في العقدين الأخيرين من هذا القرن انتقل العالم من دائرة ما يسمى بالاقتصاد الدولي الذي تتفاعل داخله الاقتصادات الوطنية للدول, وذلك من خلال سوق عالمية تضم جميع هذه الاقتصادات, إلى ما يسمى بالاقتصاد العالمي الذي تتغير فيه الكثير من العلاقات والآليات وتكتسب الطبيعة العالمية. ومظاهر هذا التغير تنامي تلك المشروعات التي تشترك فيها دول من قارات مختلفة عدة, وعدم اعتبار الفواصل الحدودية بين الدول عند إتمام الصفقات المالية, ونمو التجارة العالمية بصورة أسرع من نمو العلاقات التجارية المحلية في الدولة الواحدة, وتغلب أنماط التكنولوجيا على جميع القيود التي تفرضها الدول على نفسها ضد الغزو الثقافي الخارجي. وتبعا لهذا حدثت عواقب أثرت على فرص العمل, وحقوق المواطنين, ومستوى التوظيف, وما شابه ذلك. ومن أجل أن ننجح في حل المشكلات المتعلقة بالاقتصاد العالمي, يجب علينا أولا أن نضع في اعتبارنا الأبعاد الاجتماعية للقضية وجعلها على قدم المساواة مع الأبعاد الاقتصادية, وقد تجلت هذه المشكلات في أواخر عقد الثمانينات عندما قام عدد كبير من الدول النامية بتبني برامج تعديل هيكلي, حيث انتهت هذه البرامج إلى مضاعفة معدلات الفقر وعدم الأمان. وكانت أولى الخطوات التي اتخذت لإحداث توازن في مجريات الأمور, هي تلك المؤتمرات التي اكتسبت صفة العالمية وعقدت في عقد التسعينات في فيينا والقاهرة وبكين وكوبنهاجن, حيث أسهمت هذه المنتديات في إعادة وضع التطورات والأبعاد الاجتماعية على الخارطة العالمية. وعندما تمت إثارة فكرة عقد (القمة الاجتماعية) في أوائل عقد التسعينيات, كان من الصعب إقناع الناس بأن الأمر يعد أولوية في ظل الظروف التي يمر بها العالم وقتذاك. ولكن مع حلول العام 1995 أعلن أكبر اجتماع لرؤساء دول العالم أن الإنتاج والنمو الاقتصادي ليسا أهدافا أو غايات في حد ذاتيهما, فهذه الأشياء يجب أولا أن تشبع رغبات الشعوب واحتياجاتها, وتجيب مطالبها في نيل حقوقها والعيش في بيئة سليمة يسودها العدل والتضامن الاجتماعي ويجدون فيها فرص العمل المناسبة. إلا أنه في ظل الظروف الحالية للعالم, قلة فقط هم الذين يعتقدون أن العولمة وحدها ستقوم بتحقيق الأهداف الاجتماعية المرجوة. ويتضح من مجريات الأمور أن زيادة ونشر فوائد العولمة بصورة أكبر, شيء يعتمد بشكل حيوي على قدرة الاقتصاد العالمي على إيجاد فرص توظيفية متساوية. فالسياسات الدولية مطالبة بأن تؤدي إلى خفض حالات عدم الاستقرار الاقتصادي في العالم, ومواجهة حالات عدم المساواة بين طبقات الشعب الواحد. وقد أوضحت الأزمة الآسيوية الأخيرة بما لا يدع مجالا للشك أنه من دون توفير الحماية الاجتماعية اللازمة, ستزداد خطورة الأزمات المالية التي قد تصيب أية دولة في العالم, وسيؤدي الأمر إلى زيادة معاناة الشعوب ويصبح الخروج من الأزمة أمرا أكثر صعوبة مما إذا كان هناك اعتبار للأوضاع والأبعاد الاجتماعية للشعب وحماية هؤلاء الذين يفقدون وظائفهم, ولذا فإن حماية هذه الفئات من الشعب يعتبر في حد ذاته إنجازا اقتصاديا واجتماعيا في الوقت نفسه. والشيء نفسه ينطبق على تحسين مستوى الأمان داخل نطاق العمل, فكل عام يتوفى أكثر من 2.1 مليون فرد نتيجة حوادث ذات علاقة بالعمل, وهناك 160 مليون شخص يسقطون مرضى بسبب عوامل تتعلق بطبيعة وأجواء عملهم. ونجد أن الفئات الأفقر والأقل حماية, مثل النساء والأطفال والمهاجرين, هي الأكثر تأثرا بهذه الحوادث والعواقب. وفي الوقت نفسه تشير أنماط العمل الناجحة في العالم كله, سواء في الدول النامية أو المتقدمة, أنه إذا روعيت معايير العمل السليمة ومبادؤه, وتوفرت ظروف العمل المناسبة والمستوى المطلوب من الأمن والأمان, إلى جانب الرعاية الصحية المناسبة, فإن هذه الأجواء ستسهم بشكل مؤثر وإيجابي في إنجاح العمل وإعطاء النتائج المرجوة. ولا أعني بحديثي هذا توفير ما يمكن توصيفه بشبكات الأمن, فالأمر لا يصل إلى هذه الدرجة من الرفاهية. فالحماية الاجتماعية هي قضية تنمية في حد ذاتها, حيث يجب إيجاد الوسائل المبتكرة اللازمة والتي من شأنها توفير الحد الأدنى من الأمن للأغلبية العظمى من شعوب الدول النامية, الذين يعانون حاليا من حرمانهم من الأنظمة المتعارف عليها من الحماية والضمان الاجتماعي. والشيء نفسه ينطبق على المشاركة والحوار, وضمان توفير الحقوق الأساسية داخل نطاق العمل. فالمشاركة والحوار وضمان الحقوق ليست مجرد ثوابت يجب توفيرها ولكنها أيضا عوامل مساعدة, من شأنها دعم محاولات نيل الأهداف الاقتصادية والاجتماعية التي تسعى لتنفيذها السياسات العامة لكل دولة. فالناس في كل مكان يريدون أن تحترم حقوقهم, وبالتالي فإن أية عملية للتنمية تعمل على توفير وظائف من دون احترام حقوق العمال بالتأكيد تفقد الدعم الشعبي لها. ولقد كانت القمة الاجتماعية التي عقدت في كوبنهاجن العام ,1995 أول منتدى دولي يؤكد حتمية توفير البنية الأساسية الاجتماعية للاقتصاد العالمي. ولقد أكدت هذه القمة سبعة مواثيق لمنظمة العمل الدولية, خاصة بالحقوق الأساسية في مجالات رئيسة هي: حرية التضامن, العمل الجبري, عمالة الأطفال. وأكدت القمة أن مراعاة البعد الاجتماعي للاقتصاد العالمي هي هدف مشترك يجب على المجتمع الدولي العمل على تحقيقه. وتلا ذلك إعلان منظمة العمل الدولية بشأن المبادئ والحقوق الأساسية في العمل, الذي تم نشره في العام 1998 والذي يهدف إلى تحقيق الهدف نفسه. فهذا الإعلان هو أداة من أجل تحقيق نوع من التنمية يقوم على المشاركة في احترام حقوق الشعوب في جميع دول العالم, ويقوم هذا الإعلان على المراقبة المستمرة والمنتظمة لسير العمل في هذا الاتجاه من قبل الدول الموقعة عليه. وبدورها تعمل منظمة العمل الدولية على كافة الأصعدة, من أجل مراعاة البعد الاجتماعي للعولمة وكل القضايا المتعلقة بها, كما أنها تتعاون مع رجال الأعمال والمؤسسات التجارية من أجل ترسيخ هذا الهدف. إلى جانب ذلك تركز المنظمة جهودها أيضا على وضع خطة للتخلص من عمالة الأطفال, ويشير البرنامج الدولي لعمالة الأطفال الذي تتبناه المنظمة إلى أن أفضل طريقة لمعالجة مشكلة عمالة الأطفال يجب أن تأتي ضمن الإجراءات والخطط التنموية الأخرى ومن خلالها, مثل العمل على زيادة دخول الآباء وتوفير فرص العمل لهم, ودعم أساليب الإنتاج التي لا تعتمد على مشاركة الأطفال, وتحسين الطرق التعليمية ونشر خدمات التعليم والتدريب في جميع الدول. وجميع هذه الإجراءات تصب في هدف توفير البيئة الاجتماعية السليمة, التي يمكن لمفهوم وتيار العولمة فيها أن يؤتي ثماره ويلقى الترحيب المفترض.