أكد مينيتمير شريف الله شايميف رئيس جمهورية تتارستان ان الامارات حققت انجازات اقتصادية وحضارية عظيمة بفضل قيادة صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة. وقال في حديث خاص لـ (البيان) بمناسبة زيارته الحالية للامارات ان حكمة صاحب السمو الشيخ زايد وبصيرته النافذة قادت هذه الدولة العصرية الى بر الأمان وجعلتها موضع اهتمام العالم. وأضاف ان بلاده تسعى للاستفادة من خبرات الامارات في التنمية الاقتصادية والعمرانية والانفتاح الاقتصادي على دول العالم. وذكر انه تم الاتفاق مع عدد من رجال الأعمال بالامارات للاستثمار في صناعة النفط والبتروكيماويات في تتارستان, مشيرا الى انه سيتم الاعلان عن هذه الاستثمارات قريبا, وقال ان هناك مشروعات مشتركة في صناعة المواد الغذائية والزراعية. وأيد الرئيس شريف الله شايميف زيادة انتاج منظمة (الاوبك) رغم آثاره السلبية على تتارستان التي تنتج 26 مليون طن من النفط سنويا. واعتبر ان سعر 20 دولارا للبرميل هو السعر العادل, غير انه استبعد ان تنخفض الاسعار الى ما دون الـ 20 دولارا حتى نهاية هذا العام. وأكد رئيس تتارستان الغنية بالنفط ان تمسك جميع المنتجين من داخل أوبك وخارجها بهذا السقف السعري هو الذي يرفع الاسعار ويحول دون انخفاضها. وقال ان بلاده حققت نجاحا كبيرا في مجال الخصخصة والتحول نحو السوق الحرة والانفتاح الاقتصادية على معظم دول العالم. وتحدث عن القوانين الجديدة لتنظيم الحياة الاقتصادية وحماية الاستثمارات في بلاده. ودافع عن دور الحكومة في التنمية, الا انه قال ان المستقبل للقطاع الخاص. وأكد وجود مشكلات صعبة بين دول حوض بحر قزوين بسبب ما أسماه بالتوزيع غير العادل لحصص الاحتياطي النفطي لكل منها. وفيما يلي نص الحوار الذي جرى بفندق انتركونتيننتال أبوظبي بحضور وزير خارجية تتارستان تيمور اكيولوف ود. سمير الحسن مستشار الرئيس للشئون العربية. تجربة تنموية عظيمة * ما هو تقييكم لدور الامارات العربية في عملية التنمية والبناء والاستقرار؟ ـ نجحت الامارات في بناء أعظم تجربة تنموية في المنطقة خلال فترة زمنية قياسية بفضل حكمة قائدها صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة, ان سموه قائد سبق عصره ويتمتع بالذكاء ويدير الامور بهدوء وروية وحكمة, وبكل تأكيد أقول هنا بأن حكمة صاحب السمو الشيخ زايد ليست مجرد أقوال ولكنها أفعال. عادة حينما يتولى رئيس الدولة, أية دولة, مقاليد الحكم لأول مرة يضع في الحسبان ضرورة بناء منجزات حضارية تكون عنوانا عريضا ومميزا لكل من يأتي من بعده, وحسب اعتقادي فإن صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان وضع الركائز الأساسية لهذه الدولة الناهضة ووضع لها العناوين وقادها في الاتجاه الصحيح الى بر الأمان بطريقة علمية مدروسة وبما يحافظ على تراثها الأصيل وحضارتها العريقة لكي يضمن مستقبلا مشرقا للأجيال المقبلة. لذلك مهما قلت عن حكمة قيادة صاحب السمو الشيخ زايد فإنني لن أوفيه حقه في كلمات لأنه صنع ملحمة كبرى هنا على ضفاف الخليج, وبالتالي نحن في جمهورية تتارستان نسعى للتعرف على التجربة التنموية العظيمة في دولة الامارات والاستفادة منها للنهوض باقتصاد بلادنا, خاصة في هذه المرحلة التي نشهد فيها التحول الكامل نحو السوق الرأسمالية وخصخصة قطاع الانتاج. تعاون اقتصادي مثمر * ما هي مجالات التعاون الاقتصادي بين الامارات وجمهورية تتارستان واحتمالات تطويرها؟ ـ التعاون بيننا قطع شوطا كبيرا في مختلف المجالات, إذ تربطنا علاقات قوية مع الامارات منذ زمن طويل, خلال زيارتي الحالية الى الدولة تم التباحث بين رجال الأعمال من الدولة ومؤسسات صناعية من بلادنا, وتوصلنا الى اتفاق مبدئي للاستثمار في مجال الزراعة باعتبارها من أبرز القطاعات الاستثمارية لدينا, كما قرر عدد من رجال الأعمال بالامارات الاستثمار في مشروعات انتاج وتكرير النفط والبتروكيماويات في تتارستان لأن هذه المشروعات ذات ربحية سريعة وعالية. واتفقنا كذلك على قيام بعض الشركات الاماراتية بتطوير بعض الحقول النفطية في تتارستان بهدف زيادة الانتاجية. * كم يبلغ انتاج تتارستان من النفط؟ ـ نحن كما تعلم دولة نفطية تربطها اهتمامات كبيرة ومشتركة مع الامارات, ويبلغ انتاج تتارستان من النفط 26 مليون طن سنويا, ويتم استهلاك نحو 7 ملايين طن في داخل البلاد. مستقبل أسعار النفط * ما هو موقفكم من قرارات منظمة (الأوبك) الأخيرة بزيادة الانتاج وخفض الاسعار في السوق العالمية؟ ـ حينما تقرر منظمة الأوبك بزيادة انتاجها بقيمة 7.1 مليون برميل يوميا فنحن بكل تأكيد نتأثر بهذه الزيادة لأن الاسعار سوف تتراجع بصورة آلية, ولكنني أقول ان سعر برميل النفط الذي يتراوح ما بين 20 الى 25 دولارا يناسبنا, فهذا السبق السعري جيد ونأمل ان يحافظ عليه جميع المنتجين من داخل أوبك وخارجها وان يدعمه جميع المستهلكين. * معنى ذلك انكم لا تؤيدون سعر الـ 30 دولارا للبرميل, رغم انكم تعيشون على النفط والصناعة والزراعة؟ ـ طبعا, لأن أسعار النفط عندما ترتفع الى سقف الـ 30 دولارا للبرميل أو يزيد, ترتفع الأسعار الخاصة بالسلع والادوات والمواد الخام بصورة تؤثر سلبا على الأوضاع الحياتية مما يؤثر على الحياة التجارية والاقتصادية سلبا, ولذلك يجب الحفاظ على سعر الـ 20 دولارا للبرميل لأن هذا هو السعر العادل والمناسب, بل وهو السعر الذي يحمي السوق الدولية من الاضطراب. * ما هي توقعاتكم لأسعار النفط حتى نهاية العام الجاري بعد قرارات أوبك بزيادة الانتاج؟ ـ ستدور الاسعار في حدود الـ 20 دولاراً للبرميل ولن تهبط عن هذا المستوى. * هل انتم مع الرأي القائل بأن تدخل الولايات المتحدة الأمريكية المباشر هو الذي ادى الى هذه المستجدات؟ ـ نعم التأثير الأمريكي موجود بقوة, ولكن القرار النهائي يجب ان يكون لمنظمة (الأوبك) باعتبارها صمام الامان للدول النفطية وللسوق العالمية. * هل يمكن القول بان جمهورية تتارستان حرة في انتاج وتصدير النفط أم هناك تنسيق مع الحكومة المركزية في موسكو؟ ـ نحن مستقلون في قرار استخراج النفط, غير ان الحكومة الفيدرالية الروسية تشاركنا في قرار تصدير النفط الى الخارج, وقد تسألني لماذا؟ اجيبك ببساطة: لو ترك الباب مفتوحاً امام جميع الشركات للقيام بتصدير النفط فإن السوق الداخلي سوف ينهار ولذلك يجب ان نتفق على الكميات المخصصة للتصدير وهذه المسألة مرتبطة بانابيب النفط ومصافي التكرير داخل جمهورية تتارستان وبالتالي نحن نقوم بتصدير 8 ملايين طن من النفط سنوياً واستهلاك 7 ملايين داخل البلاد, و10 ملايين تستغلها الحكومة الروسية المركزية. ازمة بحر قزوين * يتردد ان حوض بحر قزوين الغني بالنفط اصبح مجرد حقول الغام قابلة للانفجار بسبب الصراع عليه من الخارج وبسبب النزاعات الداخلية بين الدول المطلة عليه؟ ما هو تعليقكم؟ ـ بعد زوال الاتحاد السوفييتي السابق تم توزيع الحصص النفطية بين جميع الدول المطلة على بحر قزوين الا ان بعض المشاكل بقيت بدون حل وابرزها ان كل دولة ترفض مرور خطط انابيب النفط عبر اراضيها الامر الذي يعرقل مشروعات الصناعة النفطية, كما ان مشكلات الحصص لم تحل بعد, وهناك دول تطالب باكثر من حصصها المحلية في الاحتياج والانتاج ولكن عليها اتباع اسلوب حضاري للحل العاجل. * كيف تنظرون إلى علاقاتكم مع الدول العربية؟ ـ في المرحلة الاولى ـ اي بعد سقوط الاتحاد السوفييتي ـ ارتبطنا بشكل وثيق مع اوروبا والولايات المتحدة الامريكية من اجل جذب الاستثمارات والخبرات في المجال الاقتصادي وفي وقت لاحق ادركنا اهمية تعزيز العلاقات مع الدول العربية ولدينا طموح كبير في تقوية اواصر التعاون مع الشعوب العربية في مختلف المجالات. * هل توجد خطة محددة للتعاون المحتمل مع الدول الخليجية والعربية؟ ـ التعاون الثنائي مع دول مجلس التعاون الخليجي والدول العربية له فوائد كبيرة جداً للجانبين نظراً لأن بلادنا تحتل موقعاً استراتيجياً متميزاً على خمسة بحار هي البحر الاسود والمتوسط والبلطيق وقزوين وبحر الشمال, كما انها تقع على خمسة انهار صالحة للملاحة وتقع في وسط جمهورية روسيا الاتحادية وعلى خطوط السكك الفيدرالية مما يجعلها منطقة استراتيجية اضافة إلى امتلاك بلادنا لقاعدة صناعية مهمة في مجال الطائرات والزوارق والغواصات والسفن والسيارات والبتروكيماويات. * ما فرص الاستثمار المتاحة في بلادكم أمام رجال الأعمال العرب والأجانب؟ ـ تعتبر الزراعة وصناعة البتروكيماويات من أهم مجالات الاستثمار في بلادنا وهي تشهد حاليا توسعا كبيرا, اذ يوجد لدينا الآن احد اكبر مصانع البتروكيماويات في اوروبا. وفي المجال الصناعي تتميز تتارستان بصناعة العربات, والشاحنات ويتم تصديرها الى مختلف دول العالم, والاستثمار مفتوح في هذه الصناعة, كما اننا نعتزم التوسع في صناعة طائرات الركاب, والكل يعلم ان بلادنا تنتج أفضل طائرات الركاب في روسيا وهي (توبوليف 214) وكذلك طائرات الهليكوبتر المدنية والعسكرية, ومنذ اصدار (قانون الاستثمار في البلاد بدأت الاستثمارات الاجنبية تتدفق علينا ونحن نأمل في صياغة أطر للتعاون الاستثماري في مجال المشروعات المشتركة مع الامارات وسائر دول مجلس التعاون الخليجي. * هل نجحتم في السيطرة على المشكلات الناجمة عن التحول الى اقتصاد السوق الحرة والخصخصة؟ ـ نحن الآن في وضع افضل من السنوات العشر الماضية اذ تم بالفعل تقسيم ملكية الدولة للمصانع والمؤسسات العامة الى ثلاث فئات, ملكية خاصة بالكامل, ملكية مشتركة مع الدولة وملكية خاصة للأجانب, وتم خصخصة غالبية المؤسسات والمصانع الكبيرة في الدولة وهناك مشروعات مشتركة مع المستثمرين الأجانب في الصناعات الجوية والسيارات, نحن اذن امام مستقبل واعد ولسنا خائفين من المستقبل, ولدينا طاقات علمية هائلة وخبرات فنية كبيرة ونعطي أولوية كبيرة للبحث العلمي والتحديث التكنولوجي لكافة مرافق الانتاج فهذا هو خيارنا لمواجهة تحديات المستقبل . إن المؤسسات العلمية والبحثية في تتارستان تقوم بدور جبار على سبيل نقل التكنولوجيا وصناعتها وأعتقد ان هناك المزيد من الفرص الممتازة سوف تكون الى جانبنا. * هل من نهاية للحرب المأساوية في الشيشان, وهل تعتزمون القيام بمبادرة سلمية هناك؟ منذ بداية الأحداث في الشيشان اتخذت موقفا صارما يقوم على الحل السلمي بالوسائل السلمية وليست العسكرية وعبرت عن هذا الموقف في مناسبات عديدة ودافعت عنه بشدة, ولكن الذي حدث في الشيشان ناتج عن تدخل بعض الجماعات الشيشانية المتطرفة عسكريا في داغستان. وبدد هذا التدخل الوعي في عقول الناس الذين انزعجوا من مثل هذه الأعمال ولهذا حدث التدخل الروسي عسكريا في الشيشان. إن المقاتلين الشيشانيين وضعوا انفسهم في وضع غير قانوني وخرجوا عن القواعد المتعارف عليها ولذلك ما كان أمام القيادة المركزية الروسية سوى العمل على وقف التدخل في داغستان بالقوة العسكرية, ولكن للأسف الشديد تحولت عملية القضاء على المتطرفين الى حرب شاملة في الشيشان ونحن لم نكن نتوقع كل ما حدث أو تأخذ الحرب هذا البعد العميق القاسي ضد شعب بأكمله بسبب خطأ ارتكبه متطرفون. لا أحد ينكر وجود متطرفين من كل دول العالم في الشيشان, الى جانب الجماعات المسلحة ويمارسون لعبة التطرف والارهاب والحكومة الروسية لم يكن أمامها مفر سوى التدخل لوقف هذا التطرف باعتبار ان مثل هذا الأمر يعتبر شأنا داخليا روسيا. الحل السلمي أفضل * لكن ما هي آفاق الحل السلمي الذي تدعمونه للخروج من هذه الأزمة؟ ـ بعد خروج المتطرفين الى الجبال بدأت الأجواء مهيأة أمام الحوار السلمي, واتصلت هاتفيا مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وتحدثت معه حول ضرورة بدء الحوار السلمي وأكد لي انه يبحث عن حلول سياسية ذات طبيعة سلمية لانهاء الأزمة وأتوقع ان تبدأ المحادثات في وقت قريب جدا بهدف ايجاد حل عادل لمصلحة الشعب الشيشاني, وأعتقد ان قضية الشيشان سوف تجد طريقها الى الحل الدائم قريبا لأن الرئيس بوتين عازم على تكريس السلام ولن يسمح ببقاء مناطق نزاعات أو صراعات داخلية في روسيا الاتحادية والسلام سيخيم على ربوع الاتحاد الروسي كله. الحوار في عالم متحضر * ألم تفكر في يوم من الأيام الاستقال الكامل عن روسيا بدلا من الحكم الذاتي؟ ـ في بداية التسعينيات ـ أي بعد سقوط الاتحاد السوفييتي ـ كانت الأوضاع في تتارستان والشيشان صعبة جدا, فقد كان الشعبان في هذين البلدين يطالبان بالاستقلال الكامل ولذلك فإن تتارستان والشيشان لم توقعا على الاتفاقيات الفيدرالية مع الرئيس السابق يلتسين وهي اتفاقيات تنظم العلاقة مع الاتحاد الروسي بسبب وجود مشكلات صعبة في ذلك الوقت, غير انني تحاورت مع الرئيس يلتسين وجلسنا سويا وبحثنا عن أفضل الطرق لحل المشكلات القائمة, واستمرت المحادثات بيني وبين يلتسين ثلاث سنوات متتالية انتهت بالتوقيع على اتفاقية مشتركة عام 1994 تحدد شكل العلاقة بين روسيا وتتارستان, وبهذه الاتفاقية استطعنا اعادة السلام الى ربوع المنطقة وتحولنا الى دولة ناجحة صناعيا وزراعيا وتجاريا تحقق الفائض في الغذاء. وبعد توقيع الاتفاقية عام 1994 قلت لدوداييف ان روسيا لن توافق على الاستقلال التام للشيشان غير ان الاخوة في الشيشان لم يفهموا هذا الكلام ورفعوا علم التحرير والاستقلال الكامل عن روسيا. في عالمنا المتحضر لم تعد هناك ضرورة للدخول في حروب من أجل الاستقلال الوهمي, في الماضي كانت الدول تحارب للحصول على حقوقها واستقلالها من المستعمر الأجنبي, أما الوضع مختلف تماما في داخل الاتحاد الروسي. إن تشابه المصالح يحتم علينا البحث الدائم عن الحلول السلمية, ولذلك فإنني أرى ان الكفاح المسلح الهادف الى الحصول على الحقوق أصبح أكثر صعوبة من الماضي لأن الحلول السلمية هي الأفضل, ولذلك ينبغي ان نكون متحضرين ونستفيد من الدروس المؤلمة التي خلقتها الحروب الدامية في القرن الماضي وان نعمل على احلال السلام في هذا القرن الجديد لتجنيب البشر كوارث هم في غنى عنها ولتجنب الآثار السلبية المدمرة للحروب والصراعات العسكرية. وهذا الكلام ينطبق على آسيا الوسطى والقوقاز والبلقان والشرق الأوسط وكل المناطق الساخنة في العالم. أجرى الحوار: جمال المجايدة