عندما أعلن ترشيح نفسه للانتخابات الرئاسية, وعد فلاديمير بوتين بأن يتم تسوية الازمة الشيشانية بحلول موعد الانتخابات. وفي النهاية, لم يكن هذا هو الحال, ولا يزال من المتوقع استمرار المناوشات لبعض الوقت. غير ان الاحداث يبدو انها انقلبت بشكل قاطع لتصبح في صالح موسكو. وقد كان هذا هو الحال بشكل خاص في الاسابيع القليلة الماضية, حيث افادت تقارير بحدوث انشقاق بين المقاتلين الشيشانيين المحلليين والعناصر الاجنبية الذين وصفتهم موسكو بـ(الوهابيين) في اشارة الى الاسلاميين من (العرب) وفعليا, اختار العديد من العناصر الاجنبية, في ظل عدم وجود أمل لديهم بقدرتهم على كسب تلك المعركة الانسحاب حاملين معهم عتادهم ورافضين مساعدة الشيشانيين اكثر من ذلك. ونتيجة لذلك, قد يستغرق الأمر مجرد اسابيع حتى تعود الأمور الى طبيعتها نوعاً ما. وبينما كان يعتبر امراً ممكنا, قبل بضعة اشهر, ان تؤدي الازمة الشيشانية إلى زعزعة استقرار روسيا, فان هذا لم يعد هو الحال الآن. ونتيجة لذلك, فان موسكو الآن تتمتع بمصداقية جديدة لها تأثيراتها الاقتصادية والمالية المهمة. وبشكل خاص, يمكن النظر الى روسيا باعتبارها ناجحة نسبيا في ابطال مفعول استراتيجية الطاقة الامريكية في منطقتي القوقاز وبحر قزوين. والخطوة الرئيسية في هذا الاتجاه كانت الاعلان المشترك من قبل شركتي غاز بروم وايني في الخامس عشر من مارس انهما على وشك ابرام اتفاقية مالية بقيمة 1.6 مليار دولار لتنفيذ مشروع خط انابيب الغاز المعروف باسم (بلوستريم) الى تركيا عبر البحر الأسود. وفي ظل مساهمة كل من الشركتين بمبلغ 200 مليون دولار, فان الاتفاقية التي تبلغ تكلفتها 1.6 مليار دولار من المتوقع ان يتم امدادها بكونسورتيوم من البنوك الايطالية والألمانية مع ضمانة شركة سيس الايطالية بمبلغ يصل الى مليار دولار بينما سيتم توفير باقي المبلغ من جانب العديد من البنوك اليابانية التي تغطيها (ميتي) وبنك اليابان للتعاون الدولي المشكل حديثا. وعلى الرغم من ان العديد من التفاصيل لايزال ينبغي وضعها, الا ان التقويم العام هو ان (بلوستريم) قد اصبحت الآن (اتفاقية منتهية) , وانه سيكون جاهزا للعمل بحلول عام 2001 كما كان مخططا في الاصل. وفي الواقع ان هذا الاعلان يأتي كتأكيد على ان المستثمرين الدوليين, بما في ذلك اليابانيين الحذرين جداً, قد توصلوا الى التقويم القائل بأن المرحلة الأسوأ من الازمة الروسية قد انتهت وانه قد آن الاوان من جديد لاعطاء دفعة للاقتصاد الروسي. ومن نافل القول, فان حقيقة نجاح شركات النفط والغاز الروسية بتحقيق بعض الارباح الكبيرة في الاشهر الاخيرة ربما كان لها الاثر في تسهيل العملية. ويعتبر ما جرى ضربة كبيرة للولايات المتحدة, حيث ان هذا يأتي بعد وقت قصير من جولة حديثة للمنطقة قام بها المبعوث الأمريكي الخاص جون ولف. ففي نهاية جولته, وفي مؤتمر صحفي في اسطنبول, وصف الاحتمال النهائي بامكانية تحقيق مشروع (بلوي ستريم) بأنه (افتراض محض) . وبدلا من ذلك, وكما جرى هذا مجدداً أيضاً في منتصف مارس, وبمناسبة انعقاد مجلس الأعمال الأمريكي ـ التركي في واشنطن, أكد مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية للشئون الأوروبية مارك جروسمان إلتزام واشنطن الذي لايتزعزع بتحقيق مشروع (خط أنابيب الغاز عبر قزوين) من تركمانستان الى تركيا مروراً بأذربيجان, غير انه لوحظ خلال اجتماعه بالمبعوث الأمرييك ان الرئيس التركماني مراد نيازوف لم يكن ايجابياً بدرجة كافية, وكان على العكس من ذلك, منتقداً بقوة للمبادرات الأمريكية. وفي نهاية المطاف, يبدو ان هناك العديد من المسامير قد ضربت في نعش مشروع (خط أنابيب الغاز عبر قزوين) الذي يشرف عليه كونسورتيوم تقوده شركة بي أس جي الأمريكية. وبغض النظر عن الضغط الأمريكي, فقد مضت عشق أباد الان في التفاوض على اتفاقية ثنائية مع روسيا لتصدير 50 مليار متر مكعب من الغاز في السنة لمدة 30 عاماً عبر شبكة الانابيب الروسية. وعلاوة على ذلك, شهدت العلاقات بين اذربيجان وتركمانستان تدهوراً جديداً, فقد احتجت عشق أباد في الأسابيع الأخيرة على الامكانية القائلة بأن اذربيجان قد ترغب في استخدام (خط أنابيب الغاز عبر قزوين) لتصدير غازها الى تركيا, مما يؤدي بالتالي, الى تقليل كمية الغاز التركماني الذي سيصل الى الأسواق التركية والأوروبية, وعلى الرغم من المحاولات الأمريكية للتوسط في إبرام اتفاق, إلا أن باكو أوضحت انها لن تتزحزح عن ذلك الموقف. ونتيجة لذلك, فقد قررت عشق أباد الان الرد على ذلك في منطقة اخرى, وعملياً, فان تركمانستان تتفاوض حول اتفاقية مع ايران من اجل التنقيب المشترك لحقل (سيردار) البحري في بحر قزوين كما أعلن في منتصف مارس على لسان وزير الخارجية التركماني, وبينما تعتبر عشق أباد الحقل داخل مياهها الاقليمية, فان اذربيجان تعتبره كذلك أيضاً وتطلق عليه اسم (كياباز) , وفي الواقع انه وبينما حاولت باكو اغراء شركات النفط الروسية للتنقيب فيه, فان تركمانستان قد فعلت الشيء نفسه مع شركة موبيل اويل الأمريكية, وقد ادى هذا الوضع الى حالة من التحفظ, حيث لم تبد أي من الشركات الروسية أو الأمريكية استعدادها لخوض المجازفة, وبينما قد تكون المبادرة التركمانية الأخيرة في هذا المجال تعيش مأزقاً هي الاخرى, فان من الواضح انها لاتوجد مناخاً مؤاتياً للتعاون في مجال الطاقة بين عشق أباد وباكو, وبناء عليه فان الأمال بأن يكون كونسورتيوم بي أس جي قادراً على إقناع مستثمرين دوليين على صياغة عرض مالي مع نهاية الصيف أخذت تتلاشى بسرعة. وفي الحقيقة ان الرئيس التركماني نيازوف وفي خطوة تعد ضربة اضافية للمشروع الذي ترأسه بي أس جي, رفض ان يجدد لسنة اخرى عقد بي أس جي عندما بلغ أجله في التاسع عشر من فبراير الماضي, وكان الهدف من هذا العقد الذي وقع بالاحرف الأولى العام الماضي اعطاء كونسورتيوم بي أس جي المهلة الضرورية لاجراء دراسات الجدوى من اجل التنفيذ النهائي لمشروع (خط أنابيب الغاز عبر قزوين) وبسبب الالتزام الأمريكي بهذا المشروع, فان الرئيس التركماني اعتقد على نحو جلي ان الحكمة تقتضي عدم اغلاق الباب تماماً في وجه المشروع, ومن هنا, فانه قد يكون رفض التجديد لسنة اخرى, لكنه منحه عقد ايجار جديد لمدة شهر ملتحماً إلى أن هذا يمكن تجديده من شهر إلى آخر. وباختصار, فإن عشق اباد قررت وضع رسن قصير في رقبة بي أس جي. ويبدو أن تكتيك الضغط هذا قد نجح. فبعد اقل من اسبوعين على رفض التجديد لهم بسنة واحدة, استطاع مندوبون من كونسورتيوم بي أس جي تقديم مشروع جديد للسلطات التركمانية. وتبعاً لذلك, انخفضت التكلفة الاجمالية لبناء خط الانابيب بشكل مفاجيء بمقدار كبير مع موافقة كونسورتيوم بي أس جي على تحمل التكلفة الاضافية. وفي الوقت نفسه قررت بي أس جي ايضاً ان تعرض على تركمانستان حصة اكبر من الارباح مما كان مخططاً في الاصل وحاولت على نحو خاص, تقديم ضمانات على ان عشق اباد يمكن ان تكون في وضع يسمح لها بتصدير قبل ما كان مخططاً بكثير. وكان راديو صوت اوروبا الحرة الذي يتخذ من براغ مقراً له قد نقل عن مسئولين امريكيين قولهم ان هذا كان كافياً لاقناع عشق اباد وان مشروع (خط انابيب الغاز عبر قزوين) التي تقوده بي اس جي قد عاد من جديد إلى مساره. قد لا يكون هذا اكثر من مجرد ضرب من التمني, حيث ان السلطات التركمانية قد امتنعت في الواقع, عن اصدار اي تعليق مهما كان, واكتفت فقط بالاشارة إلى انه قد يكون هناك بعض الاهتمام المتجدد. اما اذا كان هذا التغيير سيكون كافياً لتحقيق ذلك المشروع, فهذه مسألة اخرى تماماً. وفي نهاية المطاف, تبدو عشق اباد مهتمة بشكل اساسي في استخدام مشروع بي أس جي كوسيلة للحصول على ظروف افضل في مفاوضاتها الجارية مع روسيا وايران. ويبدو ان روسيا مستعدة لخوض غمار اللعبة إلى الحد الذي قد يساهم بجدية في تقويض استراتيجية الطاقة الامريكية في المنطقة. وفي الواقع انه يقال بأن روسيا قد تكون حتى مستعدة لتقديم اسعار اعلى للتركمان فقط اذا كان هذا سيضمن احباط الخطط الامريكية بشكل جدي. ومن جهة اخرى يقال بأن عشق اباد تلقى نظرة اخرى على امكانية تحقيق خط انابيب للغاز من تركمانستان إلى باكستان. وكان هذا المشروع قد درس لاول مرة في عام 1991 تحت رعاية شركة الطاقة الارجنتينية بريداس وما ان شمت الشركات الامريكية التي كانت تتجاهل تلك الفرصة برائحة المشروع حتى ابدت على نحو مفاجيء اهتمامها بها. وبدعم من الادارة الامريكية, عملت يونوكال في حينه على اقناع السلطات التركمانية بالغاء عقد شركة بريداس. وبدلاً من ذلك, تم تشكيل كونسورتيوم دولي تحت رعاية يونوكال. غير ان المشروع وصل إلى نقطة توقف مفاجئة عندما فرضت الولايات المتحدة عقوبات على افغانستان في اغسطس من عام 1998, وهي المنطقة الرئيسية التي سيقطعها خط انابيب الغاز. وبحلول اكتوبر 1998, اعلنت نيونوكال في حينه عن تخليها عن المشروع للابد. وبعد ذلك ببضعة اشهر, نفذت بريداس انتقامها واعلنت انها لا تزال مستعدة لتولي المشروع. ومع تأييد واشنطن لطريق (غريبة) من تركمانستان إلى تركيا عبر اذربيجان بدا مشروع خط انابيب تركمانستان إلى باكستان عبر افغانستان بأن لديه فرصة ضئيلة بالتحقق في اي يوم من الايام. غير انه مع اجتماع وزيري الطاقة التركماني والباكستاني في فبراير الماضي, أعلنا انهما توصلا الى توقيع بروتوكول جديد لاعطاء نفخة حياة جديدة للمشروع. وفي الواقع ان باكستان تواجه مشكلة في مجال الطاقة على المدى القصير, حيث لم يتم تأكيد العديد من مصادر التزويد المحتملة. وهذا هو الحال, على سبيل المثال, مع خط الانابيب المحتمل من ايران الى باكستان. وبالمثل, وبينما قد تنضم باكستان الى مشروع دولفين الاماراتي, فإن هذا الأمر لم يتأكد بعد ايضا. ان من المبكر جدا تقويم ما اذا كان المشروع التركماني ـ الباكستاني يمكن ان يتحقق, غير ان من الواضح هو ان بعض الشركاء في المشروع قد أصبحوا نشطين بشكل خاص. وهذا الأمر ينطبق بشكل خاص على اليابانيين الذين كانوا موجودين منذ البداية, ولكنهم قرروا الآن لعب دور ريادي في المسألة. ومن الواضح ان هذا يأتي كنتيجة مباشرة للهزيمة القاسية التي منيت بها طوكيو في الشهر الماضي عندما رفضت السعودية تجديد الامتياز النفطي الممنوح لشركة (ايه.او.سي) اليابانية في المنطقة المحايدة. وفي ظل اعتماد اليابان الكلي على النفط المستورد, فقد جاء هذا القرار السعودي بمثابة ضربة كبيرة. غير ان هذه النتيجة كانت متوقعة منذ شهور, وبالتالي فقد أشيع في هذا الاطار أن طوكيو توصلت الى نتيجة في الأشهر الأخيرة مفادها انه ينبغي عليها ان تعمل على تخفيض اعتمادها على نفط الشرق الأوسط والخليج خلال فترة من الزمن, وانه ينبغي عليها بدلا من ذلك تركيز جهودها على الوصول الى موارد جديدة في القوقاز ووسط آسيا. وبالتالي قيل ان الشركات اليابانية تلقي نظرة جديدة على خطط كانت قد رستها شركة متسوبيشي في أوائل التسعينيات حول البناء المحتمل لمجموعة من خطوط أنابيب النفط والغاز التي تربط وسط آسيا باليابان عبر الصين. وعلى نحو أكثر الحاحا, وبينما يقال بأن الشركات اليابانية تعمل على توسيع حصتها من السوق في أذربيجان وكذلك ايران, فإن المشروع التركماني يعتبر ذا أهمية خاصة بالنسبة لطوكيو, حيث انه يتزامن ايضا مع علاقات اليابان التجارية مع باكستان. وهكذا, وكما يمكن ملاحظته في الأسابيع الأخيرة, لم تكتف اليابان برؤية ان من المناسب محاولة وضع التفاصيل الفنية لهذا المشروع, وإنما لم تتردد في معالجة القضايا السياسية الأكثر تعقيدا فيه. وهذا يشكل في الواقع تحولا نوعيا كبيرا للدبلوماسية اليابانية في المنطقة. وفي موازاة المحادثات مع التركمان والباكستانيين حول المشروع, بادرت طوكيو ايضا في وقت سابق من هذا الشهر الى توجيه دعوة لممثلين عن حركة طالبان وكذلك عن التحالف الافغاني الشمالي الى زيارة اليابان. وسرعان ما تلاشت الآمال بقدرة اليابان على التوسط لعقد اتفاق ما بين الطرفين. فالطرفان ارسلا ممثلين عنهما الى طوكيو, لكنهم رفضوا الالتقاء وجها لوجه, وقبلوا فقط بلقاء اليابانيين. غير انه من المتوقع ان تحدث المزيد من المبادرات من هذا النوع. وقد لا تقود الى اتفاقية سلام, ولكنها قد تقود الى (اتفاقية الجنتلمان) بقبول الجماعتين المتناحرتين السماح للكونسورتيوم الدولي ببناء خط أنابيب الغاز عبر الأراضي الافغانية دون إعاقة.