هل يمكن أن يتحقق حلم الوحدة الاقتصادية العربية ولكن من خلال الإنترنت؟ بعبارة أخرى هل تنجح شبكة الإنترنت فيما فشلت فيه السياسة؟ ربما تبدو الفكرة غريبة لأول وهلة.. لكن المجموعة الأوروبية عندما قامت بتنفيذ هذه الفكرة بين الدول الأعضاء, أكدت للعالم أنه لا يوجد مستحيل خاصة في عالم الإنترنت.. وقد كانت هذه الفكرة محور النقاش في الندوة التي عقدت على هامش سوق القاهرة الدولي حول التجارة الإلكترونية وحلم التكامل الاقتصادي العربي عبر الإنترنت. شارك في الندوة خبراء من 6 دول عربية تعرض منتجاتها في السوق وتحدث فيها حوالي 20 خبيرا في مجال التجارة الإلكترونية. في البداية يقول اللواء مصطفي السعيد رئيس منطقة التجارة الإلكترونية بوزارة التجارة المصرية: منذ سنوات قليلة لم يكن العالم يعرف شيئا عن التجارة الإلكترونية ولم تكن هذه التجارة تحتل اهتمام كبيرا من حكومات دول العالم لكن بعد الخطوة الهائلة التي أدت لانتشار شبكة الإنترنت في سنوات قليلة وزيادة عدد المستخدمين لها, بدأت الشركات الكبرى في الاعتماد بصورة كبيرة على التجارة الإلكترونية التي تستند فكرتها على تبادل السلع والخدمات من شبكة الإنترنت والحقيقة أننا في مصر أدركنا أهمية التجارة الإلكترونية منذ سنوات وكان د. أحمد جويلي وزير التجارة السابق مشاركا في مفاوضات منظمة التجارة العالمية التي أرست قواعد التجارة الإلكترونية وفور عودته قام بإنشاء نقاط التجارة الدولية في عدد من المواني والمنافذ الجمركية بمصر. وهي عبارة عن مكاتب توجد بها أجهزة كمبيوتر متصلة بشبكة الإنترنت وتتيح وسيلة اتصال جيدة بين مختلف المراكز التصديرية في الدول العربية, بحيث يمكن إجراء عمليات الاستيراد والتصدير من خلال هذه النقاط الدولية. وهذه المراكز ناجحة بصورة كبيرة حتى الآن فتقديم خدمات هامة للمصدرين والمستوردين المصريين. أما الدكتور رأفت رضوان مدير مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء فيقول: في تصوري أن التجارة الإلكترونية اتجاه لا يمكن فرضه على القطاع التجاري في أي مكان, ولا يمكن تنفيذه بقرار أو إنشاء لجان.. لماذا؟ لأن ظهور التجارة الإلكترونية لأول مرة جاء طبيعيا وتلقائياً ومعبرا عن تطور طبيعي في حركة المعاملات التجارية بين دول العالم.. فمثلا في أمريكا عندما انتشرت شبكة الإنترنت بين المواطنين بصورة كبيرة.. بدأت المحلات التجارية تفكر في إنشاء مواقع لها على شبكة المعلومات تدعو المواطنين لشراء احتياجاتهم من خلال الإنترنت دون الحاجة إلى الذهاب لهذه المحلات. وفي البداية لم تلق الفكرة الرواج المطلوب لكن بمرور الوقت بدأت الفكرة تلقى رواجا كبيراً من الناس لدرجة أنه من النادر أن ينزل أي شخص إلى السوبر ماركت لشراء احتياجاته. وهناك قصة مشهورة عن بداية التجارة الإلكترونية وكيفية تأثيرها على حياة الناس ورواج أعمالهم في بريطانيا.. فمنذ عامين كان كريس باتل وهو جزار إنجليزي بمدينة بوركشير يعاني من الديون المتراكمة على محل جزارته وكان يقضي يومه حزينا كئيبا ينتظر زبائنه الذين هجروه ولا يشترون منه اللحوم المكدسة في ثلاجته. وبلغ به الأمر إلى الإعلان عن بيع محله وتغيير نوع تجارته.. وذات مساء جلس مع ابنته الصغيرة وهي تلعب على لوحة مفاتيح الكمبيوتر وسألها الأب عما يشاهده على الشاشة فقالت له إنه الإنترنت الذي يسهل التعاون بين الناس ويوفر المعلومات ويتيح التعاملات البنكية والتجارة الإلكترونية وخطرت في رأس الرجل فكرة.. لماذا لا يفتح صفقة دعائية لمحلة على الإنترنت وبيع اللحوم عبر شبكة المعلومات.. وبعد عامين من إنشاء الموقع.. تغير الحال تماما وأصبح الجزار الإنجليزي مليونيرا تدر علىه تجارة اللحوم عبر الإنترنت مئات الالاف من الجنيهات الإسترلينية بعد أن تلقى الآلاف من طلبات توريد اللحوم من سكان المدينة. هذا النموذج يشرح بطريقة مبسطة كيف استطاعت التجارة الإلكترونية أن تقلب الموازين في التعاملات التجارية بين الأشخاص وتوفر علىهم الوقت والمجهود وتقدم لهم خدمة مميزة. وعن حجم التجارة الإلكترونية العربية تحدث د. حسام مجاهد مستشار وزير الاتصالات لشئون التجارة الإلكترونية قائلاً: تواجه الدول العربية أزمة حقيقية فيما يتعلق بحجم تعاملاتها البينية من خلال التجارة الإلكترونية.. فعلى الرغم من أن حجم التعاملات المالية التي تتم عبر شبكة الإنترنت من صفقات وتبادل سلع وخدمات لا تتجاوز مليوني دولار فقط هو نصيب التجارة الإلكترونية بين الدول العربية وهو رقم هزيل جدا ويؤكد أننا في حاجة إلى وقفة جادة لتقييم الأداء الاقتصادي العربي المشترك والحقيقة أن هناك عدة تجارب ناجحة إلى حد ما ولكن لا يمكن اعتبارها سوى بداية لحركة تجارة إلكترونية عربية كبيرة وفي دراسة قمنا بإعدادها عن أسباب ضعف التجارة الإلكتروني العربية وجدنا أنه من أهم هذه الأسباب ضعف انتشار الإنترنت بين الدول العربية.. ففي حين يصل عدد مستخدمي الإنترنت في دول أوروبا وأمريكا إلى 8.0% من عدد السكان. والسبب الثاني غياب التشريعات المنظمة لعملية التجارة الإلكترونية حيث لا تزال التشريعات التجارية عقيمة وغير مواكبة للتطور وبعيدة عن مفردات التجارة الحديثة. المهندس هشام الصادق مدير أول سوق تجاري على الإنترنت في مصر يقول: من أهم الخطوات التي تم اتخاذها في مجال التجارة الإلكترونية العربية ما أعلنه سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي وزير الدفاع في شهر أكتوبر الماضي من مبادرة عالمية لإنشاء مدينة دبي للإنترنت كأول منطقة للتجارة الحرة في العالم تتيح للشركات التي تتعامل بالتكنولوجيا العمل عالميا انطلاقا من دبي. ولقد شاهدت بنفسي مدى الحماس الذي ملأ سموه وهو يتحدث في المؤتمر الصحفي للإعلان عن هذه المدينة وقال فيه أن الإنترنت والتجارة الإلكترونية ستكون العامل المحرك لعالم الغد الذي تقوده الأفكار المبتكرة. وأكد أنه خلال السنوات القليلة الماضية برزت بوادر تشكل اقتصاد عالمي جديد يختلف تماما عن كل ما سبقه. ويمكن للشركات في مدينه دبي للإنترنت أن تتطلع إلى العمل في بيئة من الترابط الشبكي الحديث وتقع سموه أن تجذب البنية الأساسية الحديثة للمدينة مختلف قطاعات الشركات التي تدخل الإنترنت في صميم عملها. وكما قال سموه أن تقديرات قيمة التجارة الإلكترونية للمواد الاستهلاكية تصل نحو 40 مليار دولار أمريكي ويتوقع أن تبلغ 150 مليار دولار خلال عامين. هذه الدولية المستقبلية التي طرحها سموه تؤكد أننا على طريق التعاون العربي المشترك.. ومن وجهة نظري أن هناك مشروعاً موازياً لهذا المشروع العملاق يعتمد على قيام كل دولة عربية بوضع أشهر منتجاتها على موقع خاص على شبكة الإنترنت بحيث إذا أراد أي مواطن عربي شراء أي منتج من هذه المنتجات يرسل رسالة بريد الكتروني للشركة التي تتولى رعاية الموقع ويخبرها برغبته في شراء السلعة ويحدد مكان الاستلام وطريقة الدفع وسوف يشجعه على ذلك إصدار تشريعات جديدة بالغاء الجمارك على الواردات عبر الإنترنت وقد طبقت هذه السياسة دول أوربا وأمريكا وفي مؤتمر التجارة العالمية عقدت ندوة عن التجارة الإلكترونية وأوصت بإسقاط الحواجز الجمركية على الواردات عبر الإنترنت.. أعتقد أن هذا المشروع. سوف يوفر على الدول العربية مبالغ ضخمة جدا بسبب الاستيراد من الخارج بالعملات الصعبة. د. أحمد عبد المنعم الخبير الاقتصادي يؤكد أن هذه الفكرة ممكنة وليست مستحيلة ويضيف قائلا: خلال السنة الماضية زاد الوعي لدى الحكومات العربية بأهمية الإنترنت وبعد أن كانت هناك دولتان أو ثلاثة فقط تقدم خدمات الإنترنت لمواطنيها أصبح هناك عدد كبير منها لذلك زاد الوعي بالتالي بأهمية التجارة الإلكترونية والحقيقة أن الدول العربية يجب أن تدرك أن التجارة الإلكترونية العربية تنمو بسرعة كبيرة في البلدان المتقدمة ولا مفر منها أمام بلدان العالم الأخرى يعني أنه إذا أهملنا تنمية التجارة الإلكترونية العربية فلا يعني ذلك أن مستخدمي إنترنت العرب لن يتسوقوا مطلقا عبر شبكة المعلومات بل سيتجهون إلى متاجر إنترنت في الدول الأجنبية. ويعلق د. سيد محمود خبير الإنترنت بمركز البحوث القومي قائلا: أعتقد أنه من أهم عقبات التجارة الإلكترونية في العالم العربي هو الفهم القاصر لأهمية التجارة الإلكترونية ومقوماتها من جانب أصحاب الأعمال العرب وكذلك عدم انتشار إنترنت بشكل كافي بين الدول العربية ومن الضروري تأسيس مراكز إلكترونية كبيرة للتسوق بين الدول العربية. أخيرا يقول د. عبد الرحمن السحيباني الأمين العام المساعد للجامعة العربية للشئون الاقتصادية: نحن في الجامعة ندعم أية خطوة لزيادة التكامل العربي والتعاون بين الدول العربية ونعتقد أنه يجب تفعيل اتفاقيات التبادل التجاري بين الدول العربية من خلال التجارة الإلكترونية ومساعدة الدول التي لم تشترك في خدمة الإنترنت على ذلك تمهيدا لمشاركتها في حركة التجارة العربية عبر شبكة الإنترنت. القاهرة ـ مكتب البيان ـ ناجي حسين