تعتبر جميع الانشطة ذات الصلة بصنع القرار انشطة سياسية بدرجة أو بأخرى فكل التلميحات والآراء والمعلومات والمسببات تعكس دوافن خفية.وكثيرا ماتشكل القرارات انتصارا لمصالح مجموعة على مصالح المجموعات الآخرى فعلى سبيل المثال تعاني احدى المؤسسات صعوبة كبيرة في تسليم منتجاتها بسبب الاعطال المتكررة في سيارات النقل، ويضغط مسئول النقل على المدير المالي بهذه المؤسسة لاستبدال السيارات التي تتكرر اعطالها ولكن محاسب المؤسسة يعرب عن معارضته للاقتراح بالقول ان المؤسسة تمر بأزمة مالية وبعد ذلك يوجه مدير النقل كل شكاوى العملاء الى المدير المالي وخلال اسبوع واحد تقرر الادارة شراء شاحنات جديدة. ويوضح هذا المثال ان السياسات في اطار هذه المؤسسة يمكن ان تقود الى: ـ اتفاق حول شراء سيارات جديدة. ـ الوصول الى حل ما على الرغم من عدم الاتفاق وايضا ان تجد حلا للمشكلة أو تأتي بمشكلة جديدة. ولكي يتم حل المشكلة أوجد المدير المالي مشكلة أخرى لانه تجاهل رأي المحاسب. وما نراه هنا من قرارات عفوية أوجد توترات من ناحية أخرى انما يعني ان المؤسسات والهيئات تعيش حالة من عدم الاستقرار المتواصل حيث تصر مجموعة من المجموعات او فرد من الافراد المعارضين للقرار على متابعة مصالحها في الوقت الذي يسعى آخرون الى حماية مصالحهم أي مكتباتهم. وبعبارة أخرى لا يمكن ان يكون القرار قراراً بالمعنى الصحيح إلا إذا كان هو القرار الذي تريده أنت شخصيا وإلا فإنه سيعتبر انتكاسة في سياسة الشركة بحسب ما تراه أنت دون الآخرين الذين ينسجم هذا القرار مع مصالحهم. وتأتي بعد مرحلة اتخاذ القرار مرحلة أخرى لا تقل اهمية عن سابقتها وهى مرحلة التنفيذ حيث يمكن تعديل الانتكاسات واصلاح ما فسد خلال هذه المرحلة إلا أن تفويض الصلاحيات وتكليف الآخرين يتيح الفرصة للافساد والتخريب لانه يتيح للآخرين مجالا أوسع للتصرف كما أن الاتصالات الادارية العادية التي تتعلق بتسيير العمل قد تساعد على تسهيل عمليات التعطيل والتخريب لأنها تيسر للناس تبرير تقاعسهم وعدم اهتمامهم بتنفيذ القرارات بأن تصرفهم كان نتيجة لسوء الفهم ومن بين مسببات التعطيل الرئيسية تجاهل التعليمات وتعطيل العمل أو الأجهزة وتفسير التعليمات بحسب المزاج الشخصي والأهواء. ولتوضيح تأثير تجاهل التعليمات نعيد إلى الاذهان ان القادة العسكريين في القرون الوسطى كانوا يصرون على رؤية رؤوس خصومهم وهي ملقاة عند اقدامهم لانهم كانوا يعتقدون أن هذا هو التأكيد القانوني الوحيد على تنفيذ الحكم. أما ادولف هتلر مثلا فقد كان على النقيض منهم اذ لم يكن يعلم ان مساعديه كثيرا ما يعمدون الى عدم تنفيذ تعليماته وكانت مشكلته مشابهة لمشكلات مديري المؤسسات اليوم الذين لا يسمح لهم الوقت بمتابعة تنفيذ القرارات التي يتخذونها والتأكد من انها نفذت فعلا. ومن الطريف أن أحد مساعدى رئيس مجلس الادارة احدى المؤسسات كان يعتقد ان رئيس المؤسسة اذا طلب شيئا ثلاث مرات فمعنى ذلك انه يريده حقا وهذا يعني أن الرئيس اذا لم يسأل عن شيء ما ثلاث مرات فمن المحتمل الا يحصل عليه. وهناك مثال آخر ففي إحدى المؤسسات اصدر المدير أمراً بانشاء قسم خاص للمعلومات وكان يعتقد ان أوامره سوف تنفذ على الفور إلا أنه عجز عن ادراك ان موظفي الحسابات والادارة كانوا يعارضون فكرة تقاسم المعلومات اضافة لاعتراضهم على اداء الاعمال المساندة لعملية استبدال انظمة المعلومات القائمة. ومضت ستة اسابيع ولم يقم المعنيون بإنشاء القسم الخاص بأي اجراء فطلب المدير تفسيراً للوضع فقام المعنيون بارجاع التأخير إلى ضغط العمل إلا ان المدير لم يقتنع بهذا المبرر وأكد ضرورة تنفيذ تعليماته السابقة. ومضت ثلاثة اشهر ولم يحدث شيء وأخطره المعنيون بأنهم سيشرعون فوراً في انشاء القسم الخاص. وبعد اشهر اخرى لم يحدث أي تقدم في العمل وتعلل المعنيون بتخوفهم من احتمال انهيار أرضية القسم الجديد بسبب ضخامة الأجهزة وثقلها وخزائن الملفات خاصة وان مكاتب الشركة مشيدة من المواد الجاهزة وأنهم ينتظرون نتيجة دراسة المهندس المعماري. ونفد صبر المدير الذي أكد مرة أخرى ضرورة تنفيذ تعليماته وبعد شهر قال المعنيون انهم كانوا يأملون في التغلب على أرضية الغرفة بوضع القسم الخاص بالمعلومات في قبو المبني ولكن الأمور تعطلت لأن الموظفين الذين يتخذون مكاتبهم في ذلك القبو لايزالون يعملون به إلا انهم سوف ينتقلون قريبا. غير ان المدير رفض كل هذه التبريرات وأصر على وضع القسم الخاص في المكان الذي حدده بنفسه وبعد اسابيع ظهر في المكان المحدد بعض الخزائن المتهالكة وتوقفت الاجراءات وحين سأل المدير عن المشكلة قالوا له انهم كانوا يعتقدون انه سيوفر لهم خزائن جديدة فأجاب انه قد طلب اثاثا جديدا بالفعل إلا ان ميزانية المشتريات الجديدة تجمدت لأشهر عدة واستطرد قائلا: استخدموا الخزائن القديمة وملأ المعنيون الغرفة بالخزائن القديمة فاطمأن المدير التنفيذي إلى ان العمل الحقيقي قد بدأ إلا انهم فاجأوه بقولهم انهم لا يزالون في انتظار وصول الملفات. وتتراوح أشكال التعطيل والاعاقة والتخريب لمسار العمل في مثل هذه الحالات ما بين المعارضة النشيطة والمعارضة السلبية والمقاومة الخفيفة في بعض الأحيان بحيث تصعب للغاية مواجهة القوى الخفية لانها تظل غير معروفة وخير مثال على هذا هو أن مجموعة من المديرين في احدى المؤسسات كانت تعارض تطبيق النظام الجديد للمناوبة وعلموا ان قسم الحسابات يعارض هذا النظام ايضا لاسباب تخص المحاسبين فأوعز هؤلاء المديرون إلى المحاسبين بالضغط على المؤسسة لاجبارها على ايقاف النظام الجديد او تعطيله ويتضح هنا انه عندما يقول أحد الموظفين ان زملاءه لايريدون اتخاذ اجراء معين فإن هذا يعني في اغلب الاحوال ان هذا الموظف نفسه هو الذي لا يريد الاجراء اصلا. وفي واقع الأمر فإنه يمكن استغلال هذه الاساليب في مناورات تتعلق بالسياسة الادارية تفيد اطرافاً معينة وللنظر إلى تلك المؤسسة التي طلبت من مدير الشئون الادارية تعيين محاسب متخصص في حسابات التكلفة سعياً للحد من تضارب الارقام في كل عملية تنفذها ولم يكن المدير يرغب في تنفيذ هذا التوجه لانه يعتقد انه غير مجد فقام بنشر اعلان عن توظيف محاسب تكاليف بالصحف المحلية وكان من رأي رئيس قسم الحسابات انه لا يوجد بين المتقدمين من يصلح لشغل هذه الوظيفة وبعد جولات اخرى من اللقاءات الشخصية مع المتقدمين توصلت الادارة إلى النتيجة نفسها الامر الذي أدى إلى ان تطلب المؤسسة مراجعة اجور محاسبي التكاليف وتحسينها حتى يمكن تعيين شخص مؤهل. ويعتبر الاعلان في الصحف اسلوباً ملتوياً لتعطيل القرار فقد كان في امكان مدير الشئون الادارية التعجيل بعملية الاعلان من خلال وكالة متخصصة ولكنه بدلا من ذلك ترك الامور تأخذ مجراها وهو يعلم جيداً ان هذا ليس الاسلوب الامثل للتصرف ونتيجة لذلك كان كل المتقدمين لشغل الوظيفة اقل من المستوى المطلوب وبالتالي منح لجنة المقابلات الشخصية فرصة لان ترفضهم في اطار قانوني حتى ولو كان هناك من يصلح. ومن جانب آخر كان تحديد المقابلات الشخصية على اساس تحديد الاجور والمزايا التي سينالها المرشح الناجح خطة رائعة ذات ثلاثة ابعاد فقد كشفت عن ان مدير الشئون الادارية موظف نشط ومهتم بالامر وان الاجراءات الييروقراطية سوف تؤخر الاعلان وانها وضعت رئيس قسم الحسابات في وضع امتنان لمدير الشئون الادارية لانه يرغب في زيادة اجور المحاسبين العاملين معه من خلال ادائهم للمهام الجديدة التي اوكلت اليهم. وفي كثير من الاحيان تأتي قرارات السياسة الادارية المعقدة في شكل مبهم او موجز مما يتيح لبعض الاطراف مجالاً واسعاً للتصرف في تفسير القرار فمثلاً كان هناك قرار ينص على تنفيذ سياسة تساوي الفرص في كل التعيينات في احدى المؤسسات ويمكن عند تطبيقه ان يعني هذا القرار شعاراً خاصاً بالاعلان عن التعيين او التزامات محددة لتغيير شكل استمارة طلب العمل او تدريب بعض افراد الشئون الادارية على اساليب المقابلات الشخصية على اسس متساوية او ادخال رقابة صارمة على المقابلات الشخصية. وكثيراً ما يفتقر صانعو السياسة الادارية إلى الرؤية الشاملة والتفصيلية التي ينبغي ان تستند اليها قراراتهم عند تطبيقها فقد يظل قرار تحسين مستويات الجودة الادارية فارغاً ان لم يتم تحديد ماهية الجودة وهل المقصود هو جودة الاستخدام او جودة القيم او جودة العلاقات العامة؟ ولهذا يعمد المديرون التنفيذيون إلى تفسير القرارات بما يتماشى وينسجم مع ما يرونه وبالتالي فإن النتائج قد تكون مختلفة إلى حد بعيد عن التصورات التي كانت لدى صانعي القرار ومن الممكن ايضا ان تتحول السياسة لنفع ومصلحة موظفي مؤسسة معينة إلى نموذج غير عادل في ايدي المديرين ذوي التوجهات البيروقراطية. ويعتبر ضمان عدم اثارة اية قضية للتغيير على الاطلاق من افضل الوسائل للحيلولة دون تغيير الاوضاع السائدة في مؤسسة ما وهذا ما يسمى في علم الادارة بالاقرار. وتشتمل اساليب وخطط وقف محاولات التغيير على الابقاء على انعدام ادراك الجوانب الاخرى والسيطرة على جدول اعمال الاجتماعات والاشتراك الاختيارى في الاعمال واستغلال تقاليد المؤسسة والمحظورات والرجوع والاستشهاد باللوائح والسلبية. ومن اكثر الطرق فعالية في كتب المصالح المعارضة ضمان عدم ادراك الجانب الآخر ان له مصلحة في الموضوع ومن امثلة هذا السلوك طمس المعلومات الخاصة بساعات العمل اليومي في المؤسسات الاخرى واعطاء الموظفين انطباعاً بأن معايير الترقي عادلة اكثر مما تبدو وان حجم العمل الذي يؤدونه هو عادي للغاية فهناك من يعمل اكثر ويقبض اقل. وتتعدد اشكال السيطرة على جداول اعمال الاجتماعات منها الاقتراحات بتحويل الموضوع إلى لجنة خاصة او بتكرار عبارة مثل (ان السيد المدير لن يوافق) او (انك تضيع وقتك سدى) وبين قصر جداول الاعمال على نشاطات محددة بحيث تضمن بعض الاطراف مناقشة الموضوعات ذات الاهمية بالنسبة لهم ودفع النشاطات المعارضة إلى آخر قسم في جداول الاعمال. اما التقارير والمحظورات فتدور جميعها حول القيم التي اصبحت ركنا رئيسياً من اركان سياسة المؤسسات وتكون متغلغلة بحيث لا يمكن المساس بها او مناقشتها فعلى سبيل المثال مستحيل على جمعية تأسست على مبدأ مثالي من نوع عدم اكل اللحوم ان تبيع اللحوم ومنتجاتها بل وقد يتم فصل اي عضو يتجاسر ويثير هذه القضية. أما السلبية المنظمة فهي اسلوب آخر من اساليب مواجهة المصالح المعارضة خاصة اذا كان الطرف الآخر لا يتمتع بالصبر ومن ابرز امثلة هذا النموذج ان يضمن احدهم صديقاً لدى احد المصارف المحلية للحصول على قرض ولا يقوم هذا الصديق بتسديد الاقساط الشهرية وحين يتصل به الضامن الذي هو ايضاً صديقه يقول له بكل فتور: اعذرني فسوف اودع المبلغ في حسابك على الفور ولا يفعل حتي يجن جنون الضامن الذي يتوجه نحو البنك ليسحب ضمانه فإذا به يفاجأ بأن البنك يطلب منه احضار ضامن آخر. ان هو اراد سحب ضمانه ولا يملك في نهاية المطاف الا ان يرضخ للامر الواقع. وغالباً ما ينظر الناس إلى السياسة الادارية على انها امر ينذر بعواقب وخيمة وقد تكون هذه النظرة صحيحة إلى حد ما الا انه يمكن ايضاً استخدام السياسة كوسيلة ايجابية للحفاظ على استقرار المؤسسة واحداث تغييرات ايجابية والحيلولة دون اتخاذ قرارات خاطئة. ولا يوجد دليل واضح على ان المشاركة تزيد انتاجية العمل ولكنها قد تسهم في الحفاظ على الاستقرار مما يجعل الناس يحسون بانهم يتمتعون بتأثير ما على اتخاذ القرارات وبتوفير متنفس للتوترات التي قد تطرأ على جو العمل. ويعتبر الاختلاف في الرأي ومتابعة المصالح من اكبر مسببات التغيير كما يمكن للضغوط السياسية الناجمة عن ذلك ان تدفع صانع القرار إلى العمل وتمنعه من الركون إلى الرضا عن النفس. ومن القيم الايجابية الاخرى للسياسة قدرتها على الحيلولة دون اتخاذ قرارات خاطئة من خلال حشد الجهود المعارضة فقد لا نحب من يعارضوننا داخل المؤسسة الا اننا نحتاج اليهم لانجاز العمل ولهذا نأخذ بآرائهم.