لا يخفى على احد ان القوة الاقتصادية هي المحرك للعديد من العوامل التي تؤدي إلى استقرار الدول كما للاقتصاد من دور حيوي في كافة جوانب الحياة. ونظراً لما اتخذته ليبيا من خطوة كبيرة نحو التوجه لافريقيا للاستفادة والافادة, فإن الامر اصبح خياراً استراتيجياً وواقعاً معاشاً يجب التفكير فيه جيداً واستغلاله من جميع جوانبه لتحقيق الهدف المنشود من وراء هذا الخيار دون تردد او تسويف. كما ينبغي على الجانب الليبي الا يفوته التحرك لمواجهة المتنافسين على حلبة افريقيا من داخل القارة وخارجها وحتماً ستبدأ معركة التنافس على مناطق النفوذ الاقتصادي والسياسي في آن واحد. فافريقيا غنية جداً بمواردها الهائلة على جميع الاصعدة وتقع تحت خط الفقر لجهل وتخلف شعوبها التي لا تقدر ما تملكه وبنظرة ثاقبة وسريعة على ما حصل خلال منتصف هذا القرن نري بروز شركات كبرى وعلى رأسها مجموعة الشقيقات السبع العالمية الكبرى من الهيمنة والسيطرة على النفط العالمي واحتكار اكتشافه وتسويقه فشهدت فترة الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي نمو كبيراً في الدول الغربية وصلت نسبته 9% سنوياً. وبدأ المجتمع العربي بصفة عامة اقامة الطرق ومد الجسور وحمى التنافس على النفط ذروته واصبحت شركات النفط بمثابة دولة داخل دولة ومع مرور الوقت كبرت هذه الشركات وزاد حجم ايرادها وبرزت منها عدة شركات ضخمة في مجالات كثيرة من اجل مد اخطبوط نفوذها على اكبر قدر ممكن من مساحة الكون, وبالتالي اصبحت قادرة على التأثير في اتخاذ القرار السياسي في كثير من دول العالم المتخلف اقتصادياً وسياسياً. وبالنظر إلى الاقتصاد الليبي نجد انه بالرغم من موارده النفطية الا انه يعد ضعيفاً لم يصل إلى الهدف المراد وهو تقليص فجوة البطالة وتوفير فرص العمل للباحثين, وهذا يأتي باستخدام احدث وسائل العلم والتقنية. وذلك من اجل استغلال اقصى لكافة الموارد المتاحة وفتح مجالات اوسع امام المستثمرين والباحثين عن عمل ودفع عجلة التنمية بقوة وسرعة. فالمشاهدات تدل على ان سياسات الاصلاح الاقتصادي لم تحقق زيادة في الادخار الوطني والاستثمار, كما ان نسبة الصادرات غير النفطية والاستثمارات الخارجية تعد ضعيفة جداً بالرغم من امتلاك ليبيا لموارد متاحة غير محدودة براً وبحراً. لكن لم تسفر هذه السياسات عن توفير فرص العمل حتى تتماشى مع النمو السنوي في العمالة الباحثة عن عمل.. وباستمرار هذه السياسات فسوف تواجه في المستقبل تفاقماً اقتصادياً واجتماعياً. وهناك بعض التصورات التي تهدف إلى زيادة مستوى مساهمة الثروة الشبابية ـ البشرية في الاداء الاقتصادي لمواجهة الخلل في الاسواق. اولاً: اجراء مراجعة شاملة وجريئة وصريحة لكافة السياسات الاقتصادية التي اتبعت في الماضي ومازالت تتبع واحداث تفعيل وتغير في الهكيلة الاقتصادية وذلك من اجل رفع مستوى الاستثمار المحلي والاجنبي المباشر وزيادة الادخار المحلي ووضع سياسات مصاحبة تهدف إلى توجيه الاستثمار إلى قطاعات معينة لتوليد فرص عمل بصفة مستمرة. ثانيا: ضرورة اعداد تصورات للتنمية تعالج الخلل في سوق العمل بالشكل الذي يحدث نمواً حقيقياً ولا يتأثر بتقلبات السوق واسعار النفط العالمية وهو ايجاد المناطق الحرة على شواطيء ليبيا (مصراتة ـ درنة ـ بنغازي ـ طرابلس) وذلك لايجاد مصدر آخر للدخل غير النفط. ثالثا: يجب اعداد فرص عمل للاعداد المتوقعة ان تدخل لسوق العمل في المستقبل وهذا امر مرتبط بعدم التوسع في التشغيل الهامشي وعدم التوسع في فجوة البطالة المقنعة. رابعاً: اعادة تنظيم سوق العمل من خلال وضع ترتيبات تحمي العمالة الوطنية من المنافسة وتعطيها الاولوية مع وضع شروط على الشركات الاجنبية تحتم عليها تشغيل العمالة الوطنية ونقل المعرفة والتقنية وتدريب وتأهيل الكوادر الليبية. خامساً: العمل على تنمية ومشاركة القطاع الخاص, وفتح المجال امامه للمشاركة في المجال التجاري والصناعي وهذا لا يأتي الا بوجود البيئة التي تساعد على الاستثمار الصناعي والتجاري وهذا يتطلب استراتيجية تحدد ما لهذا القطاع من دور فعال. اضف إلى ذلك يجب ازالة التعقيبات الموجودة في بعض القوانين والقرارات التي ادت إلى زعزعة الثقة بين المستثمر الوطني وبين ما يجب ان يقدمه. كذلك المصارف في ليبيا لم تقم بالدور المطلوب منها بصورة صحيحة في عمليات التحويلات والتمويل فهذا ما يحتاجه القطاع الخاص في بعض الحالات, كذلك السياسات الضريبية التشجيعية غير موجودة بل مرتفعة جداً وهذا لا يؤدي إلي استقرار سوق العمل ولا إلى الابداع بل يقلص دور المستثمر الليبي. وهذا يعني ان ليبيا شأنها شأن بقية الدول العربية والافريقية مقبلة على مرحلة جديدة تتسم بالتفاعل مع الكتل الاقتصادية المختلفة وهذا يتطلب وضع استراتيجية تنموية طويلة الامد وباسرع وقت ممكن وذلك باستخدام افضل الوسائل الفنية والعلمية والتزود بكل المعلومات وهذا يأتي على رأس الخيارات الاستراتيجية الليبية للدخول لافريقيا اقتصادياً وسياسيا فهذا الخيار ليس بالسهل الوصول إلى الهدف المنشود من ورائه وهناك بعض التصورات ممكنة التطبيق لكي تنعش الاقتصاد الليبي. وبالنظر للظروف السياسية للقارة تتضح:ـ ـ ضرورة القيام بزيارات عملية للمواقع والاماكن والاستعانة بالخبراء من مياه وتربة واقتصاد وكافة العلوم المختلفة وهذا يتطلب ما يلي: ـ تكوين فريق عمل موحد تحت بند الاستثمار الافريقي او تحت مظلة شركات متخصصة في المسح والاستكشاف او شركة استثمارية. ـ القيام برصد مبالغ لتمويل هذه الشركات والذي يعد بمثابة دفعة للاستثمار الافريقي. ـ الاتصال داخل القارة ببعض القيادات السياسية والاقتصادية لتسهيل مهمهة هذه الشركات. ـ تدوين نتائج هذه الشركات او الغرف وتجميعها في منظومة متخصصة. ـ العمل على اقامة شركات ليببية افريقية تمتلك ليبيا الجزء الاكبر على اقل تقدير 51% وتكون المؤسسة العربية لضمان الاستثمار هي الضامن لتلك المشاريع وهذا سوف يخلق كيانا اقتصاديا قويا متمثلا في شركات ليبية افريقية عربية على غرار الشركات السبع الكبري مع اختلاف الفكر والمحتوى والجنسية. ـ اقامة شركة نقل كبرى تمتلك جميع وسائل النقل ابتداء من السيارات حتى الطائرات ويمكن ان تكون البداية من السودان للاستفادة من الثروات المتواجدة. ـ العمل على اقامة مؤسسات مالية فهذه المؤسسات هي رديف المؤسسات الاقتصادية كلاهما يؤثر ويتأثر بالآخر وهناك اقبال لاي توقعات سلبية فإن القطاع المصرفي عليه عمليات الرقابة لتوفير الضمانات الكافية لتلك المؤسسات ومن هنا لابد من اقامة المصارف الليبية ـ الافريقية بتوسع وذلك بفتح فروع لهذه المصارف في شتى الدول الافريقية. فبالرغم من التشابه الواضح في اقتصاديات الدول الافريقية وبالنظر إلى المصارف الاجنبية التي سبقت الدخول إلى القارة السمراء الا انه ينبغي الاسراع بفتح هذه المصارف لاتاحة الفرصة امام القطاع المصرفي لكي يتعاظم دوره في الحركة الاقتصادية. والقاعدة الرئيسية للمصرف الليبي ـ الافريقي هي بالتأكيد منطقة الدول الافريقية ففيها يوجد كم هائل من المصارف والمؤسسات ويوجد بها اكبر العملاء لهذه المصارف فهي تعد قاعدة هامة لان بها خبراء اقتصاديين وهذه هي التربة الخصبة لاقامة مثل هذا المصرف, بعد ذلك تكون ليبيا ـ قلب افريقيا هي المركز الاقليمي لهذه الصناعة وذلك لعدة عوامل سياسية واقتصادية وفكرية مع قدوم المشاركين الاساسيين الذين لهم مواقف ايجابية مع افريقيا. ولذا نجد ليبيا نفسها امام تحد كبير سواء داخل القارة او خارجها ولابد من رفع الكفاءة الاقتصادية واقامة مصارف استثمارية تساهم في تمويل المشاريع.