المتابع للميزانية العامة للاتحاد على مدار السنوات الماضية, يجد أنها تشهد نموا ملحوظا ومتصاعدا في إجمالي اعتماداتها, التي تعبر بوضوح عن مدى التطور الكبير الذي حققته الدولة في مختلف المجالات وعلى جميع الأصعدة, باعتبار أن الموازنة هي المحرك الرئيس لمختلف الأنشطة والقطاعات الاقتصادية والاجتماعية, بما تشتمل عليه من أوجه الإنفاق المختلفة. وقد جاءت موازنة هذا العام لتعبر ـ بأرقامها وبنودها ـ عن ثبات السياسات والتوجهات الحكومية, وذلك فيما يخص الأولوية المطلقة المعطاة للجانب الاجتماعي والتنموي, والابتعاد عن كل ما من شأنه التأثير سلبا على مستوى معيشة المواطنين. يكفي للدلالة على النمو الملحوظ والمتصاعد والتطور الكبير الذي شهدته موازنة الدولة خلال 29 عاما, المقارنة بين أول ميزانية عامة للدولة العام 1972 والتي بلغت اعتماداتها نحو 201 مليون درهم, وبين آخر ميزانية للسنة المالية الجارية 2000 والتي بلغ إجمالي اعتماداتها المقررة نحو 20 مليار و679 مليون درهم, وفقا لما جاء في مشروع الميزانية الذي اعتمده مجلس الوزراء مؤخرا. أي أن هناك نموا في حجم الاعتمادات بالموازنة العامة للدولة بلغت نسبته أكثر من 1000% خلال 29 عاما, وبمعنى آخر فإنها قد تضاعفت أكثر من مئة مرة خلال تلك السنوات. وقد بلغت المصروفات الإجمالية المقدرة في المشروع نحو 23 مليارا و117 مليون درهم, بينما بلغت الإيرادات المقدرة نحو 20 مليارا و679 مليون درهم, وبعجز بلغت قيمته نحو 4 مليارات و238 مليون درهم, بانخفاض قدره 8.1% عن العجز الذي حققته ميزانية العام 1999 والذي بلغ نحو ملياري و482 مليون درهم. وفي الواقع يعكس مشروع الميزانية السياسة والتوجهات التي تتبعها الحكومة في البعد بالميزانية عما يحدث من تأثيرات في أسعار النفط, والدليل على ذلك أن السنوات الماضية وما شهدته من ارتفاع وانخفاض في أسعار النفط لم تلق بظلالها سلبا أو إيجابا على الموازنة, كما يحدث في بعض دول المنطقة والتي تتأثر بشكل ملحوظ نتيجة لذلك, وآخرها أزمة أسعار النفط التي حدثت في العام 1998 وأوائل العام ,1999 والتي أدت إلى إلجاء بعض دول المنطقة إلى الاقتراض أو الاتجاه إلى إصدار سندات خزانة حكومية لتمويل الميزانية والعجز الكبير الذي لحق بموازناتها, في حين أن الإمارات كانت الأقل تأثرا وتضررا مما حدث خلال تلك الأزمة المعروفة. وهذا النجاح الكبير الذي حققته الحكومة في هذا المضمار يعود بالدرجة الأولى إلى عدم وضع أسعار النفط في الحسبان عند تقدير الاعتمادات الخاصة بموارد الميزانية, بمعنى إذا ارتفعت أو انخفضت الأسعار فإنها لا تؤثر على هذه الاعتمادات, مما يتسبب في حدوث عجز كبير, ولكن لم يحدث ذلك. بل كانت هناك زيادة في جانب المصروفات شكلت أعباء على الموازنة والمتمثلة في توفير درجات وظيفية جديدة للخريجين والترقيات, وميزانية برنامج زايد للإسكان, ومع ذلك لم يرتفع العجز وظل في الحدود المتعارف عليها. وكذلك كانت الحال عندما وصلت أسعار النفط إلى أعلى مستوياتها منذ 10 سنوات, فإن ذلك كان من الممكن أن يؤدي إلى فائض كبير في الموازنة لتتخلص بالتالي من عجزها, ولكن واضعو السياسة المالية للدولة رأوا الابتعاد تماما عن اعتماد الميزانية على أسعار النفط, حيث ظلت تعتمد على موردين رئيسين لتمويلها: الأول إسهامات الإمارات المختلفة وهي تكاد تكون ثابتة وبلغت في موازنة 2000 نحو 13 مليارا و689 مليون درهم, والموارد الذاتية للحكومة والتي بلغت 99.6 مليارات درهم, وبزيادة بلغت 11% عما كانت عليه العام ,1999 حيث بلغت نحو 74.6 مليارات درهم. وعلى ضوء هذه الموارد فإنه يتم تحديد ملامح وطبيعة الإنفاق والمصروفات في الميزانية, طبقا للأبواب المختلفة والتحكم في عمليات الصرف. وعلى هذا فإن الإمارات تكاد تكون الدولة الوحيدة بين دول المنطقة التي لا ترتبط موازنتها بأسعار النفط, ويرجع هذا إلى ما اتبعته من سياسة لتنويع مصادر الدخل, شكلت بدورها المصدر الرئيس التي اعتمدت عليه إسهامات الحكومات المحلية, وإن كان هذا بالطبع اعتمد في الأساس على توظيف عائدات النفط واستثمارها في مشروعات حققت بدورها هذا التنوع الملحوظ في مصادر الدخل الوطني. ويؤكد الدكتور محمد خلفان بن خرباش, وزير الدولة للشؤون المالية والصناعة, هذا الأمر قائلا إن موارد الميزانية العامة للاتحاد لم تعتمد في تقديرها على ربطها بسعر معين لبرميل النفط, وإنما تعتمد بشكل رئيس على إسهامات الحكومات المحلية والإيرادات الذاتية للحكومة الاتحادية. ويتابع أنه إذا كان الحديث عن عجز الميزانية تزداد وتيرته في المجالس المختلفة وفي الأوساط المالية والاقتصادية مع اقتراب موعد إقرارها من مجلس الوزراء, وتتزايد معه الدعوات بضرورة إيجاد حل لتقليص أو تخفيض هذا العجز إلى أدنى المعدلات, إلا أن هذا العجز ليس بالعجز الذي يثير القلق, بل إنه ظل عجزا تحت السيطرة تماما, وتتم معالجته بما لا يؤثر على الميزانية أو يلقي بأعباء كبيرة على كاهل الحكومة, بعيدا تماما عن الحلول التي يطرحها البعض بين الحين والآخر ومنذ سنوات طويلة, والتي تدعو إلى ضرورة فرض ضرائب وزيادة الرسوم, وغيرها من أشكال الإيرادات الأخرى التي لم تستجب لها الحكومة لأنها خارج دائرة تفكيرها. ومن هنا جاءت الميزانيات السابقة ومشروع ميزانية 2000 من دون أن تتضمن أية زيادة في الرسوم أو أعباء مالية إضافية, من شأنها أن ترهق كاهل المواطنين والمقيمين على أرض الدولة. ويؤكد الدكتور خرباش في حديثه عن معالجة العجز أن ذلك يتم من خلال الإدارة الكفؤة للموارد وليس ضخامة الإيرادات, حيث يمكن بالإدارة النشطة لهذه الموارد أن نصل إلى استخدامها بشكل أفضل ومن خلال برمجة الإنفاق بالاتفاق مع الوزارات المعنية, الأمر الذي انعكس على ظهور مشروع ميزانية 2000 بعجز أقل من المتوقع وحجم إنفاق نتطلع أن يكون ملبيا لجميع برامج الوزارات, حيث تم تمويل الجزء الأكبر من عجز ميزانية 1999 والذي بلغ نحو ملياري و482 مليون درهم, ولم يتبق من الديون المستحقة على الميزانية الاتحادية المرحلة من العام 1999 إلى ميزانية العام 2000 سوى 440 مليون درهم, أي أنه قد تم تمويل الجانب الأكبر من هذا العجز. وتتمثل الديون المستحقة في 28 مليون درهم أمانات مستحقة ومستندات مرحلة, و26 مليون درهم أمانات موردين ومقاولين, و9.121 مليون درهم تأمينات مستحقة للمقاولين, و8.127 مليون درهم أمانات واشتراكات بالمنظمات الدولية, أي أنها تمثل ديونا شكلية وليست حقيقية, وبمعنى أنها لابد أن تبقى هكذا مادامت لاتزال هناك عقود وارتباطات بين القطاع الخاص والحكومة لتنفيذ المشروعات والأعمال الحكومية. ويمكن أن تشهد الموازنة الحالية مزيدا من تخفيض أو تمويل العجز نتيجة الحرص من جانب الحكومة على التعامل بكفاءة أكبر مع الموارد, إضافة إلى التوجهات الحالية بتطبيق معايير الجودة الشاملة في أعمال وأنشطة مؤسساتنا الاتحادية كافة, والتي سيكون من أهم نتائجها تخفيض كبير ملحوظ في حجم الإنفاق الموجه إلى مشروعاتها وترشيد هذا الإنفاق, مع تحقيق زيادة ملموسة في الإيرادات الذاتية للحكومة, وهذا ما حرصت وتحرص عليه دائما المؤسسات الاتحادية, وقد انعكس هذا على زيادة الإيرادات الذاتية في ميزانية 2000 بنسبة 11%. وعلى الرغم من نسبة العجز إلا أن المتابع للميزانية يلاحظ اعتمادها على مبادئ أساسية لا تحيد عنها الحكومة مطلقا, مهما كانت التأثيرات الداخلية والخارجية التي من شأنها أن تؤثر على مواردها, ألا وهي مراعاة البعد الاجتماعي والتنموي في الميزانية, ويعكس هذا بوضوح حجم الإنفاق على هذه الجوانب والذي يشهد تزايدا مستمرا بغض النظر عما إذا كان هناك عجز أم لا أو الفجوة بين الإيرادات والمصروفات. وهو ما جرت عليه العادة في الموازنات السابقة ويتم التأكيد عليه في ميزانية ,2000 حيث نجد أن موازنة قطاع التعليم بلغت نحو 5 مليارات و260 مليون درهم للعام ,2000 مقابل 4 مليارات و826 مليون درهم للعام ,1999 وبزيادة بلغت نحو 438 مليون درهم وبنسبة 1.9%. وتشكل موازنة قطاع التعليم ما نسبته 23% من إجمالي حجم الميزانية العامة, ويؤكد هذا الحرص من جانب الحكومة على الاهتمام بالموارد البشرية, بما يصب في النهاية في عملية التنمية بمختلف جوانبها الاجتماعية والاقتصادية. وهناك كذلك اهتمام بجانب الإسكان وبما لا يؤثر على تنفيذ برامجه, وأن يتم ذلك بصورة منتظمة حيث بلغت الاعتمادات المدرجة له نحو 1.779 مليون درهم, منها 640 مليون درهم لبرنامج الشيخ زايد للإسكان, و1.139 مليون درهم لاستكمال إنشاء المساكن الشعبية التي تم البدء في تنفيذها خلال العام 1998 ـ 1999. وفي هذا الإطار أيضا تمت زيادة الاعتمادات المدرجة للمشروعات الاستثمارية إلى مليار و9.424 مليون درهم, غير شاملة الاعتمادات الخاصة لبرنامج الشيخ زايد للإسكان. وبالتالي يكون إجمالي الاعتمادات المدرجة للمشروعات الاستثمارية نحو ملياري و9.64 مليون درهم, وتصب هذه المشروعات بدورها في تحقيق الجانب التنموي والمستهدف من قبل الحكومة, حيث إنه يتضمن إنشاء المدارس والمستشفيات وتجهيزها, وكذلك مشروعات المرافق والبنى التحتية والطرق وغيرها. ويحظى الجانب الصحي كذلك بأولوية قصوى لدى الحكومة, وكذلك فقد تمت زيادة اعتمادات هذا القطاع إلى مليار و613 مليون درهم لتنفيذ المشروعات الصحية, وبزيادة بلغت نحو 120 مليون درهم عن موازنة العام 1999. في الوقت الذي بلغت فيه زيادة موارد وزارة الصحة نحو 5 ملايين درهم فقط, أي أن الإنفاق على تلبية احتياجات هذا القطاع لا يأخذ في الاعتبار ما يحققه من موارد باعتباره أحد القطاعات الخدمية المرتبطة بصحة وحياة الإنسان, مواطنا ومقيما على حد سواء. وهناك كذلك أولوية مطلقة واستراتيجية للجانب الأمني والدفاعي, ولذلك فقد بلغت الاعتمادات المدرجة لوزارة الدفاع والقوات المسلحة نحو 6 مليارات و27 مليون درهم. إن الميزانية العامة للاتحاد بهذا الشكل عبرت تماما عن الأولويات التي حددتها الحكومة عند وضع مشروعها, والتي لخصها الدكتور خرباش في أنها تنطلق من تنفيذ توجيهات صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة, وأخيه صاحب السمو الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي, بضرورة الاحتفاظ بمستوى لائق ومميز من الخدمات المقدمة للمواطنين والمقيمين على أرض الدولة وتطويرها باستمرار, باعتبارها أولوية مطلقة في مسيرة التنمية الاقتصادية والاجتماعية بالدولة, مع المحافظة على التوازن المالي للحكومة الاتحادية من خلال الاستمرار في السداد المنتظم لجميع التزامات الحكومة تجاه فعاليات القطاع الخاص ومؤسساته, وكذلك الانتهاء من تمويل العجز المتراكم لدى الجهات المستقلة. ويمكن القول إن أهم ما تميزت به الميزانية أنها جاءت على النحو الذي وعدت به وزارة المالية والصناعة, من حيث الوفاء بالالتزام في سداد مستحقات جميع الموردين والمؤسسات, والذي تحقق على نحو كبير وبما لا يعرقل عمل المؤسسات الخاصة, ما كان يمثل أحد أهم المشكلات المزمنة في السنوات السابقة, وخاصة في ما يتعلق بالدفعات المستحقة للمقاولين. وأخيرا فإن مشروع الميزانية الجديدة يؤكد بما لا يدع مجالا للشك الحرص الشديد من جانب الحكومة على استكمال إنشاء وتفعيل دور الهيئات الجديدة لتقديم الخدمات للمواطنين التي استحدثت مؤخرا, والتي عددها الدكتور محمد خلفان بن خرباش في: برنامج زايد للإسكان, هيئة المعاشات والتأمينات الاجتماعية, جامعة زايد, المصرف العقاري, مؤسسة الإمارات العقارية, الهيئة العامة للشباب والرياضة, الهيئة الاتحادية للكهرباء والماء, هيئة تنمية وتوظيف الموارد البشرية الوطنية, إضافة إلى الاهتمام بدعم قطاع العدل والهيئة القضائية بالدولة, من أجل تسهيل إجراءات التقاضي أمام المحاكم والإسراع بها.