لا تتوقف الخطط التنموية على دور واحد فقط تقوم به الدولة, بل يجب أن تتضمن أية خطة أو استراتيجية كافة العناصر التي تشكل الاقتصاد الوطني. وإن كان للقطاع العام الدور الأكبر في أية خطة, فإن للقطاع الخاص والجماعات والعائلة والأفراد أدوارا لا تقل أهمية, باعتبارهم مشاركين فاعلين فيها ويتأثرون بها أيضا. من هنا تأتي أهمية المشاركة الجماعية وأخذ آراء تلك الأطراف وإمكانياتهم وقدراتهم في الاعتبار عند وضع الخطط, حتى تتحقق الأهداف المرسومة, وتسهم هذه الخطط بالفعل في الإسراع بعملية التنمية بالدولة. فماذا يقول الخبراء ورجال الأعمال عن التخطيط وأهميته للاقتصاد الوطني بجميع قطاعاته؟ * ريحان مبارك فايز, رئيس مجلس إدارة المستشار الخليجي للبحوث والاستشارات, يقول إن دولة الإمارات اتبعت في نهجها لإدارة الاقتصاد الوطني ما يسمى بالتخطيط الموجه, وهذا الأسلوب فرضته الفلسفة الاقتصادية التي كانت ولاتزال تحكم اقتصاد الدولة, والقائم على نظام الاقتصاد الحر والسوق المفتوحة. وهذه الفلسفة هي التي قادت الدولة إلى عدم الأخذ بأسلوب التخطيط الشمولي. ويشير إلى أن للدولة تجربة سابقة في إعداد خطة تنمية شاملة, وهنا لابد أن نفرق بين الشمولي والشامل, فالأخير يأخذ جميع قطاعات الدولة في الحسبان لكن بالأسلوب الموجه, في حين أن الأسلوب الشمولي في التخطيط تأخذ به الأنظمة الاشتراكية كالاتحاد السوفييتي السابق. وعلى هذا فالأسلوب الذي يتلاءم مع ظروفنا هو الذي يتماشى مع الفلسفة الاقتصادية التي تنتهجها الدولة, ولكن يجب الأخذ في الحسبان الظروف والمتغيرات الاقتصادية التي تمر بها الدولة, والتي اختلفت كثيرا حاليا عما كانت عليه في السبعينيات والثمانينات. ويضيف أن هناك عوامل جديدة ومتغيرات سادت العالم, ومنها العولمة والانفتاح الاقتصادي والإصلاح الهيكلي, وكلها مفردات جديدة دخلت على الأدبيات الاقتصادية, ولذا يجب على الدولة أن تتماشى مع تلك المفردات والمتغيرات, ويجب أن يعي الجميع أن التخطيط بالمفهوم العام لا يتعارض مطلقا مع مفاهيم العولمة والانفتاح والإصلاح الهيكلي. ويؤكد أن أية خطة لها مقومات وأساسيات يجب أن تقوم عليها, حيث إنها تبدأ بقرار سياسي لإعداد خطة شاملة للدولة, وفي حالة عدم وجود مثل هذا القرار فإنه لن تكون هناك خطة. كما أن السبب وراء عدم وجود خطط للتنمية بالدولة أيضا, أنه من الأخطاء الشائعة عن المفهوم العام للخطط أنه نموذج اشتراكي وأن هذا النموذج يتعارض مع ما تتبعه الدولة من حرية اقتصادية, وبالتالي لا يجب أن تكون هناك خطة أو خطط متتالية لعملية التنمية. ومن هذه الأسباب كذلك توفر الموارد المالية بالدولة, وهو من الأسباب النفسية أساسا, وتبعا لهذا فإنه مادامت الدولة قادرة على معالجة كل المشكلات ماليا, فإنها بالتالي ليست في حاجة إلى التخطيط. أي أنه عندما تتوفر لدى الدولة موارد مالية فإن الأمر لا يتطلب لجوءها إلى التخطيط, ولكن عندما تنخفض أو تشح هذه الموارد فإنه يتم التفكير جديا في اتباع أساليب خطط التنمية الاقتصادية. وكل هذه الأسباب السابقة هي التي فرضت عدم وجود خطة للدولة. ويقول ريحان مبارك أيضا إنه في الاقتصاد هناك ما يسمى بتكلفة الفرصة البديلة, وهي تعني أنك أمام فرصة إما أن تستثمرها وتعظم منفعتك منها أو تفوت عليك ولا تستفيد منها. ومن هنا فإن الظروف المالية الجيدة التي تعيشها الدولة حاليا والتقلبات السعرية والكمية في النفط في السنوات ,86 ,94 ,98 وما شهدته تلك السنوات من أزمات جعلت الدول النفطية تعيد حساباتها بالنسبة للنفط, خاصة أن عائداته ما هي إلا ريع وليست استثمارا, وبالتالي يجب العمل على استثمار هذا الريع لتحقيق أهداف رفع مستوى المعيشة للسكان الحاليين والأجيال المقبلة, وهذا الهدف يجب أن نعمل ونسعى إلى التخطيط لتحقيقه, من خلال استخدام العائدات النفطية الاستغلال الأمثل, ولن يتم هذا إلا بالتخطيط العلمي المدروس والشامل. ويضيف أن الإمارات سبق وأعدت خطة خمسية وحيدة, وكانت أول خطة خمسية للدولة (1981 ـ 1985) , ولكنها لم تر النور, وذلك راجع لأسباب فنية من أهمها أن الموازنة التخطيطية لها أعدت على أساس سعر النفط في العام ,1979 والذي كان قد وصل لأعلى سعر في العام نفسه وهو 40 دولارا للبرميل. إلا أنه قد حدثت متغيرات على الساحة في ذلك الوقت, حيث إنه بدأت مع السنة المفترض فيها تنفيذ الخطة الحرب العراقية الإيرانية (حرب الخليج الأولى) , وتدهورت أسعار النفط, وترتبت على دول الخليج ومنها الإمارات التزامات مالية ضخمة كاستحقاقات لهذه الحرب, وأصبحت المنطقة غير آمنة. كل هذه الأسباب جعلت الحكومة تتريث في التنفيذ. ويوضح أنه رغم عدم تنفيذ هذه الخطة, إلا أن التجربة في حد ذاتها وفرت لوزارة التخطيط ورشة عمل وخبرات عملية كانت في أمس الحاجة إليها, وقد أصبحت الوزارة الآن قادرة على إعداد خطة شاملة على مستوى الدولة. ولو كانت الأهداف التي عرضت بالخطة قد نفذت لما ظهر الكثير من المشكلات, وخاصة ما يتعلق بالتركيبة السكانية والازدواجية الملحوظة في بعض المشروعات ولاسيما الصناعية منها والوضع البيئي, حيث كانت تلك الخطة قد وضعت كل هذه العناصر في الاعتبار. ويضيف ريحان مبارك أن وضع الخطط بالمفهوم التقليدي للخطة, وما تتضمنه من سياسات واستراتيجيات, لم يعد هو الأسلوب الأمثل في التخطيط. إذ أصبح على الدولة أن تقوم بتحديد الأهداف والاستراتيجيات العامة وتترك للقطاع الخاص عملية التنفيذ, من خلال المشروعات التي يرى كلا الطرفين ـ الحكومة والقطاع الخاص ـ أنها تحقق هذه الأهداف والاستراتيجيات. وكمثال على هذا أسلوب التخطيط في اليابان, حيث يتم قبل وضع الخطة دراسة حالة الاقتصاد الياباني وعلاقاته باقتصادات الدول المختلفة, ومن ثم تحدد السياسات والأهداف الإنتاجية للقطاع الخاص, وبعدها تقوم الحكومة بتقديم التسهيلات لهذا القطاع لكي يقوم بتنفيذ الخطط في مختلف القطاعات الإنتاجية وغيرها, ولتساعده في اختراق والوصول إلى الأسواق العالمية بمنتجاته وسلعه. وهذا الأسلوب هو الذي يجب أن يتبع ويعمل به. ويوضح أن الإمارات يمكنها أن تتبع هذا النوع من التخطيط, من خلال صندوق أبوظبي للتنمية الاقتصادية, فمن خلال ما يقدمه هذا الصندوق من معونات لدول عديدة في العالم يمكن أن يسهم في فتح أسواق هذه الدول أمام المنتجات الوطنية وإقامة قاعدة للصناعات الوطنية, لأن الأسواق أحد أهم مقومات نجاح الصناعة. ومادامت قد فتحت أسواق بالخارج, فإن ذلك يساعد الصناعات المحلية على النمو ويوفر فرص عمل ويؤدي إلى تطوير الصناعة, وهذا يسهم تبعا في تحقيق هدف الدولة من خططها. ويخلص مما سبق إلى أن الخطط اليوم ليست إعداد مسودات لمشروعات أو غيرها, بقدر ما هي مشاركة من الحكومة للقطاعات المختلفة, بحيث يكون هناك نوع من التشابك بين كل القطاعات التي تستفيد من الخطة وبالتالي يجب أن تقوم بتنفيذها. * نجيب سالم الشامسي, مدير عام مؤسسة المسار للدراسات الاقتصادية والنشر, يؤكد أن تقدم الدول ونهضتها مرهون بمدى القناعة بأهمية التخطيط الشامل وبمدى الأهداف التي يريدها الفرد والمجتمع أن تتحقق خلال فترة زمنية معينة. ولعل أهم أسباب تخلف العالم الثالث هو غياب التخطيط, والتخطيط الاقتصادي تحديدا. مشيرا إلى أن الإمارات وهي تنشد التقدم والازدهار والنمو, وتسعى إلى أن يكون لها حضور متميز في الساحة العالمية والإقليمية, تفتقر كغيرها من الدول العربية إلى التخطيط الجاد, ولاسيما في بعديه الاقتصادي والتنموي. ويرى أن التخطيط في الإمارات تغيب عنه المنهجية العلمية, مما كلف كل إمارة الكثير من النفقات المالية والجهود البشرية والوقت الطويل دون تحقيق نتائج فعلية تتساوى مع الجهود المبذولة والإمكانيات المتاحة. على أننا لانزال نخلط أثناء معالجتنا أو تشخيصنا لواقعنا الاقتصادي بين التنمية الاقتصادية والنمو الاقتصادي, إذ ما يحدث في مجتمع الإمارات هو نمو اقتصادي بفعل قوى رأس المال الناجم عن تدفق إيرادات البترول تحديدا, لكنه لا توجد تنمية اقتصادية حقيقية بالمفهوم العلمي الصحيح, رغم وجود بنى تحتية متطورة أنفقت عليها مئات المليارات من الدراهم, وكلفت الدولة والحكومات المحلية أعباء مالية ضخمة دون أن تكون هناك استفادة فعلية أو عائد مناسب. ويوضح الشامسي أن وزارة التخطيط قامت في بدايات تكوينها بالدور المرحلي آنذاك, حيث قامت بناء على توجهات الدولة وحكومتها الاتحادية في نهاية فترة السبعينيات بدورها من خلال وضع خطة خمسية, كلفت الكثير من الجهد والنفقات المالية, وكانت تلك هي الخطة الخمسية 1981 ـ 1985. إلا أن تلك الخطة لم تر النور وظلت حبيسة الأدراج, وقد كان سبب عدم تنفيذ تلك الخطة غياب الاعتمادات المالية اللازمة, فيما كانت الإمارات تستقبل إيرادات مالية ضخمة قبل أزمة أسعار البترول في العام 1986. ويؤكد أن غياب التخطيط المركزي من قبل وزارة التخطيط, نجم عنه قيام دوائر التخطيط والدوائر الاقتصادية والدوائر الصناعية في كل إمارة على حدة بمهمة التخطيط, ونتيجة لذلك ظهرت العشوائية في التخطيط الاقتصادي والتي انعكست على مجمل الأوضاع الاقتصادية, حيث برزت ظاهرة ازدواجية المشروعات ولاسيما الصناعية منها, وكذلك وجود شركات ومؤسسات تتضارب في الأهداف مما نشأ عنه منافسة غير متكافئة لا تخدم أغراض التنمية الاقتصادية, وتكرست مشروعات محلية على حساب الأوضاع الاقتصادية دون وجود تخطيط اقتصادي متوازن وهادف إلى التنمية الشاملة ولاسيما الاقتصادية. والنتيجة كانت فشل بعض المشروعات ولاسيما المشروعات الصناعية, ويعني ذلك هدرا لطاقات وإمكانيات كان الأجدى أن يتم توظيفها في خدمة مشروعات التنمية الاقتصادية, علاوة على المشكلات الاقتصادية التي عانت منها بعض الإمارات. ويتساءل الشامسي قائلا: بعد مضي ما يقارب الثلاثة عقود من عمر دولتنا ودخولنا قرنا جديدا, ما هي نظرتنا الاقتصادية للأوضاع الحالية؟ وكيف ننظر إلى آفاق اقتصادنا الوطني في ظل التحولات والمتغيرات الاقتصادية والاجتماعية والاستراتيجية التي يشهدها العالم حاليا؟ وما هي آفاق تفكيرنا واستعدادنا للمرحلة المقبلة؟ وكيف ننظر إلى مستقبل دولتنا على ضوء أوضاعنا الاقتصادية والاجتماعية الحالية؟ مشيرا إلى أنها أسئلة مشروعة لمن يريد أن يسير في ركب الدول التي تنشد الاستقرار والتقدم. ويضيف أن التخطيط هو أساس التفكير الهادف, وهو السبيل الوحيد والمنهج الحقيقي لمن يريد تسجيل حضور دولي في عالم ليس للصغير وجود فيه, حيث إن القرن المقبل هو قرن الكبار ولا يستطيع الصغار سوى أن يلعبوا دورا مكملا على المسرح الاقتصادي. ويؤكد أن الافتقار إلى التخطيط المركزي الاتحادي سوف يؤدي إلى الاضمحلال والضعف الاقتصادي, خاصة في ظل انفتاح اقتصادنا وأسواقنا أمام منتجات عالمية وأمام تدفق سلع أجنبية, لتصبح السوق المحلية سوقا أجنبية, حيث التاجر أو البائع أو المستورد أجنبي بينما يبقى دور المواطن هو دور المستهلك! ومن هنا فإن التخطيط الاقتصادي من خلال وضع استراتيجية تنموية, أساسها تنويع القاعدة الإنتاجية والاعتماد على مصادر دخل متنوعة وقدرات وطاقات وطنية, هو السبيل الوحيد للخروج من مأزق محتمل. ويدعو الشامسي إلى ضرورة الحد من العشوائية في التخطيط والتوجه نحو التخطيط الاتحادي وبأسس علمية وقواعد منطقية. ولا يقلل هذا من أهمية التخطيط على مستوى الإمارة الواحدة, ولكن شريطة أن ينسجم تخطيط الإمارة مع تخطيط الدولة. وأيضا تنويع القاعدة الإنتاجية من خلال وجود دور للقطاع الخاص, كون هذا القطاع قد استفاد كثيرا وعليه أن يتحمل مسئولياته وفقا للدور الذي ترسمه الدولة له, وتحديدا وفق التخطيط الذي تضعه الوزارة المعنية بالاشتراك مع الوزارات الأخرى. ويضيف أن مفهوم التخطيط هنا لا يقتصر على المكان وإنما يشمل القطاعات الاقتصادية المختلفة, مع التركيز على القطاعات الإنتاجية كالزراعة والصناعة, وتوظيف كل الإمكانيات وتوفير كل المتطلبات لتنمية هذين القطاعين لما لهما من أهمية قصوى في تحقيق الأمن والاستقرار للفرد والمجتمع, ولكي تتمكن الدولة من تحقيق أهدافها وحضورها الدولي. ويشير إلى أن الصلاحيات المعطاة لكل إمارة بموجب دستور الدولة في إدارة شئونها المالية أو الداخلية, لا تعني أبدا قيام كل إمارة بالعمل بعيدا عن الدولة, كما لا يعني هذا بالضرورة استقلالية قرارها الاقتصادي أو تعطيل مشروعات التنمية على مستوى الدولة, حيث إن كل إمارة هي جزء من الدولة في تخطيطها ومشروعاتها وقوانينها وتشريعاتها. وأخيرا يقول الشامسي إن هناك دولا قريبة منا وذات ظروف مشابهة لاقتصادنا كالسعودية, ولكنها لديها خطط اقتصادية خمسية وعشرية, وهناك عمان بنهجها التنموي الشامل والمتزن, والكويت التي تسعى للخروج من مأزق التنمية بإصلاحات اقتصادية جذرية. فكيف نواجه نحن المستقبل في غياب التخطيط الشامل؟ * الخبير الاقتصادي الدكتور جمال الدين زروق, يؤكد أن مفهوم خطة التنمية طرأت عليه تحولات كبيرة منذ بداية استخدامها كاستراتيجية لتحقيق النمو الصناعي في الدول الاشتراكية كالاتحاد السوفييتي سابقا. موضحا أن دولة الإمارات اتبعت منذ بداية قيام الاتحاد نظام السوق, الذي يرتكز على قيام الأفراد بتحديد ما يحتاجونه من إنتاج للسلع الاستهلاكية والخدمات, وفي المقابل قامت الدولة بتوفير البنية التحتية والخدمات الأساسية كالتعليم والصحة والأمن. كما أقامت الدولة الصناعات التي تحتاج إلى استثمارات ضخمة وتقنية عالية لاستغلال الموارد الطبيعية فيها, وفي مقدمتها النفط والغاز وبعض الصناعات الأخرى كالألمنيوم. ويقول إن تجربة دولة الإمارات تعتبر ناجحة في إعطاء دور الإنتاج والاستهلاك للقطاع الخاص, وتركيز دور الحكومة على توفير البنية التحتية والخدمات الأساسية. ويحتم تعزيز دور القطاع الخاص مستقبلا بناء المؤسسات المختصة في رقابة السوق, بهدف حماية المنتجين من المنافسة غير العادلة, وكذلك حماية المستهلك من السلع المنتجة محليا أو المستوردة التي لا تفي بالمواصفات النوعية التي تضمن سلامته, وأخيرا وضع القوانين التي تحمي حقوق الملكية الفردية. ويرى أنه يمكن للدولة توجيه القطاع الخاص, من خلال إعداد الدراسات الاقتصادية لإبراز المزايا النسبية التي تتمتع بها الصناعات الوطنية. وتكون مثل هذه الدراسات بمثابة معلومات تأشيرية لمساعدة القطاع الخاص على التخصص في الإنتاج, وتوزيع الإنتاج في المواقع داخل الدولة التي تقدم الحوافز اللازمة بما يساعد على الاستفادة من تخفيض كلفة الإنتاج, وبالتالي زيادة القدرة التنافسية للصناعات المحلية. * رجل الأعمال جمعة بن أحمد السلامي, يقول إنه ليس بالضرورة أن تكون هناك خطة للدولة, ولكن يمكن أن تكون هناك رؤية استراتيجية محددة واضحة المعالم بخطة تنموية على مستوى الدولة تتوافق مع ظروفها وتتماشى مع نظامها المميز, من حيث وجود مؤسسات اتحادية وأخرى محلية. على أن تأخذ هذه الرؤية بعين الاعتبار الهوية الخاصة للدولة, وكذلك عضويتها في مجلس التعاون الخليجي والجامعة العربية. ويضيف أن وجود هذه الرؤية الاستراتيجية الشاملة يمكن أن يكون القاعدة الأولى لواضعي الخطط القصيرة والمتوسطة والطويلة المدى, وتنفيذ كل ما يرمون إليه. ولكن دون شك ربما يكون من الناحية العملية وجود برامج محددة المعالم واضحة أفضل من وجود خطة مقولبة, أو ما يعرف بالخطط الخمسية والعشرية وما عداها, حيث إن المتغيرات العالمية وخاصة الاقتصادية وارتباط الإمارات بما يجري في سوق النفط العالمية, هذا كله يحفزها إلى إيجاد برامج متخصصة من جهات تناط بها المسئولية. ويوضح أن الجهة المعنية بالتخطيط بالدولة هي وزارة التخطيط, ولكن في الواقع لا يلحظ أي تأثير لها في هذا المجال, ولايزال دورها غير واضح بالنسبة للمواطن العادي والجهات والمؤسسات الأخرى, وربما يقتصر دورها على توفير بعض الأرقام والإحصائيات فقط! كما لا توجد حاليا أية جهة تعنى برسم السياسات الفوقية, فالمطلوب حاليا هو معرفة دور الجهات التي تناط بها المسئوليات المختلفة, سواء كانت هذه الجهات تعليمية كالمدارس والجامعات والكليات أو وزارات ذات تخصصات مختلفة, بحيث تتفاعل هذه الجهات مع بعضها البعض وتكون رؤيتها شاملة. إضافة إلى ذلك فإنه يجب أن يكون هناك مجلس أعلى للتخطيط على المستوى الاتحادي. ويؤكد السلامي أن الهدف الأساسي من عملية التخطيط هو الإسهام في رفد عملية التنمية بالدولة, وهذا لن يتأتى إلا بوجود برامج متخصصة لدفع مسيرة التنمية في دولة الاتحاد, ومحاولة إيجاد خطة تنموية مرنة تتفاعل مع المتغيرات والمعطيات على الساحة المحلية والإقليمية والدولية, لأنه لم يعد هناك مجال للقيام بتخطيط بدائي يتبع المدارس التقليدية. * رجل الأعمال حسن علي درويش, الرئيس التنفيذي لمجموعة مشروعات البواردي, يرى أن الحاصل حاليا في الدولة أنه لا توجد خطة أو خطط شاملة للتنمية, وأن التخطيط يعتمد على البعد المحلي فقط من خلال الحكومات بالإمارات المختلفة. فإذن يفترض أن تكون هناك خطة مركزية شاملة للدولة ككل, تتضمن الأولويات المحددة والأهداف المراد تحقيقها, وفقا لما هو متاح من إمكانيات وموارد مالية. وبالطبع ينبغي أن تكون خطط كل إمارة تراعي ظروفها المختلفة واحتياجاتها التنموية, وأن تعتمد على ما هو متوافر لديها من مزايا تنافسية وما تم تنفيذه من خطط في المراحل السابقة. ويوضح أنه إذا ما أردنا أن نضع خطة اتحادية, فإننا يجب أن نراعي ما حققته الإمارات منفردة, وأن تأخذ هذه الخطة في الحسبان المراحل التي قطعتها هذه الإمارات في مسيرة التنمية. فمثلا قطعت إمارة دبي شوطا طويلا في مجال إعادة التصدير والتوزيع والسياحة والمعارض والإنترنت والتجارة الإليكترونية والاستثمار في قطاع التكنولوجيا والمعلوماتية, وحققت الشارقة تميزا واضحا في الجانب الصناعي والثقافي, ومعها كذلك رأس الخيمة التي بها نشاط صناعي متميز, وأبوظبي بطابعها المالي. وهذا يتطلب أن يتم تطوير هذه الإنجازات التي تحققت والارتقاء بها خلال السنوات المقبلة, وبالتالي فإننا نجد أن لكل إمارة طابعا معينا يجب أن يراعى عند إعداد الخطط بالدولة. ويرى درويش أنه يجب أن نركز في خططنا على ما تتمتع به الدولة من مزايا نسبية والعمل على تنميتها, وأن تسهم هذه الخطط في تحسين المناخ الاستثماري والاقتصادي, وأن تتضمن توفير فرص عمل واستثمار أفضل لمواطني الدولة. إضافة إلى ضرورة التركيز على تطوير السوق المالية باعتبارها الوسيلة لتوفير سيولة يمكن استثمارها في إيجاد فرص العمل للمواطنين, وكذلك تطوير الأداء بالمؤسسات ورفع الإنتاجية, لأن ذلك سوف ينعكس على ترشيد الإنفاق الحكومي ويقلل من الأعباء عن كاهل الحكومة. وليس بالضرورة أن تكون هناك خطة شاملة, ولكن يمكن أن تكون هناك خطط منفصلة لكل إمارة وأن يكون هناك تنسيق وتكامل فيما بينها. ويؤكد أنه يجب أن يكون للقطاع الخاص الوطني دور بارز وفعال في أية خطط للدولة, مثل ما نرى في جميع الدول المتقدمة, باعتبار أن هذا القطاع يمثل العمود الفقري للاقتصاد الوطني, وبالتالي فإن إشراكه في الخطط المرجوة ضروري جدا, حتى يستطيع أن يحدد توجهاته الاستثمارية ومشروعاته, وحتى تكون لديه رؤية واضحة ومحددة للمستقبل. * ويتفق رجل الأعمال محمد شبيب الظاهري مع آراء سابقيه, حيث يؤكد أهمية وجود خطط للتنمية ترسم من خلالها ملامح المستقبل لعملية التنمية في مختلف القطاعات الاجتماعية والاقتصادية. ويتفق معهم كذلك في أن الملاحظ خلال العقود الماضية أنه لم تكن هناك خطط واضحة للتنمية بالدولة, ولا يعرف سبب ذلك رغم وجود جهات اتحادية متمثلة في وزارة التخطيط منوط بها عملية التخطيط الشامل على مستوى الدولة. فقد اعتمد التخطيط على الآليات المحلية المتوفرة في كل إمارة, حيث نجد على سبيل المثال أن دائرة التخطيط بأبوظبي قامت بجهود كبيرة جدا في الجانب التخطيطي بالإمارة من خلال البرامج الاستثمارية التي تغطي كافة القطاعات بالإمارة, وتتم برمجة وإعداد هذه البرامج حسب الأولويات, وقد تعدى حجم الإنفاق على مشروعات التنمية بالإمارة عشرات المليارات من الدراهم وأصبح هناك تخطيط مستقبلي للإمارة بشكل عام. ويتابع أن المطلوب هو إيجاد خطط شاملة على مستوى الدولة ككل, تأخذ في الحسبان تركيبة الدولة وإماراتها المختلفة في عملية التخطيط, وبما يتلاءم مع ما هو متاح لديها من موارد وإمكانيات طبيعية ومالية لمراعاة ذلك في الخطة العامة للدولة وخطط وبرامج كل إمارة, بحيث لا يكون هناك تعارض في المشروعات المقامة بها. ويؤكد أن غياب الخطط يؤدي إلى حدوث مشكلات عديدة, وإن كانت لا تظهر على المديين القصير والمتوسط بل على المدى البعيد. لأن غياب التخطيط يؤدي إلى التخبط والعشوائية في اتخاذ القرارات والتي تكون غير مدروسة, وبالتالي فإنها تنعكس سلبيا على الإنفاق والأداء الاقتصادي بشكل عام, ومن هنا تأتي أهمية التخطيط العلمي المدروس من خلال الأجهزة والجهات المختصة, وأن تكون هناك رؤية شاملة وواضحة لذلك بعيدا عن التخبط والارتجال وعن الحدود المحلية لكل إمارة. ويقول إن للمؤسسات المالية دورا كبيرا في أية خطط, وبالتالي فإنه تجب مراعاة ظروف وطبيعة نشاط تلك المؤسسات وماذا يمكن أن تقدمه للإسهام في إنجاح خطط التنمية بالدولة, على اعتبار أن تنفيذ تلك الخطط يحتاج إلى إنفاق رؤوس الأموال والاستثمارات, وخاصة المشروعات الضخمة كالبنية التحتية وغيرها من المشروعات الحيوية في مجالات الطاقة والمياه والصناعات التحويلية. ولم يعد يعتمد بشكل كلي على الاستثمارات الحكومية في هذه المشروعات, بل أصبح المجال مفتوحا أمام القطاع الخاص وقيام المؤسسات المالية والمصرفية بتقديم التمويل اللازم لهذه المشروعات. * رجل الأعمال أحمد محمد الرميثي, يؤكد أهمية التخطيط في أي عمل وخاصة إذا كان ذا صلة بالمجالات الاقتصادية, وبالتالي فإن غياب الخطط والاستراتيجيات التي تسير العمل الاقتصادي بالدولة يمكن أن ينعكس سلبيا على كافة الأنشطة المرتبطة بها. ويضيف أن الإمارات المختلفة اعتمدت في السنوات الماضية على تنفيذ مشروعاتها وفقا لحاجتها, دون الأخذ في الاعتبار سياسات وخطط الإمارات الأخرى, وما إذا كانت هذه المشروعات تلبي حاجتها بالفعل أو لا. واعتمدت في ذلك على ما تتمتع به من قدرات وإمكانيات مالية ضخمة, وخاصة في إمارتي دبي وأبوظبي. مشيرا إلى ضرورة العمل على إيجاد خطة شاملة للتنمية في الدولة تأخذ في الاعتبار ما تتمتع به كل إمارة من مزايا تنافسية في القطاعات المختلفة, بحيث يمكن الاستفادة منها في تنفيذ هذه الخطط, على أن يكون هناك تكامل بين مختلف الإمارات في عملية التخطيط. ويقول إنه على الرغم من نجاح إمارات الدولة في مشروعاتها إلى حد كبير, ولكن كان من الممكن أن تكون النتائج أكثر إيجابية لو كانت هناك خطط اتحادية تأخذ في الاعتبار البعد المحلي لكل إمارة, بحيث تتم إقامة المشروعات التي تحتاجها الدولة ككل, ونبتعد بذلك عن العشوائية في تنفيذ بعض المشروعات التي قد لا تكون لها أية قيمة أو تأثير اقتصادي, وتشكل عبئا على الموازنات المحلية. ويؤكد أننا وإن كنا لم نتبع أساليب الخطط الشاملة للتنمية في السابق, فإنه قد حان الوقت للتفكير جديا في هذا الطرح, وخاصة في ظل المتغيرات الاقتصادية التي يشهدها العالم حاليا, والتي تتطلب أن تكون لدى جميع دول العالم تصورات مستقبلية عن الذي تريد أن تفعله وكيف يمكن لها أن تنافس, والتي على أساسها يمكن أن تضع خططها والبرامج المختلفة التي يمكن لها أن تنفذ من خلالها. ويشير إلى أهمية وضع خطة تنموية للدولة تعتمد بشكل أساسي على المتاح لدينا من الموارد, تسهم في إقامة قاعدة صناعية إنتاجية, لما لذلك من دور في تنويع مصادر الدخل وعدم الاعتماد بشكل كلي على العائدات النفطية. ويدعو الرميثي إلى ضرورة إشراك القطاع الخاص في أية خطط للتنمية في الدولة, لأنه أثبت خلال السنوات الماضية أنه شريك فعال جدا في هذا المجال, وقد اعتمد عليه بشكل كبير في تنفيذ برامج التنمية والمشروعات التي طرحتها الحكومة الاتحادية والحكومات المحلية, وقام بضخ مليارات الدراهم كاستثمارات خاصة في مئات المشروعات, ولذا يجب أخذ إمكانيات وقدرات هذا القطاع في الحسبان وإعطائه دورا مناسبا في الخطط المستقبلية. وكذلك الحال بالنسبة للقطاع الأهلي والأفراد وكل فئات المجتمع, كل حسب قدراته وإمكانياته, للإسهام في إنجاح خطط التنمية. أبوظبي ـ احمد محسن