خلافات كبيرة ومستمرة حول نتائج دخول اقتصاد السوق رغم التغيير الحكومي الأخير والحديث المتزايد عن اصلاحات وشيكة في الاقتصاد السوري, الا ان الاصوات ارتفعت مجددا في سوريا مطالبة بالاصلاح الاقتصادي العاجل في جو متشائم من امكانية حدوث مثل هذا الاصلاح في ظل الظروف الراهنة, ولكن هذه الاصوات اختلفت فيما بينها حول نوعية هذا الاصلاح والطرق والاجراءات التي يتوجب اتخاذها, لاسيما مدى فائدة الدخول في اقتصاد السوق من عدمه. الدكتور نبيل سكر الاقتصادي الرئيس السابق في البنك الدولي في واشنطن يرى انه لايمكن ان يتم الاصلاح الاقتصادي بنجاح ما لم يتم لجم الفساد وتتكافأ الفرص وتتوفر الشفافية, وبدون ذلك سيتم هدر المال الذي يحتاجه المجتمع واتخاذ قرارات اقتصادية تخدم اصحاب النفوذ وتزداد الفروقات بين الطبقات وستخرج الاموال المحصلة نتيجة الفساد إلى خارج البلاد, لذلك يجب ان يضع الاصلاح الاقتصادي القضاء على الفساد بمختلف اشكاله وعلى كافة المستويات هدفا من أهدافه ويجب التذكير بنفس الوقت ان الانفتاح الاقتصادي نفسه يخلق فرصا للفساد لانه يفتح المجال للتحالفات, ولعل من اصعب تحديات الانتقال من الاقتصاد الموجه الي نظام السوق كما اثبتت التجارب هو منع اصحاب النفوذ واصحاب المال من الاستفادة من الثغرات اثناء عملية التحرر الاقتصادي, ولنا في التجربة الروسية والاندونيسية دروسا. وقال ان برنامج الاصلاح الاقتصادي كما برامج التنمية الشاملة يحتاج لمشاركة المجتمع المدني في كل من الاعداد والتنفيذ, حتى يتم قبوله وان برنامج الاصلاح الاقتصادي يحتاج متى يبدأ تنفيذه الى مجتمع مدني فاعل ليراقب ويحاسب ويشير الى الخطأ والى الفساد فورا في حال حدوثه لا ان يغطي الخطأ والفساد او يعالج خلف الاسوار وضمن اللجان حتى يستطيع برنامج الاصلاح تجاوز عثراته المحتملة والتي لابد منها بالسرعة القصوى. واضاف الدكتور سكر ان الاقتصاد السوري يعاني اليوم من مشاكل عديدة لعل اهمها النمو غير المستدام للاقتصاد المعتمد اعتمادا كبيرا على المساعدات الخارجية واموال النفط, معدلات نمو سكانية مالية, بطالة عالية وتزايد في الفقر, وجود قطاع عام قائم ضمن هرم اقتصادي مرهق عنيف من الحركة, تدني معدلات الاستثمار وتدني في انتاجية الاستثمار قدرة تصديرية ضعيفة خارج قطاع النفط, نظام خدمة متدنية يتصف بالمركزية الشديدة والبيروقراطية المغرقة, تفشي الفساد, وهجرة العقول السورية وعدم عودة الخبرات.. وغيرها. وحسب اعتقاده فالاصلاح الاقتصادي يبدأ من تصورين اساسيين هما: ـ تصور لمستقبل سوريا الاقتصادي في ظل التحديات الداخلية والخارجية وترجمته في خطة شاملة طويلة الاجل للتنمية الاقتصادية والاجتماعية. ـ تصور للنظام الاقتصادي السوري المستقبلي وتحديد دور كل من القطاع الخاص والعام ودور التخطيط ونظام السوق في توزيع الموارد فيه. اما الدكتور منير الحمش الباحث الاقتصادي المعروف فقال انه ليس هناك وصفة جاهزة للاصلاح الاقتصادي والاداري, ولكل دولة خصوصياتها وظروفها, ولابد ان تنبثق سياسات الاصلاح من تلك الخصوصية والظروف واضافة الى ذلك يجب ان تحقق سياسة الاصلاح الاقتصادي طموحات المجتمع والتي تتمحور في سوريا كما يقول حول احداث تنمية اقتصادية واجتماعية حقيقية والقضاء على مظاهر التخلف. واضاف ان سياسة تحرير التجارة والاصلاح الاقتصادي التي اتبعت منذ منتصف الثمانينات في سوريا اتسمت بعدم الشفافية وعد الوضوح والانتقائية وقد تم تطبيقها تحت شعارات النظام خاصة التعددية الاقتصادية, في حين انها جاءت دون خطة واضحة ومعلنة, بل ان ما كان يعلن هو عكس الممارسات اليومية للادارة الاقتصادية. وفي الوقت الذي جمدت فيه الآليات الرسمية والمؤسسات الشرعية, خلقت آليات جديدة للقرار الاقتصادي فعلى سبيل المثال جمدت آليات التخطيط بما في ذلك التخطيط كمؤسسة, والنتيجة ان مزايا الانفتاح التي يعلن عنها والتي جاءت تلبية لمطالب بعض الجهات, لم تكن حصيلتها لصالح مجموع الشعب وانما جاءت لتلبية مصالح بعض الوسطاء والتجار والطبقة الجديدة والتي قامت بالتحالف ما بين بعض فئات من البيروقراطية والمتنفذين والوسطاء. وقال رياض سيف عضو مجلس الشعب السوري انه يأمل مع بداية عهد حكومي جديد بنهج جديد ايضا في الاقتصاد السوري, ورغم حديث كل الاطراف عن الحاجة الى اصلاح اقتصادي, لكن لا نزال نسمع (مكابرات) ونعجز عن مواجهة الحقيقة بشكل واضح ونعترف ان ما وصلنا اليه كان نتيجة اخطاء ارتكبناها ومع ذلك لا تزال نستمر بها ونعلق اخطاءنا على العدو الخارجي. وطالب سيف بتحليل الامكانيات الاقتصادية الموجودة وتحليل المشاكل التي تعود الى العوامل الخارجية وتلك التي تعود الى العوامل الداخلية البحتة, مؤكداً ان النسبة العظمى منها تعود الى اخطاء ارتكبناها بأيدينا) . واشار الي ان البرامج الاصلاحية لا توضع في المكاتب وتطبق دون مشاركة اصحاب العلاقة (الشعب) وتوفير فريق العمل المناسب دون انتماءات حزبية واستخدام الوسائل العلمية لذلك. من جهته دافع الدكتور شبلي ابو قحر معاون وزير الاقتصاد السوري عن الاجراءات والسياسات التي اتخذتها حكومته في منتصف الثمانينات, وهي الاجراءات التي لاقت انتقادات شديدة, قال ان هذه الاجراءات ساعدت على توفير المواد الاولية في الاسواق وتوفير المواد الغذائية ومستلزمات الانتاج الزراعي مما اتاح المجال للتجار الاستمرار في البناء, وفيما يتعلق بالتصدير اوضح انه في عام 1987 لم تتجاوز صادرات القطاع الخاص 25 مليون دولار بينما بلغت في عام 1998 ما يزيد على مليار دولار نتيجة سياسات الحكومة التي شجعت التصدير رغم انه لا ينفي وجود ظاهرة (التصدير الوهمي) للافادة من حصيلة القطع الاجنبي, لكن في النهاية هي اجراءات اقتصادية احدثت تأثيرات ايجابية كما يعتقد. الا ان البارز حديثا هو الخلافات حول مستقبل القطاع العام في سوريا ودور القطاع الخاص, ففي حين يرى البعض ان الضرورة تقضي تجميد العام واطلاق حرية العمل الخاص, يؤكد اخرون اهمية تدخل الدولة واتباع سياسة تنموية تنطلق من الاعتماد على الذات والتنمية المتوازنة والمستقلة والتوجه نحو اشباع حاجات الافراد والارتقاء بمستوى المعيشة وبناء اقتصاد قوى قادر على التعامل مع التحديات الخارجية عن طريق تكتل اقليمي عربي.