخارجي المباشر قد تعزز التجارة والنشاطات الاستثمارية بعضها البعض. فعلى سبيل المثال يمكن ان يساعد الاستثمار الخارجي المباشر من جانب الشركات الامريكية في تمهيد الطريق امام الصادرات الامريكية. وقد تحدث طلباً على السلع المنتجة امريكياً ربما من قبل العمليات الام. وقد تقدم ايضاً للشركات الامريكية موطيء قدم في اسواق اجنبية يمكنها من خلالها توسيع مبيعاتها بشكل اكبر. وفي العديد من الحالات يزيد الاستثمار في التوزيع والخدمات الاساسية الاخرى من قدرة المورد على التصدير إلى سوق معينة. فما يزيد عن ثلث الصادرات الامريكية من السلع وحوالي خمسي الواردات الامريكية من السلع يقدر بأنها تقع بين الشركات وعلى الصعيد العالمي, فإن الحصة المقدرة للتجارة بين الشركات تبلغ حوالي الثلث. وقد تؤدي التجارة ايضاً إلى توسيع نطاق تدفق رؤوس الاموال. ان الزيادة في التجارة والاستثمار الخارجي المباشر يمكنها ايضاً ان تعزز من نمو الانتاجية عبر تحسين تدفق المعرفة ونقل التكنولوجيا. فالسلع المصنعة المتداولة شأن جميع السلع المصنعة, تجسد المعرفة والتكنولوجيا, وفي حالة تقنية المعلومات والاتصالات على سبيل المثال, قد تعزز قدرة الدول على الابتكار. وإلى جانب توفير التمويل فإن بمقدور المستثمرين جلب افضل الممارسات الدولية بما في ذلك المعرفة الادارية والفنية والتسويقية إلى المتلقى الذي بمقدوره عندئذ نشرها على باقي قطاعات الاقتصاد. وبالمقابل فإن المستثمرين المباشرين قد يستفيدون ايضاً من خبرة الشركات المتلقية. وانسياب المعرفة ونقل التكنولوجيا يحدث ايضاً عبر البحث والتطوير المحلي. وقد شكل الانفاق على البحث والتطوير الذي قامت به فروع المؤسسات الاجنبية في الولايات المتحدة حوالي 12% من حجم البحث والتطوير الذي قامت به جميع مؤسسات الاعمال الامريكية في عام 1997 وكانت نسبة الانفاق على البحث والتطوير مقارنة بالناتج الاجمالي لهذه الفروع تبلغ 5% وهو ما يمثل ضعف النسبة لجميع مؤسسات الاعمال الامريكية. وبالنسبة للدول النامية, توحي الدلائل بأن الاستثمار الخارجي المباشر إلى جانب تجارة التقنية العالية يمكنه لعب دوراً هاماً في لحاقها بركب الدول الصناعية. وعندما يقوم مستثمرو دولة صناعية ببناء او المساهمة في بناء او الحصول على منشآت انتاجية في دولة نامية, فإن البلد المتلقي يكسب ليس فقط من الانتاج الموسع وتحسين فرص العمل وانما ايضاً من امكانية الوصول إلى تقنيات اكثر تطوراً. وتظهر دراسات حديثة انه في دول نامية ذات مخزون كاف من العمالة الماهرة, فإن الاستثمار الخارجي المباشر من دول صناعية يمكن ان يساهم اكثر في النمو من مساهمة جهود البحث والتطوير المحلية في هذه الدول. الازمات المالية العالمية والبناء المالي الجديد هناك مصدر قلق خاص يتمثل في الدور المحتمل للتقلبات المفاجئة في تدفق رأس المال في احداث ازمة مالية, وهي ظاهرة يميزها هشاشة عظيمة في الاسواق المالية وعدم استقرار في الاقتصادات الكبيرة. وبالطبع يمكن لازمة اقتصادية ان تحدث في دولة مغلقة امام التجارة وتدفق رأس المال لكن اضافة بعد دولي للازمة يمكن في بعض الحالات ان يجعل الوضع أسوأ. لقد رأينا كيف وفر تدفق رأس المال الدولي فوائد هامة في تخصيص موارد بصورة فاعلة وفي تشجيع النمو. لكن رأس المال في بعض الاحيان ـ وخاصة رأس المال قصير الاجل كقروض البنوك الفجائىة ـ يمكنه الخروج من بلد معين بسرعة كبيرة. فعلى سبيل المثال, قد يترك رأس المال دولة نامية استجابة لمعلومات جديدة من الدولة او لتغير في معدلات الفائدة في الدولة الصناعية غير انه مهما يكن السبب الذي يحركها, فإن الخروج السريع لرؤوس الاموال قد يتسبب في تعديل مفاجىء ومكلف في الاسواق المالية والاقتصاد الحقيقي. كيف يمكن للدول والنظام المالي العالمي ان تستعيد فوائد تدفق رؤوس الاموال التي اشير اليها سابقاً مع جعل الازمات اقل احتمالاً واقل قساوة. ان النقاش حول البناء المالي الدولي الجديد, كما اصبح يعرف, يسعي إلى الاجابة على هذا السؤال. لقد سبق وان اشعلت الازمة المكسيكية في عامي 1994 ـ 1995 البحث عن سياسات قد تمنع حدوث تقلبات كبيرة في تدق رؤوس الاموال لكن ازمة الاسواق الناشئة في الفترة ما بين 1997 ـ 1999 اعطت هذا الامر اولوية خاصة. ويعتبر البحث عن نظام مالي عالمي اكثر استقراراً امراً مهما للاقتصادات الصناعية وكذلك للاقتصادات السوق الناشئة. ففي نهاية المطاف, فإن ازمات الاسواق الناشئة لها تأثيراتها على القطاع الاقتصادي الحقيقي والمالي في الولايات المتحدة وفي اوروبا واليابان فإلى جانب الضعف المستمر (في الواقع ركود تام) في اليابان في عامي 1997 و1998, عملت الازمات على تخفيض نمو الدخل في الخارج والذي بدوره ادى إلى تخفيض الصادرات الامريكية. كما ان الازمات فيما وراء البحار كان لها من وقت لآخر نتائج هامة غير مباشرة على الاسواق المالية الامريكية. ففي الفترة التي اعقبت تخلف روسيا عن الايفاء بديونها الرئيسية في اغسطس من عام 1998, انخفضت اسعار الاصول الامريكية واعقبها اضطراب كبير في الاسواق المالية. هل هناك جانب مشرق في ارقام العجز التجاري؟ يحدث العجز التجاري وفقاً لتعريفه عندما يتجاوز الانفاق المحلي لدولة من الدول انتاجها المحلي. ويتم سد النقص في هذه الحالة من خلال استيراد سلع اكثر مما يتم تصديره. وعندما تمر الولايات المتحدة بعجز تجاري, فإن الاجانب يشترون سلعاً امريكية بقيمة تقل عن الدولار لكل دولار يكسبونه من مبيعات صادراتهم لنا. والسؤال الطبيعي الذي يتبادر إلى الذهن هو: ماذا يفعل الاجانب بالدولارات المتبقية بعد ان يشتروا تلك السلع الامريكية؟ من ناحية عملية يقومون باستثمار تلك الدولارات الزائدة في اصول امريكية. هل الوقوع تحت طائلة الدين امر جيد ام سييء لبلد ما؟ من الواضح ان الجواب يعتمد على ما تفعله تلك الدولة بالمال. ان ما يهم المدخولات المستقبلية ومستويات المعيشة هو ما اذا كان العجز يتم استخدامه لتمويل المزيد من الاستهلاك ام المزيد من الاستثمار. وفي هذا الخصوص فإن العجز في التسعينيات يختلف كلياً عن العجز في الثمانينات. لقد شهدت الولايات المتحدة عجوزات كبيرة في الحساب الجاري في منتصف الثمانينيات عندما هبط الاستثمار المحلي الصافي كحصة من الناتج المحلي الاجمالي, وهبط التوفير الوطني الصافي اسرع من ذلك. وبالمقارنة فإن العجز في التوسع الحالي قد ارتبط مع تصاعد حصص الناتج المحلي الاجمالي المخصصة للاستثمار والتوفير. ويشير نمو العجز إلى ان الزيادة في التوفير الوطني, بسبب التخفيض في عجز الموازنة الفيدرالية, لم تجار الزيادة في الاستثمار. وهذا يشير إلى زيادة الاستثمار بدلاً من انخفاض التوفير. ومجدداً على الرغم من ان المستوي الملائم للعجز في الحساب الجاري من الصعب تقويمه, الا ان هناك مبدأين على الاقل لهما صلة بالموضوع اذا ما تبين ان من الضروري تخفيض العجز. اولاً للولايات المتحدة مصلحة في السياسات التي تحث على النمو الخارجي. حيث انه من الافضل تخفيض العجز في الحساب الجاري عبر نمو اسرع في الخارج من ان يكن ذلك عبر نمو ابطأ في الداخل. ثانياً: ان اية تخفيضات في العجز يفضل تحقيقها عبر زيادة التوفير الوطني من تحقيقها عبر تخفيض الاستثمار المحلي. واذا كانت هناك فرص استثمارية مغرية في الولايات المتحدة, فإننا نحسن صنعاً بالاقتراض من الخارج لتمويل هذه الفرص بدلاً من تضييعها. ومن جهة اخرى فإن المداخيل في هذه البلاد ستكون اعلى في المستقبل اذا ما تم تمويل هذه الاستثمارات من خلال توفير وطني اعلى. والولايات المتحدة تحتاج إلى سياسات تجعل من الادخار امراً اكثر اغراء. اذن ما هي النقطة الجوهرية؟ ان العولمة ليست هدفاً بحد ذاته, بنظر مستشاري الرئيس الاقتصاديين, والسياسة التجارية هي وسيلة لتأمين مستويات معيشية متصاعدة لكل شخص في العالم. اما اذا ما كان هذا الهدف النبيل يجري تحقيقه فعلياً في مؤسسات مثل منظمة التجارة العالمية ام انه ستكون هناك حاجة لتشكيل مؤسسات جديدة بالكامل في البناء المالي الجديد, فهذه امور يحملها المستقبل في مجاهيله. واشنطن ليوسكانلون