يمر القطاع الصناعي بالدولة حاليا بمرحلة يمكن تسميتها مرحلة تبلور, أو إعادة للصياغة لتقديم صورة جديدة تتناسب ومتطلبات الواقع الذي تفرضه قوانين التجارة العالمية. وتتمثل هذه الصياغة الجديدة في اعتماد الصناعة الإماراتية استراتيجية التوجه نحو التصدير, وخاصة بعد الإعلان عن تنفيذ عدد من المشروعات الصناعية في كل من إمارتي دبي وأبوظبي. حول هذه النقاط تركز حديث نائب مدير عام مصرف الإمارات الصناعي, الذي يؤكد أن إقامة قاعدة إنتاجية للصناعات التصديرية محل اهتمام متزايد من جانب المؤسسات الحكومية والخاصة بالدولة على السواء. وفي لقاء مع (الامارات اليوم) في عددها الأخير أكد مظفر الحاج مظفر, نائب مدير عام مصرف الإمارات الصناعي, أن توجه القطاع الصناعي بالدولة إلى التركيز على الصناعة التصديرية أصبح محط اهتمام العديد من المؤسسات الحكومية والخاصة, مثل المؤسسة العامة للصناعات بأبوظبي, وشركة دبي للاستثمار. مشيرا إلى ضرورة التنسيق بين هذه الجهات لزيادة فعالية هذا التوجه, وبما ينعكس على الإسهام بدور كبير في تنويع مصادر الدخل بالدولة. وقال إن الإمارات تتمتع بالعديد من الأفضليات الإنتاجية, وخاصة في مجالات الطاقة والمعادن, الأمر الذي يؤهلها للدخول بقوة في قطاع الصناعات التصديرية, ويجعل منها أحد أهم مراكز إنتاج السلع والمنتجات البتروكيماوية والبترولية في العالم خلال العقود الثلاثة المقبلة. ولا يرى الحاج أن عملية التحول نحو الصناعات التصديرية ستواجه صعوبات حقيقية, حيث تتطلب هذه الصناعات رؤوس أموال كثيفة ومواد أولية وأيدي عاملة ماهرة, وهذه الأمور جميعها متوفر في الإمارات وبأسعار تنافسية مقارنة مع الكثير من الدول. وأوضح أنه من الصعب حصر الفوائد الاقتصادية والاجتماعية التي يمكن أن تنتج عن دخول الدولة مجال التصدير الصناعي, ويأتي تنويع مصادر الدخل على رأس قائمة هذه الفوائد, إضافة إلى توفير عشرات الآلاف من فرص العمل الجديدة للمواطنين المؤهلين, مما يسهم في ارتفاع مستوى المعيشة وتفادي الآثار السلبية للبطالة. وفي ما يلي نص الحوار الذي أجرته معه (الامارات اليوم) خلال اللقاء.. * كيف ترى واقع الصناعات الوطنية حاليا وخاصة تلك الموجهة للتصدير؟ ـ الحقيقة أن الصناعات الوطنية قد تطورت في عقدي السبعينيات والثمانينات بصورة ملحوظة, حيث أقيم العديد من الصناعات بما فيها بعض الصناعات الكبيرة كالألمنيوم وتكرير النفط, إلا أن سنوات التسعينيات شهدت بعض التباطؤ في النمو الصناعي والذي ظلت نسبة إسهامه في الناتج المحلي الإجمالي ثابتة تقريبا. أما الأوضاع الحالية للقطاع الصناعي فإنها تمر بمرحلة تبلور جديدة, وبالأخص من جهة التركيز على الصناعات الموجهة للتصدير, حيث أعلن عن تنفيذ بعض الصناعات البتروكيماوية في إمارة أبوظبي, كما جرت توسعات مهمة في مصنع ألمنيوم دبي (دوبال) . وأعتقد أن هذا التوجه سيستمر في السنوات القليلة المقبلة, خاصة وأنه يتناسب مع مرحلة منظمة التجارة العالمية, والتي أصبحت الإمارات عضوا فيها اعتبارا من العام 1996. * ولكن ما هو مدى الاهتمام من قبل الجهات والمؤسسات الحكومية والقطاع الخاص بإقامة قاعدة إنتاجية من أجل التصدير؟ ـ بالتأكيد هذا التوجه محط اهتمام العديد من المؤسسات الحكومية والخاصة, كالمؤسسة العامة للصناعة بأبوظبي, وشركة دبي للاستثمار, والحكومات المحلية, والشركات المساهمة والتي يملك القطاع الخاص معظم أسهمها. ولتفعيل هذا التوجه فإنه لابد من التنسيق بين هذه الجهات الحكومية والخاصة لزيادة فعالية هذا التوجه, والذي يمكن أن يسهم بدور كبير في تنويع مصادر الدخل في القرن الجديد. * هل ترى أننا مؤهلون للدخول إلى مجال التصدير؟ وهل لدينا الإمكانات والمقومات التي تساعدنا على تحقيق ذلك؟ ـ هناك العديد من الأفضليات الإنتاجية التي تتمتع بها دولة الإمارات في إنتاج بعض السلع المهمة في مجالات الطاقة والمعادن, مما يؤهلها تماما للدخول بقوة إلى قطاع الصناعات التصديرية. وإذا ما طبقت أنظمة وقوانين منظمة التجارة العالمية بالشكل الوارد في اتفاقية الجات, فإن دولة الإمارات ودول مجلس التعاون الخليجي ستصبح أحد أهم مراكز إنتاج السلع البتروكيماوية والبترولية في العالم في العقود الثلاثة المقبلة. * إذا كانت الدول النامية ونحن منها تعاني من عدم قدرتها على المنافسة بمنتجاتها في الأسواق الخارجية حاليا, ألا ترى أن هذه الظروف لن تكون في صالحنا مع دخولنا مرحلة العولمة وازدياد حدة المنافسة داخل أسواقنا وخارجها؟ ـ الأوضاع في ظل العولمة سوف تختلف تماما, فالإجراءات الحمائية سوف تختفي والمنافسة سوف تتركز على الأفضليات بصورة أساسية. وبما أن الدول النامية بما فيها الدول العربية تمتلك أفضليات إنتاجية في بعض الصناعات, فإنه من الضروري بمكان استغلال هذه الأفضليات لتطوير بعض القطاعات الصناعية في هذه البلدان, وبالطبع فإن الدول النامية في هذا المسعى سوف تحدد لها مكانة مهمة بين دول العالم. * من الذي يمكن أن يأخذ زمام المبادرة في مجال التصدير.. الحكومة أم القطاع الخاص؟ ـ تولي زمام مبادرة بهذا الحجم وهذه الأهمية لابد وأن يدخل ضمن اختصاصات القطاعين الحكومي والخاص على حد سواء, خصوصا وأن الطرفين لهما ثقلهما الاستثماري في القطاع الصناعي, وفي الوقت نفسه فإن نجاح هذا التوجه يتطلب تضافر جهود القطاعين الحكومي والخاص, فمن دون هذه الجهود لا يمكن الحديث عن قيام صناعة تصديرية متطورة. * ما هي الصعوبات والمشكلات التي يمكن أن تواجه عملية التحول نحو التصدير وكيفية التغلب عليها؟ ـ من غير المتوقع أن تواجه عملية التحول نحو الصناعات التصديرية بالدولة صعوبات أو مشكلات لا يمكن التغلب عليها, فهذه الصناعات تتطلب رؤوس أموال كثيفة ومواد أولية وأيدي عاملة ماهرة, وكما نعرف جميعا فإن هذه المتطلبات متوفرة في دولة الإمارات وبأسعار تنافسية مقارنة مع الكثير من دول العالم. وإذا ما ترافق وجود هذه العوامل مع اتخاذ سياسات تسويقية ناجحة, فإن جميع المشكلات والصعوبات يمكن التغلب عليها في المستقبل. * ما هي الصناعات التي ترى أنه يمكن الاعتماد عليها في عملية التصدير وتتمتع فيها الدولة بمزايا نسبية, بخلاف الصناعات البتروكيماوية التي توجد دول أخرى غير منتجة للنفط أو الغاز تتمتع فيها بمزايا عديدة؟ ـ أولا من الصعب أن تتمتع دول لا توجد فيها مصادر بترولية وغازية بأفضليات نسبية في مجال تطوير الصناعات البتروكيماوية والبترولية, ففي مجال الغاز الطبيعي والذي تعتمد عليه الصناعات البتروكيماوية ـ على سبيل المثال ـ تشكل تكلفة النقل نسبة كبيرة جدا من أسعار الغاز, مما يؤدي إلى ارتفاع تكلفة المنتجات النهائية عند استخدام الغاز كمادة أولية مستوردة. ولذلك فإن الأفضليات النسبية ستبقى لدى الدول المنتجة للغاز متى توفرت لها التقنية الحديثة والتي لم تعد حكرا على أحد. وفي ما عدا هذه الصناعات فإن إحدى أهم المميزات النسبية لدول المنطقة تكمن في الصناعات المعتمدة على الطاقة, كصناعة الألمنيوم والمعادن بشكل عام. * ألا ترى أنه من الأفضل العمل على إنتاج السلع والمنتجات التي تحل محل الواردات أولا لتحقيق نوع من الاكتفاء الذاتي ومن ثم التفكير في الإنتاج للتصدير. أم أنه يمكن المضي بالاثنين بشكل متواز؟ ـ هذا النوع من التوجه تجاوزه الزمن ولم يعد صالحا للمرحلة الحالية من العلاقات الاقتصادية الدولية, فالأسواق المفتوحة وحرية التجارة سوف تتيح إمكانات تسويقية للسلع الجيدة وبأسعار معقولة. وعليه فإن أية دولة سوف لن تتمكن من تطوير صناعات لا تملك فيها أفضليات نسبية, خصوصا وأن جميع أشكال الدعم سوف تلقى استجابة لمتطلبات منظمة التجارة العالمية. * إذن أين هي الفوائد الاقتصادية التي يمكن أن تحققها الدولة من جراء دخولها مجال التصدير؟ ـ من الصعب حصر الفوائد, ليس فقط الاقتصادية وإنما الاجتماعية, التي يمكن أن تنجم عن دخول الدولة مجال التصدير الصناعي. فهناك فوائد كثيرة في غاية الأهمية, ويأتي تنويع مصادر الدخل على رأس قائمة هذه الفوائد, فالصناعات التصديرية متى ما تطورت سوف تضيف طابعا حديثا ومتطورا إلى الاقتصاد المحلي ككل. وبجانب ذلك سوف يتم توفير عشرات الآلاف من فرص العمل الجيدة للمواطنين المؤهلين, مما يعني ارتفاع مستوى المعيشة وتفادي الآثار الاجتماعية التي يمكن أن تنجم عن البطالة. فالفوائد في هذا الصدد كثيرة ومتنوعة. * أخيرا نريد إلقاء الضوء على دور المصرف في تمويل المشروعات, وخاصة الصناعات الموجهة للتصدير. وهل هناك اهتمام حقيقي من قبلكم بدعم وتشجيع هذا التوجه خلال سياساتكم التمويلية؟ ـ لقد قام المصرف بالموافقة على تمويل 344 مشروعا صناعيا بقيمة 1962 مليون درهم تقريبا, حتى نهاية العام 1999. وقد شملت عمليات التمويل هذه جميع القطاعات الصناعية تقريبا, وخاصة قطاع الصناعات الغذائية والمعادن والصناعات الكيماوية. وتشمل الصناعات الممولة الصناعات المخصصة لتلبية الاحتياجات المحلية, كما تشمل الصناعات الموجهة للتصدير, مما يعني اهتمام المصرف بالقطاع الصناعي ككل. فالأولوية بالنسبة للمصرف تكمن في نجاح المشروع الصناعي من خلال دراسات الجدوى التي يقوم بها. وفي الوقت نفسه فإن متابعتنا لعمليات التمويل في المصرف في السنوات الماضية, ستبين لنا بوضوح أن هذه العمليات تواكب باستمرار التغيرات الهيكلية في القطاع الصناعي. ونظرا للتوجهات الحالية الخاصة بتطوير الصناعات التصديرية, فإن هذه الصناعات سوف تكتسب المزيد من الأهمية في العمليات التمويلية للمصرف في السنوات المقبلة. م.ع
