ليست نظريات الاقتصاد والادارة والتسويق وغيرها من النظريات المشابهة الا العوامل التي تحدد الاطار العام بصناعة القرار في اي مؤسسة لكن السياسة العامة لهذه المؤسسة هي التي تحدد في نهاية المطاف من الذي يستفيد داخل المؤسسة وبما يستفيد، ومتي وكيف تكون هذه الاستفادة ومن هنا فإن السياسة تنفرد من بين كل العوامل التي تتحكم في عملية صنع القرار بالكلمة الاخيرة ولذلك تحتاج صناعة القرار إلى تقدير ممتاز لطبيعة السياسة المتصلة بالموضوع المعين ووضع الخطط وتقدير السلوكيات السياسية. وتدور السياسة بمعناها العام والمؤسس المقصود هنا حول العديد من المضامين وتركز عليها مثل المصلحة الشخصية والتباين في الآراء واللامساواة وعدم الانصاف والقلة والمحدودية. والسياسة بهذا المعنى الضيق تدل في جوهرها على الاختلاف فإذا حدث ان اتفق جميع العاملين في المؤسسة على كل الموضوعات المطروحة في كل الاوقات فلن يكون هناك اي نشاط يمكن ان يوصف بانه سياسي وبطبيعة الحال يمكن لاي موضوع في المؤسسة او الشركة ان يكون محور خلاف سواء كان قضية استراتيجية بالنسبة للمؤسسة مثل شراء جزء من شركة اخرى او عدم شرائه ام كان امراً عملياً مثل مراقبة استخدام القرطاسية او توزيع الحوافز على الموظفين في المؤسسة المعنية. ويأتي عدم الاتفاق الذي يمثل احد الاركان المهمة للسياسة المؤسسية من التباين بشكل عام. ففي المؤسسات التجارية وغير التجارية على السواء يسعي الجميع إلى تحقيق اهداف متباينة ومختلفة بطبيعتها وتنتج الادارات المختلفة منتجات متباينة وقد يكون لها نظام خاص بتحديد معايير الجودة ومستويات العاملين فيها. والتباين يأتي دائماً مرادفاً لعدم المساواة ففي المؤسسات والمنظمات ينبغي ان يكون هناك عدم مساواة في الاجور والمراكز الوظيفية ومستويات القدرة على انجاز المهام بالكفاءة المطلوبة وما إلى ذلك من الانماط المشابهة. ويقود عدم المساواة هذا إلى وجود حالات من عدم الانصاف التي غالباً ما تعكس احساساً بالدونية لدى بعض الموظفين وشعوراً بالانكار لحقهم في المعاملة بالمثل وايضاً ـ وهذا هو الاهم ـ في الوصول إلى السلطة بالمعنى المؤسسي فقد تشعر مجموعة من الموظفين بان المدير لا يثق فيهم بالقدر الذي يستحقونه وبالتالي يشعرون بأنه يقلل من قيمتهم ويرتبط عدم المساواة بالقلة والمحدودية ومن الامثلة على هذا قلة عدد مواقف السيارات في المؤسسات وقلة فرص الترقي فهناك دائماً من يحصل على الاكثر والافضل دون جميع الموظفين الآخرين وحتى المسائل المعنوية مثل الدعم المعنوي والمديح والاهتمام فهي تنتمي كلها إلى عالم السياسة المؤسسية لانها تتسم ايضاً بالمحدودية وعدم المساواة. ويعتبر الجدل واحداً من العناصر المهمة في السياسة لان المصلحة الشخصية تعد من المضامين المهمة في استيعاب النشاط السياسي. والمصلحة الشخصية هي ذلك الشيء الذي يشد اهتمام الافراد والجماعات فمثلاً يرغب بعض العاملين بالمؤسسة في العمل خلال الفترة المسائية بينما يفضل غيرهم العمل خلال الفترة الصباحية وتريد المجموعة الاولى العمل لست ساعات فقط بينما تريد المجموعة الثانية العمل لثماني ساعات ويتولد الجدل من مصلحة كل شخص او مجموعة من وراء القرار وقد تتمتع بعض المسائل البسيطة باهمية كبرى تجعل منها محوراً للنزاع والجدل. وفي كثير من الاحوال لا يشكل توزيع او تحديد مهام كل موظف داخل المؤسسة اية مشكلة حقيقية ولكن تبقى القضية الرئىسية هي تحديد مستويات المسئولية وهنا تظهر قلة المعرفة كدافع اساسي في الاختلافات والنزاعات. والسياسة بالمعنى المؤسسي الذي نحن بصدده هنا هي التي توضح للمؤسسة المعنية المشكلة التي يجب عليها مواجهتها وتلك التي يمكن تجاهلها وذلك لان اسباب الخلافات بصورة عامة ترجع إلى ان الاشخاص يهتمون ويتخوفون لامور مختلفة وليس في استطاعة احد على الاطلاق معرفة المخاطر التي تكمن وراء اي موضوع مطروح. ولكن ما الذي تسعى المصلحة الشخصية إلى تحقيقه؟ ان المؤسسات تتعامل مع اعداد هائلة من المصالح منها المصالح المكشوفة والاخرى الخفية وتتضارب هذه المصالح فيما بينها ولكن الهدف الاساسي للمصلحة يبقى السعي لاحداث تغيير بعينه او منع حدوث هذا التغيير. ولكن عملية صنع القرار تتضمن بالضرورة عملية احداث تغيير فإن مجموعات اصحاب المصالح تصبح اما رابحة او خاسرة. ونظراً لأن البشر عامة يفضلون الربح على الخسارة فمن الطبيعي ان يصبح التدخل في التأثير على صناعة القرار امراً شبه مشروع. وغالباً ما تفصح المؤسسات والمنشآت عن مصالحها إلى درجة معينة لجهات اخرى من خلال قنوات رسمية مثل اجتماعات مجالس الادارة ولجان متابعة الجودة والاستشارات الثنائىة وغيرها من اجل تحقيق اهدافها. ولكن وعلى النطاق الاوسع فإننا نجد ان ذوي المصالح يستخدمون كل ما لديهم من سلطات لتحقيق اهدافهم ولهذا ينبغي ان يحاول صانعو القرار فهم هذه السلطات وتوزيعها. ويصعب تعريف مفهوم السلطة المؤسسية بشكل دقيق ومتكامل الا انه يمكن تعريفها بأنها القدرة على ادارة الآخرين في اطار العمل المؤسسي. وللسلطة هيكلان داخل المؤسسات احدهما رسمي والآخر غير رسمي. وتتصل السلطة الرسمية بلوائح الصلاحيات والمسئوليات داخل المؤسسة حسب ما تحدده هياكل الصلاحيات وقواعد العمل بينما تتعلق السلطة غير الرسمية في المؤسسة بقدرة الجماعات والافراد على ممارسة نفوذهم اما لنوعية شخصياتهم او لاطلاعهم على المعلومات او لقدراتهم القيادية ومقدرتهم على تحقيق عناصر الثواب والعقاب. ويحدد الهيكل الوظيفي انواع السلطة ومستوياتها داخل الموسسة ولكن يمكن في الواقع لاي موظف في المؤسسة اكتساب السلطة بصرف النظر عن درجته الوظيفية ولا يلزم ان يكون ذوو المناصب اصحاب السلطة اقوياء دائماً. وعادة ما تمنح المؤسسات حتى ذات اللوائح الصارمة منها موظفيها مجالا محدداً لحرية التصرف وتهييء هذه الفرص تنمية السلطات غير الرسمية وذلك من خلال امور بسيطة مثل الوقت والخبرات والمعارف المتخصصة واحيانا بعض المواهب مثل موهبة التحدث بطلاقة. ويمكن لاحد الموظفين ممن يهتمون بمشروع جديد وينفذون بعض جوانبه ان يحقق درجة من السيطرة وبالتالي يكتسب قدراً من السلطة وايضاً يمكن تحقيق اذعان اي موظف من خلال منحه مكافأة رمزية او انزال العقاب به من خلال رفض طلباته او استهجان مواقفه. وعادة ما ينجح بعض الموظفين في استغلال الفرص التي تتاح لهم لتعزيز سلطاتهم ويمكن التدليل على هذا النوع من الموظفين بسرد امثلة عدة الا اننا نكتفي بنجاح ذلك الموظف في درجة وظيفية متدنية في فرض رأيه عند اختيار جهاز الكمبيوتر الذي تحتاج اليه المؤسسة لانها تحمل مشاق دراسة مختلف الانظمة ومعرفتها الامر الذي جعل الآخرين يعتمدون على آرائه ونصائحه فاستغل معرفته هذه في التأثير علي القرار وبالطبع فليس ذلك لمصلحة المؤسسة بل لمصلحته الشخصية. وعلى الرغم من ان امتلاك مصادر السلطة يعد من الامور المهمة الا ان كيفية استخدامها تظل هي العنصر الاهم. وهناك مديرون بدرجات وظيفية عالية يفتقرون إلى الرغبة واحيانا إلى القدرة على استخدام سلطاتهم الامر الذي يتيح للآخرين فرصة توسيع نطاق سلطاتهم وذلك بملء الفراغ الناجم عن مقدرة من ينبغي ان يكون صانعاً للقرار. ولكن ذلك يتم بصورة غير رسمية مثل مساعد المدير باحدى المؤسسات التجارية الرائدة الذي لا يملك صلاحيات اصدار توجيهات ولكنه يعمد إلى توسيع نطاق صلاحياته لينظر الناس اليه على انه الشخص المؤثر. ان السلطات الرسمية وغير الرسمية ما هي الا وسائل لتحقيق اهداف محددة ويجب اعدادها لكي تنجز هذه الاهداف. وتنتهج المصالح الشخصية ثلاث طرق للتأثير في عملية صنع القرار ولا يتأتي هذا الا بالسيطرة على: ـ الاسباب التي تستوجب اتخاذ القرار. ـ الخيارات والبدائل الاخرى. ـ المعلومات الخاصة بالبدائل. وتعني السيطرة على الاسباب التي تستوجب اتخاذ القرار تحديد الاهداف المنشودة والاتجاه العام للنقاش سعيا وراء رسم ملامح واضحة للنتيحة. وتكتسب هذه المصالح درجة من الشرعية من خلال قدرتها على تحديد الاهداف مثل اصرار مشرف القسم الفني في مؤسسة ما على ان كل القرارات التي تتخذ يجب ان تكون لمصلحة القسم ويضيف بانه لا يستطيع استيعاب كيفية تقسيم العمل في المؤسسة الصحفية فهو في واقع الامر يقول ضمناً انه لا يجب مجرد فكرة تقسيم العمل ويستغل احتياج المؤسسة للقسم الفني لتطبيق ما يراه بالقوة. ولذلك يعتبر تحديد المشكلة هو محور النشاط السياسي حيث تتصارع المصالح لاستغلال الغموض والشكوك التي تحيط بعمل معين بحيث تتمكن من تحقيق مآربها من خلال فرض قرارات خاصة. وكثيراً ما نسمع عبارات مثل (لدينا خياران فقط) او (ليست هناك بدائل) ومثل هذه العبارات غالباً ما تكون سياسية في طبيعتها وتستهدف حصر النقاش في اختيارات تتماشي مع مصالح مجموعة ما او شخص بعينه وهذا الامر يفسر الاهتمام بتحديد البدائل لان الناس بمجرد معرفتهم ان الاختيارات البديلة المطروحة محدودة فإنهم قلما يعارضون ما يطرح عليهم. وتعتبر المعلومات عاملاً مهما في عالم صناعة القرار نظراً لاعتماد تقويم الاختيارات على المعلومات المتاحة. ويمكن للمصالح ان تحقق اهدافها بالسيطرة على المعلومات الخاصة بالبدائل فمثلاً في احدى المقابلات الخاصة باختيار موظفين جدد يفضل المدير العام متقدماً محدداً دون الاشارة إلى المرشح البديل ومثل هذه المعلومة يمكن ان تكون حاسمة لانه ليس هناك مجال واسع للاختيار بين المرشحين ولن تظهر اية دلائل على وجود بديل آخر الا بعد تعيين المتقدم الذي حدده المسئول.