باتت مشكلة البطالة في العالم من المصاعب الرئيسة أمام نمو الاقتصادات, وسببا لقلق كبير يصيب الأوساط السياسية التي تسعى بطريقة أو بأخرى لإيجاد حلول مرضية لانخراط مزيد من العمالة المدربة في قطاعات اقتصادية مختلفة, وكذلك إيجاد القطاعات التي تتناسب والتطور الذي يشهده العالم في مجال التقنيات الحديثة. العالم العربي ليس بمنأى عن هذه المشكلة ـ المعضلة التي تحد من الجهود التي تبذلها الحكومات لتعزيز الخدمات في المجالات التنموية نظرا للتدفق السنوي الكبير من المتعلمين والمتدربين وغير المتدربين المنضمين لسوق العمل العربية. وعلى الرغم من تفاقم هذه الظاهرة عربيا, إلا أنه من الصعب تحديد حجمها والوقوف على نتائج الجهود المبذولة لحلها بسبب عدم توافر البيانات الدقيقة والكافية التي تحصر مدى اتساع ظاهرة البطالة. تشير البيانات القليلة المتوافرة من مصادر مختلفة, دولية وإقليمية, إلى أن معدلات البطالة ارتفعت في السنوات الأخيرة في بعض الدول العربية إلى ما يقارب 20%, منها الأردن والجزائر واليمن, وأنها تقل عن 5% في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية. ويعزي التقرير الاقتصادي العربي لصندوق النقد العربي تفاقم مشكلة البطالة في الدول العربية إلى جملة من الأسباب منها في جانب العرض المعدلات العالية لنمو السكان وبالتالي الأعداد المتزايدة للداخلين إلى سوق العمل, والهجرة المتزايدة من الريف إلى المدن, ودخول المرأة سوق العمل, وضعف التعليم الجامعي وعدم مواءمته مع احتياجات الأسواق. أما في جانب الطلب فمن أهم أسباب تفاقم هذه المشكلة معدلات النمو غير الكافية التي سجلتها الاقتصادات العربية والتي لم تتمكن من توفير فرص العمل بما يتلاءم مع جانب العرض, وعدم إحراز تقدم ملموس على صعيد تنويع القاعدة الإنتاجية, وذلك إضافة إلى السياسات الاستثمارية في بعض الدول العربية التي ركزت على الاستثمارات كثيفة رأس المال التي لا تحتاج لعمالة كبيرة. كما أن من الأمور التي أسهمت في زيادة البطالة في عدد من الدول العربية إجراءات إصلاح مؤسسات القطاع العام التي يجري اتخاذها في إطار برامج التصحيح الاقتصادي, وكذلك الجهود الرامية إلى نقل ملكية هذه المؤسسات إلى القطاع الخاص, وهي الجهود التي أخذت تكتسب زخما كبيرا خلال الفترة الأخيرة في أعداد متزايدة في الدول العربية. ويترتب على هذه الاجراءات عادة الاستغناء عن خدمات بعض العاملين في هذه المؤسسات, كذلك فإن تقليص التحويلات والدعم الحكومي لهذه المؤسسات وخفض الحماية التي كانت تتمتع بها نتيجة تحرير التجارة الخارجية تؤدي في الكثير من الحالات إلى إغلاق بعض منها, وبالتالي فقدان بعض العاملين فيها لوظائفهم. وتشير بيانات صندوق النقد العربي إلى أنه تم تقدير إجمالي القوى العاملة في الدول العربية في العام 1998 بنحو 97 مليون عامل, أي بزيادة تقدر بنحو 1.4% بالمقارنة مع العام 1997. ومن الملاحظ أنه في الوقت الذي بلغت فيه نسبة الفئة النشطة اقتصاديا ـ وهي الفئة العمرية ما بين 15 و64 عاما ـ نحو 5.42% في المتوسط من السكان حسب بيانات العام ,1996 فإن نسبة القوى العاملة إلى إجمالي السكان يقدر لها أن تكون قد بلغت نحو 9.35%, وهو أقل معدل في العالم, إذ تراوحت معدلات المناطق الاقليمية المختلفة ما بين 42 و59%. ويعزى انخفاض هذه النسبة إلى أسباب عديدة من أهمها ارتفاع نسبة من هم خارج سن العمل, خاصة الفئة العمرية دون 15 عاما, وضآلة نسبة مشاركة المرأة في القوى العاملة, حيث بلغت حصة الإناث من إجمالي القوى العاملة نحو 27% في العام ,1995 وهي نسبة منخفضة بالمقارنة مع المناطق الاقليمية الأخرى في العالم التي تراوحت فيها هذه النسبة ما بين 34 و48%. ويلاحظ التقرير الصادر عن صندوق النقد العربي ارتفاع نسبة مشاركة الأطفال دون سن 15 عاما في القوى العاملة في عدد من الدول العربية ومن أبرزها موريتانيا واليمن ومصر, حيث تبلغ نسبة مشاركة الأطفال من الفئة العمرية ما بين 10 و14 عاما في هذه الدول نحو 23 و20 و10% من إجمالي هذه الفئة على التوالي. وتشير هذه المعدلات إلى ضياع فرص التعليم لجزء ملحوظ من هذه الفئة وما قد يؤدي إليه ذلك من ارتفاع في نسبة العمالة غير المتعلمة. ويبدو من البيانات المتوافرة عن العام 1997 أن هذه المشكلة منحصرة ما بين الدول الثلاث المذكورة, إضافة إلى سوريا والمغرب, حيث بلغت النسبة في كل منهما 4%, وفي الجزائر 1%, وجميع تلك الدول باستثناء موريتانيا تتصف بالكثافة السكانية. وعلى الرغم من عدم توافر البيانات عن هذه الظاهرة لقرابة نصف الدول العربية, إلا أنه من الممكن القول إن انخفاض النسبة في سوريا والمغرب والجزائر وانعدام هذه الظاهرة في عدد من الدول العربية يعود إلى التشريعات المحددة لها, إضافة إلى التوسع في الخدمات التعليمية ورفع فترة التعليم الإلزامية. إن عددا من الدول العربية أصبحت اليوم تنتهج مسيرة التصحيح بإنشاء برامج مختلفة تعنى بتدريب العاملين وإعادة تأهيلهم للعمل, خاصة الشباب منهم, بما في ذلك تقديم الخدمات اللازمة لتمكينهم من الحصول على فرص للتوظيف في إطار بيئة العمل الجديدة. كما تعمل هذه الدول, ومنها سلطنة عمان, على وضع وتنفيذ البرامج الاجتماعية وإنشاء الصناديق الاجتماعية مثل صندوق تنمية مشروعات الشباب الذي أنشأته السلطنة لدعم المشروعات التي يقترحها الشباب, مؤخرا, ومساعدة مثل هذه الفئات في الوطن العربي على إنشاء أعمال خاصة بهم ودعم مشروعاتهم الصغيرة, خاصة في المناطق الريفية والأكثر فقرا. وعلى الرغم من التحولات الجذرية والشجاعة في السياسات الاقتصادية التي أقدمت عليها هذه الدول منذ بدايات العقد الماضي في إطار مسيرة الإصلاح الاقتصادي العربي, وحدوث تقدم لابأس به على صعيد تقوية الهياكل الاقتصادية, وتمكن عدد منها من زيادة نصيب الصادرات من السلع المصنعة, إلا أن الأداء على مستوى النمو الاقتصادي بشكل عام مازال دون الطموحات. فتحسن الأداء في السنوات الأخيرة لم يكن بالمعدلات الكافية, خاصة في وجود المستوى المرتفع للزيادات السكانية والارتفاع السنوي في أعداد من هم في سن العمل. فتقديرات صندوق النقد العربي تشير إلى أن عدد سكان الوطن العربي ارتفع في العام 1998 بنحو 4.2% ليبلغ نحو 270 مليون نسمة. وعلى الرغم من الانخفاض المطرد في معدل النمو السكاني في الوطن العربي طيلة عقد التسعينيات, إلا أنه لايزال يتصدر معدلات النمو السكاني في المناطق الاقليمية الرئيسة في العالم. ومن الملاحظ وجود تفاوت كبير في معدلات النمو السكاني في ما بين الدول العربية, فباستثناء دولة الإمارات العربية المتحدة وقطر سجل هذا المعدل أعلى مستوى له في اليمن وبنسبة 6.3%, والأردن 5.3%, ولبنان 4.3%, وسوريا 3.3%, والسودان 3%, وأدنى مستوى له في الصومال 1%, وتونس 3.1%, والجزائر 7.1%. أما في الإمارات وقطر, فقد بلغ معدل النمو السكاني أعلى من 5%, الأمر الذي يعزى إلى السياسات المتبعة في الدولتين والرامية إلى زيادة عدد السكان إضافة إلى عوامل الهجرة إليها من الخارج. ويتصف توزيع السكان في الوطن العربي وفق مصادر صندوق النقد العربي بالتركز الكبير, حيث يمثل السكان في أربع دول وهي مصر والسودان والجزائر والمغرب نحو 56% من مجمل سكان الوطن العربي, في حين أن سكان مصر بمفردها يمثلون نحو 23%. وتشير التقديرات العربية إلى أن تقسيم سكان الدول العربية بين الحضر والريف أخذ يميل إلى جانب الحضر الذي أصبح يكون قرابة 54% من مجمل السكان حاليا بعد أن كان يمثل قرابة 39% في العام 1970. وفي حال استمرار معدلات الزيادة الحالية فمن المتوقع أن يمثل سكان الحضر قرابة ثلثي السكان بحلول العام 2015. وترجع أسباب الهجرة من الريف إلى عدم تمكن القطاع الزراعي من استيعاب العمالة المتزايدة الناتجة عن المعدلات العالية للنمو السكاني, وشح الخدمات الخاصة بالتعليم والصحة والكهرباء, بما في ذلك وسائل الترفيه, مما يدفع بأعداد متزايدة من سكان الريف إلى الهجرة إلى المدن بحثا عن فرص العمل وسعيا لحياة أفضل من تلك التي يوفرها المجتمع الريفي. وفي الوقت الذي تتزايد أعداد الباحثين عن عمل فإن الاقتصادات العربية مازالت معرضة على نحو خاص للتأثر سلبا بالتقلبات في الأوضاع الاقتصادية الدولية بسبب محدودية القاعدة الإنتاجية وعدم تنوعها. ويقود هذا إلى النظر في أوضاع الاستثمارات الاجمالية في الدول العربية حيث يمكن بشكل عام ملاحظة أمرين رئيسين أولهما أن الزيادة التي كان ينتظر حدوثها في الاستثمارات الخاصة على خلفية الاصلاحات التي نفذت لم تتحقق بالوجه المطلوب حتى الآن. والأمر الآخر هو أن مردود الاستثمارات الاجمالية ربما لا يكون متناسبا مع حجمها في بعض الدول العربية, وهو الحجم الذي لا يقل عن المستويات السائدة في بعض الدول النامية الأخرى المقاربة لها في درجة التطور. وبصورة عامة فإن الحل على المديين الطويل والمتوسط لمشكلة البطالة المستفحلة في بعض الدول العربية يتوقف بشكل أساسي على النجاح في تحقيق معدلات نمو مرتفعة ومستمرة وتنويع القاعدة الإنتاجية. وقد حذرت منظمة العمل العربية من مخاطر البطالة بالدول العربية ـ خاصة من الشباب ـ على السلام الاجتماعي والأمن الوطني والقومي وتعطل مسيرة التنمية الشاملة وأثرها السلبي على نجاح الإصلاح الاقتصادي وتحقيق الاستقرار الاجتماعي وضياع فرص التعاون في مجال الموارد البشرية, مشيرة إلى أن معدل البطالة الحالي بالدول العربية زاد بنحو 500 ألف وبلغ 5.12 مليون عاطل مع نهاية العام 1999 مقارنة بنحو 12 مليون عاطل في العام ,1998 إضافة إلى البطالة المقنعة والتشغيل الناقص. وأوضحت المنظمة في التقرير الذي طرحته للمناقشة على أعمال الدورة الـ27 لمؤتمر العمل العربي ـ الذي عقد في الأسبوع الأول من شهر مارس 2000 بمدينة شرم الشيخ المصرية بحضور وزراء العمل العرب ومسؤولي منظمات أصحاب الأعمال والعمل في الدول العربية ـ أن غالبية المتعطلين هم من الداخلين الجدد إلى سوق العمل العربية من الشباب. وأشار التقرير إلى أن حجم القوى العاملة العربية يبلغ حاليا 89 مليونا, ومن المتوقع زيادتها إلى 123 مليونا في العام ,2010 وذلك لزيادة نمو القوى العاملة والداخلين إلى سوق العمل. موضحا أن البيانات المتوفرة تؤكد أن الاضافة الجديدة لسوق العمل العربية تبلغ 5.2 مليون شخص سنويا, ومن المنتظر زيادتها إلى 3 ملايين شخص خلال السنوات القليلة المقبلة, مما يعني ضرورة توفير ما يتراوح بين 5.2 و3 ملايين فرصة عمل جديدة سنويا لاستيعاب الأعداد الجديدة المنضمة لسوق العمل والمحافظة على المعدلات الحالية للبطالة من دون زيادة مستقبلية, وهو ما يمثل أكبر التحديات الاجتماعية للبلدان العربية. وفي تقرير أصدرته منظمة العمل العربية تناول مشكلة البطالة في البلدان العربية, توقعت المنظمة حدوث اضطراب في أسواق العمل العربية خلال العقد الأول من الألفية الثالثة, وذلك بسبب تراجع هجرة العمالة العربية إلى الدول الأوروبية, واضطرار الدول العربية المستقبلة للعمالة إلى توطين الوظائف فيها نتيجة للأوضاع الاقتصادية الصعبة التي مرت بها خلال الأعوام الثلاثة الماضية نتيجة لتراجع عوائد النفط وتذبذب أسعاره في الأسواق العالمية من ناحية, وبسبب النمو الكبير في القوى العاملة والتي تزداد بمعدل 3% سنويا من دون أن يقابل ذلك نمو مماثل في الدخل القومي الذي تراجع خلال العقد الماضي بصورة كبيرة من ناحية أخرى. ويعدد التقرير أسبابا أخرى لتفاقم ظاهرة البطالة, منها فشل التنمية في العناية بالجانب الاجتماعي للشباب بالقدر الكافي, وعدم المواءمة بين مخرجات التعليم والتدريب واحتياجات سوق العمل, وضعف استثمار رأس المال البشري, والفشل في تهيئة مناخ استثماري جاذب لرؤوس الأموال الأجنبية والعربية المهاجرة والتي تجاوزت 800 مليار دولار أمريكي, إضافة إلى غياب القوانين المحفزة على الاستثمار في المجالات التي تتيح فرص عمل كثيفة ومناسبة, وضعف معدلات الاستثمار المحلي, والحساسية الشديدة للمتغيرات الخارجية, لاسيما الاقتصادية منها, وأبرزها تذبذب أسعار النفط, وعولمة التجارة, وما نتج من تداعيات حرب الخليج وانعكاساتها على أوضاع تشغيل العمالة في غالبية البلدان العربية. ويطالب التقرير بضرورة التركيز على تنمية الموارد البشرية العربية في الفترة المقبلة لمواجهة تداعيات البطالة والحد من خطورتها على مسيرة التنمية الاقتصادية, كما ينادي بضرورة تدارك أمر العمالة العربية العاملة في أوروبا والمهددة بالاستغناء عنها, حيث يمثل هذا الأمر هاجسا يضاعف من المخاوف المتعلقة بمشكلة البطالة في الوطن العربي. ويشير أخيرا إلى أن الدول الأوروبية ليست بمعزل عن مشكلة البطالة العالمية في ظل تناقص فرص العمل وعدم توفرها للأوروبيين, في الوقت الذي بلغت معدلات البطالة في أوروبا 15%, وأن أعداد العاطلين في دول الاتحاد الأوروبي تجاوزت 17 مليون عامل. مؤكدا أن الالتزامات التي تعهدت بها هذه الدول في إطار الاتحاد الأوروبي ستضعف موقف العمالة العربية المهاجرة إليها وتقلص الأعداد التي تتدفق عليها سنويا, مما يزيد من تفاقم مشكلة البطالة في الوطن العربي.