ستشهد الأعوام الثلاثون المقبلة قدوم مليارين إضافيين من البشر إلى الكرة الأرضية, المتخمة أصلا بأعداد هائلة من السكان يلقى قطاع كبير منهم صعوبة بالغة في إشباع حاجاته الأساسية. ومثل هذا التطور في عدد سكان الكرة الأرضية يحتم علينا مضاعفة الإنتاج الغذائي خلال العشرين سنة المقبلة. وواقع الأمر يشير إلى أننا نواجه عالما مليئا بالفرص والتحديات الكبيرة, وبالتالي فإن على السياسات التجارية على وجه الخصوص أن تلعب دورا رئيسا, ضمن منظومة الجهود التي تبذل في سبيل رفع معدلات التنمية في جميع أنحاء العالم. وكلنا على علم بأن التجارة وحدها ليست كافية للوصول إلى ما نصبو إليه, فعلى سبيل المثال هناك أعضاء في منظمة التجارة العالمية يبلغ ما يقومون بتسديده من ديون تسعة أضعاف ما يوجهونه للأغراض الصحية. ونحن نقرأ في الصحف اليومية ما يشير إلى أن من يموتون بسبب مرض الإيدز في أفريقيا كل عام يفوق ضحايا جميع الحروب المدنية في العالم كله. وقد أشارت إحدى الصحف مؤخرا إلى أن 25% من سكان إحدى الدول الأفريقية مصاب بالأيدز. وتشير دروس التاريخ وواقع العصر الحالي إلى أن التجارة تمثل إحدى العناصر المهمة في عملية التنمية, فاندماج الدول النامية داخل النظام التجاري العالمي نتج عنه انخفاض غير مسبوق في مستويات ومعدلات الفقر. وتشير إحصائيات البنك الدولي إلى أنه خلال فترة بلغت أحد عشر عاما, وبالتحديد من العام 1987 إلى العام ,1998 انخفض على سبيل المثال عدد هؤلاء الذين يعيشون بدخل يقل عن دولار واحد يوميا في شرق آسيا من 418 مليون إلى 278 مليون نسمة. وشهدت الفترة ما بين العام 1990 والعام 1998 نموا في التدفقات الاستثمارية إلى الدول النامية, حيث ازدادت هذه التدفقات من 20 مليار إلى 150 مليار دولار أمريكي. وارتفعت أيضا بشدة نسبة الصادرات الخاصة بالسلع والخدمات إلى الناتج المحلي العام. فعلى هؤلاء الذين يهاجمون عمليات التحرير التجاري, ويدعون أنها تخدم مصالح الأثرياء على حساب الفقراء, أن ينظروا بدقة إلى هذه الدلائل التي تدحض ادعاءاتهم. وإذا نظرنا إلى المناقشات الجارية في نطاق منظمة التجارة العالمية في هذا الشأن, نجد أن المفاوضات الخاصة بمجالات الزراعة والخدمات تعتبر غاية في الأهمية في ما يتعلق بالمستقبل الاقتصادي للدول على جميع مستويات التنمية. ففي مجال الزراعة تعتبر عمليات تحسين قدرة الدول النامية على غزو الأسواق العالمية, إلى جانب خفض درجة المنافسة من قبل الدول الأغنى, لاسيما في ما يتعلق بالدعم الذي تقدمه هذه الدول لمنتجاتها, من الأشياء الأساسية اللازمة لتحسين قدرة الدول النامية وتطوير هياكلها الاقتصادية وتنويع منتجاتها. إلى جانب هذا تأتي تنمية تجارة الخدمات وتنويعها, وهو الأمر الذي من شأنه مساعدة الدول النامية على الحصول على مكاسب ضخمة. علاوة على أن تطوير هذا النوع من التجارة يعتبر شرطا أساسيا للقيام بالإصلاحات الخاصة بقطاعات البنية الأساسية الرئيسة, مثل قطاعات الاتصالات والنقل والتأمين والمالية. ولذا فإن تحرير تجارة الخدمات يعتبر عنصرا أساسيا لإنجاح أية سياسة اقتصادية معنية بالتنمية. وإلى جانب مجال الخدمات والزراعة, فإن هناك مجموعة أخرى من الإجراءات تتم مناقشتها داخل المنظمة بهدف مساعدة الدول الأقل نموا, فالأنشطة التجارية لهذه الدول تمثل أقل من نصف في المئة من التجارة العالمية, وتتلقى أقل من 1% من الاستثمارات الأجنبية المباشرة. وفي ضوء هذا الوضع المهمش لهذه المجموعة من الدول, فإنها تحتاج إلى تواجد أكثر تحررا في الأسواق العالمية, سواء تلك الخاصة بالدول المتطورة أو تلك الخاصة بالدول النامية. والأهم من ذلك هو أن هذه الدول في حاجة إلى المساعدة لبناء قدراتها البشرية والمادية, وتطوير البنية الأساسية, وإنتاج وتبادل مدى أكبر وأكثر تنوعا من السلع والخدمات. وبدوره خطا الاتحاد الأوروبي خطوات واسعة في سبيل توفير حرية أكبر لهذه الدول في الوصول للأسواق العالمية, ووعد الاتحاد بأن يقدم إعفاء ضريبيا لكل المنتجات الأساسية القادمة للأسواق الأوروبية بحلول العام 2005. وبالطبع يعتبر هذا الأمر خطوة صحيحة وجيدة, إلا أننا بحاجة إلى توسيع الأمر ليشمل جميع المنتجات وجميع الأسواق. وفي الوقت نفسه فإن المشكلات التي تعاني منها الدول الأقل تطورا, تحتاج إلى استجابة جماعية وموحدة من قبل الدول المانحة والوكالات الدولية. ومن الأولويات الأخرى التي تستحوذ على اهتمام المنظمة, تأتي عملية تحسين وتنظيم الأنماط الخاصة بتمويل أنشطة المنظمة المتعلقة بالتعاون التقني. فقد كان الأمر بمثابة صدمة عندما اكتشف أن ميزانية المنظمة للمساعدات التقنية لا تتعدى نصف مليون دولار. وعلى الرغم من أن المنظمة تلقت أموالا أخرى في صورة دعم من بعض الدول المانحة, فإن الأمر يحتاج إلى ميزانية منتظمة تمكننا من التخطيط لسنوات عدة مقبلة والاستجابة للمطالب والاحتياجات المتزايدة للدول. وفي هذا الصدد تقوم المنظمة بإجراء مراجعة كاملة ورئيسة لبرامج التعاون الفني, وتبحث عن ميزانية منتظمة لبرامج التعاون التقني تصل إلى 15 مليون فرنك سويسري.