اجتاحت العالم منذ مطلع التسعينيات رياح التغيير الاقتصادي, إن انهيار الاتحاد السوفييتي وهدم جدار برلين لم يكونا فقط تعبيرا عن سقوط الحكومات الشمولية, ولكن ايضاً بداية التغيير الجذري في مفهوم النظام الاقتصادي. وبعبارة ادق, لقد وضع العالم اولى خطواته على طريق التحرر الاقتصادي الذي تخلي فيه إلى حد كبير عن افكار اشتراكية والتخطيط المركزي وسيطرة الدولة على المشاريع. والقضية الآن لم تعد الحكم على ما اذا كانت المفاهيم المقابلة الخاصة بالحرية الاقتصادية سوف ترجح كفتها بل إلى أي مدى. ولكن لماذا الاهتمام بالحرية الاقتصادية ان النظرة السائدة اليوم, في جوهرها, هي ان الناس, ولهم الحق في ذلك بحاجة إلى رفع مستوى معيشتهم مادياً وتأمين وضعهم المالي. وان رفع مستوى المعيشة يتأت من خلال التجارة والاستثمار, هذه الانشطة من الافضل ان تترك لرجال وسيدات الاعمال من القطاع الخاص بدلاً من القطاع الحكومي, وان النشاط التجاري يؤتي ثماراً افضل لتحقيق الازدهار والرفاهية اذا كان يعمل في جو من حرية الحركة دون قيود لها من قبل الدولة. ان الحرية الاقتصادية تعتبر هامة محلياً مثلما هي كذلك دولياً, ولا يمكن حصرها داخل اطر جغرافية, فالعمل التجاري بحاجة إلى ان يكون حراً للشراء والبيع والتأجير والتجارة, سواء كان في السوق المحلية او الخارجية. ففي هذا العالم الذي تتشابك اتصالاته اليوم لا يمكن رسم حدود الحرية الاقتصادية عند الحدود الوطنية او حدود المدن. ويعتبر العامل السكاني في منطقة الشرق الاوسط, لاسيما في دول مجلس التعاون الخليجي, عاملاً اضافياً يزيد من ضرورة تقبل هذا المفهوم. فمع ارتفاع معدل النمو السكاني إلى 3 في المئة في السنة او اكثر, هناك حاجة ماسة لايجاد فرص العمل وبالتالي زيادة الاستثمار وكلما اسرعنا في ازالة الحواجز عن طريق الاستثمار كلما كانت الفرصة اكبر لايجاد الوظائف والفرص التي يتطلع اليها المواطنون من الشباب. قياس الحرية الاقتصادية لو تقبلنا اذن مفهوم الحرية الاقتصادية. فمن المفيد ان نسأل: كيف يمكن قياس تلك الحرية وكيف نقيم وضعنا الحالي مقابل ما نرغب في تحقيقه. وهنا يمكن ان نعول على تعاريف ومقاييس الحرية الاقتصادية كما حددها معهد فريزر في كندا في سلسلة دراساته حول التطور الاقتصادي, تحت عنوان (الحرية الاقتصادية في العالم) . في هذه الدراسات حدد معهد فريزر درجات للحرية الاقتصادية, بمقياس يبدأ من صفر حتى 10% لمعظم الدول والمناطق الرئيسية في العالم ويشمل التصنيف بمعدل صفر اقل درجة من درجات الحرية الاقتصادية. بينما يشير التصنيف بمعدل 10 إلى اقصى درجة من درجات الحرية الاقتصادية بالنسبة لكافة الدول التي تخضع لهذا التصنيف. ويعتمد التصنيف على سبعة مكونات, كل منها ايضاً ينقسم إلى درجات من (صفر) إلى (10) سبعة (مجالات) رئىسية للحرية الاقتصادية كالآتي: ـ حجم الحكومة ـ هيكل الاقتصاد واستخدام الاسواق ـ السياسة النقدية واستقرار الاسعار ـ حرية استخدام العملات البديلة ـ الهيكل القانوني وحقوق الملكية ـ حرية التجارة الدولية. ـ حرية الاسواق المالية. ويعتمد اختيار هذه المكونات على وجهة النظر القائلة بأن الدولة التي تتمتع بدرجة عالية من الحرية الاقتصادية هي التي تستوفي معظم المعايير التالية: ـ صغر حجم الحكومة بالنسبة لحجم الاقتصاد. ـ تحكم الحكومة في اقل نسبة من النشاط الاقتصادي. ـ انخفاض نمو عرض النقود واستقرار معدل التضخم. ـ حرية استبدال العملة. ـ حماية النظام القانوني لحقوق الملكية وسلامة العقود التجارية. ـ حرية الشركات في الاستيراد والتصدير باقل حد من الضرائب والقيود على التجارة. ـ حرية الشركات التجارية والمؤسسات المالية في الاقتراض والاقراض والاستثمار, واستقرار الاسواق المالية. وبالمقابل فإن الدولة التي تتمتع بدرجة منخفضة من الحرية الاقتصادية هي تلك التي لا تستوفي معظم تلك المعايير. الجدول رقم 1 الدول او المناطق العشر الاولى من حيث الحرية الاقتصادية هونج كونج سنغافورة نيوزيلندا الولايات المتحدة المملكة المتحدة ايرلندا استراليا كندا لكسمبورج هولندا 1970 9.4 7.7 7.0 8.0 6.6 6.8 8.1 8.1 9.1 8.6 1975 9.3 7.6 6.0 8.1 5.9 6.2 6.9 7.7 8.8 7.4 1980 9.6 8.0 6.4 8.5 6.8 6.6 7.4 8.0 9.0 7.8 1985 9.3 8.4 6.2 8.6 8.2 9.4 7.8 1990 9.3 9.1 8.1 8.8 8.6 7.3 8.1 8.5 8.3 8.1 1995 9.8 9.4 9.1 8.9 8.8 8.6 8.6 8.4 8.4 8.4 1997 9.4 9.4 9.1 9.0 8.9 8.7 8.6 8.6 8.5 8.5 المصدر: معهد فريزر, الحرية الاقتصادية في العالم 2000, التقرير السنوي لقد تم وضع هذه التصنيفات لاول مرة في عام 1970 وتم تحديثها وتوسيعها عدة مرات منذ ذلك الحين وفي احدث دراسة في عام 1997. شمل التصنيف 122 دولة. وكما يبين الجدول رقم ,1 كانت هونج كونج دائماً في مقدمة دول العالم من حيث الحرية الاقتصادية وفي عام 1990 انتقلت سنغافورة إلى المركز الثاني وهي الآن تشترك مع هونج كونج في احتلال الصدارة, وبقية الدول العشرة الاولي هي دول صناعية متباينة مثل لكسمبورج ونيوزيلندا والولايا المتحدة. وتؤكد هذه التصنيفات ما تشير اليه الملاحظة الذاتية: وهو ان معظم دول العالم حققت تقدماً في درجة حريتها الاقتصادية خلال التسعينيات, حيث ارتفع معدل التصنيف, لكافة الدول المشتركة فيه من 5.59 في عام 1990 إلى 6.55 في عام .1997 السياسات الاقتصادية لدول مجلس التعاون الخليجي يأتي تصنيف دول مجلس التعاون الخليجي في اعلى درجاته فيما يتعلق بحرية استبدال عملاتها وحفاظها على الاستقرار في سياستها النقدية والسيطرة على التضخم ويأتي متدنيا في مجالات حجم الحكومة والهيكل الاقتصادي وحرية الاسواق المالية. وما تشير اليه مجموعة التصنيفات الاخيرة هو ان السائد في دول المجلس ان حجم الحكومات كبير بالنسبة لاقتصادياتها وانها تمارس درجة عالية من السيطرة على الاقتصاد من خلال امتلاك العديد من القطاعات الاقتصادية والشركات والبنوك. تصنيف الحرية الاقتصادية في دول مجلس التعاون الخليجي لقد قام معهد فريزر بادخال دول مجلس التعاون الخليجي في التصنيف الخاص بالحرية الاقتصادية لاول مرة عام 1980. وحتى الآن قام بتصنيف اربع دول هي: البحرين والكويت وسلطنة عمان والامارات العربية المتحدة وخلال هذه الفترة حققت دول المجلس درجة عالية من الحرية الاقتصادية.. وكما يبين الجدول رقم ,2 ارتفع معدل التصنيف لتلك الدول من 6.4 في عام 1980 إلى 7.6 في عام 1997. فقد ارتفع معدل تصنيف الكويت بصورة كبيرة من 5.1 إلى 7.5. كذلك ارتفع تصنيف سلطنة عمان والامارات العربية المتحدة بصورة ملحوظة خلال هذه الفترة. كذلك تحتل دول مجلس التعاون الخليجي مكانة مرموقة في مجمل التصنيف بين دول العالم, وتأتي البحرين في مقدمة دول المنطقة بل في الواقع في مقدمة الدول العربية والشرق الاوسط. حيث يبلغ تصنيفها 7.9 وتحتل المرتبة الثلاثين بين دول العالم. الجدول رقم 2 تصنيف دول مجلس التعاون الخليجي من حيث الحرية الاقتصادية ملخص التصنيف في الفترة ما بين 1980 ـ 1997 البحرين الكويت عمان الامارات العربية المتحدة المتوسط لدول مجلس التعاون 1980 7.6 5.1 6.6 6.1 6.4 1985 7.4 7.1 7.5 6.9 7.2 1990 7.4 5.8 6.8 7.6 6.9 1995 7.9 7.1 7.7 7.6 1997 7.9 7.5 7.6 7.2 7.6 المصدر: معهد فريزر, الحرية الاقتصادية في العالم 2000, التقرير السنوي, اعداد جيمس كوارتني وروبرت لوسون ومما لا شك فيه ان دول مجلس التعاون الخليجي لديها التزام عام في سياساتها نحو الحرية الاقتصادية والملكية الخاصة. وقد برز هذا الالتزام في السنوات الاخيرة في البرامج التي تهدف إلى خصخصة بعض المؤسسات الحكومية. وحتى الآن لم تنتقل اي من المؤسسات الحكومية الرئيسية إلى أيدي القطاع الخاص. كما ان دول المجلس تقصر عموماً مجالات كبيرة من النشاط الاقتصادي على مواطنيها, ومن ابرزها, ملكية الاراضي والعقارات وملكية حصة الاغلبية لمعظم انواع الشركات وفي بعض دول المجلس, يتم الآن بالتدريج توسيع مجال الملكية وحقوق ممارسة النشاط الاقتصادي ليشمل مواطني دول المجلس الاخرى. ويعتبر القرار الذي تم اتخاذه مؤخراً في دبي لفتح مجال التجارة العامة لابناء دول مجلس التعاون خطوة في الاتجاه الصحيح. وفي وقت ما مستقبلاً ربما تلجأ دول المجلس إلى التفكير في تطبيق مفهوم الحرية الاقتصادية المتساوية للمواطنين والاجانب من جميع الجنسيات على حد سواء. هذا المفهوم يعتبر التزاماً لكافة اعضاء منظمة التجارة العالمية. والاهم من ذلك انه يعتبر مبدأ ضرورياً للاخذ به اذا كانت دول المجلس ترغب في الحفاظ على وضعها المتميز كمنطقة لاجتذاب الاستثمار في منافستها مع المراكز التجارية الاخرى. التطورات الجديدة هناك عدد من التطورات الجديدة المشجع. فمنذ ان بادرت دبي بتطبيق فكرة المنطقة الحرة في جبل على في منتصف الثمانينات, حذت الامارات الاخرى في الدولة حذوها. والآن تقوم الكويت بانشاء منطقة حرة في الشويخ. كما قامت دبي بانشاء منطقة حرة اخرى في مطار دبي الدولي وشرعت في تنفيذ منطقة دولية للاعمال المتكاملة بالقرب من جبل علي. واعلنت مؤخراً عن انشاء مدينة دبي للانترنت, وهي منطقة تعتمد على التجارة الالكترونية وتكنولوجيا المعلومات. ونعتقد ان الحل الامثل هو ان تتبى دول مجلس التعاون الخليجي فكرة انشاء المناطق الحرة. واذا كانت البيئة التنظيمية السائدة داخل المناطق الحرة تلقى القبول فيجب اذن تطبيقها على مستوى الدولة, وهذه هي الطريقة التي تعمل بها هونج كونج وسنغافورة وهو نفس الاتجاه الذي اتخذته البحرين ان الحرية الاقتصادية من الاهمية بمكان بحيث لا يمكن حصرها في مناطق بعينها. ودول المجلس بحاجة إلى الحرية الاقتصادية للحفاظ على ازدهارها وتحقيق آمال شبابها وتطلعاتهم للحصول على الوظائف وتأمين مستقبلهم ورفع مستوى معيشتهم.