تكتسب قضية التنمية الاقتصادية أهمية كبيرة في هذه المرحلة, ليس على مستوى دول الخليج فحسب ولكن على المستوى العالمي, وذلك نتيجة لعوامل عديدة تحكمها مجموعة من المتغيرات والمستجدات التي طرأت في الاقتصاد العالمي من تكتلات ومنظمات وقوانين دولية تدفع بمجموعها إلى ضرورة تحصين الاقتصادات الداخلية للدول لتستطيع المواجهة والصمود في وجه الصعوبات. مجال حديثنا هنا هو واقع التنمية الاقتصادية في دول الخليج العربية, والتحديات الكبرى التي تعترض تحقيقها بالشكل الأمثل, تلك التحديات التي يجب البحث ـ بجدية ـ في طرائق تجاوزها, ذلك أن التنمية الاقتصادية هي بداية لتحقيق التنمية الشاملة. هل التنمية الاقتصادية مسألة متروكة لقوى السوق أم تستدعي تدخل الدولة؟ وهل تدخل الدولة يتعارض مع مبادئ الحرية الاقتصادية واقتصاد السوق الحرة؟ بل هل تدخل الدولة في توجيه الاقتصاد يتعارض مع المبادئ التي فرضتها وكيلة العولمة وقائدة مسيرتها: منظمة التجارة العالمية؟ وما هو المقصود أصلا بالتنمية الاقتصادية؟ وما الفرق بين التنمية الاقتصادية والنمو الاقتصادي؟ وهل التنمية الاقتصادية من الأولويات الاستراتيجية التي يجب على الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني دعمها, أم يجب عليها الالتفات أولا للتنمية البشرية أو التنمية الاجتماعية أو (التنمية السياسية) إن جاز التعبير؟ وهل هناك تعارض ما بين هذه الأولويات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية؟ وما هي عقبات التنمية وعوامل التنمية؟ وكيف لنا أن نتمكن من تمويل عملية التنمية الاقتصادية؟ وما هي التحديات والخيارات أمام الخليج لتحقيق التنمية الاقتصادية؟ يتميز علم الاقتصاد وجوهر الفكر الاقتصادي, أكثر من غيره من العلوم, بالديناميكية والتغير السريع والمستمر. وتزداد هذه الديناميكية يوما بعد يوم بسبب عوامل عديدة صار مفعولها يتزايد في هذا العصر المعلوماتي. وفي مقدمة هذه العوامل بروز العولمة ومنظمة التجارة العالمية بقوة على المسرح العالمي, وتطور معدلات التجارة الدولية, وارتفاع درجة التصدير والتبادل التجاري بين البلدان, وزيادة التطور التكنولوجي الهائل, وتطور وسائل الاتصال وتقنية المعلومات, خصوصا وسائل الأقمار الصناعية والانترنت, وتزايد دور التكتلات الاقتصادية, وتزايد عدد وفعالية الوكالات الدولية والاتفاقات والمواثيق الدولية, وتنامي دور الشركات المتعددة الجنسيات والمنظمات غير الحكومية, وتداعي الحواجز والعوائق الجمركية واللاجمركية, وتطور العلوم والاختراعات, وزيادة عدد البلدان التي تتبنى نظام اقتصاد السوق الحرة في مقابل انخفاض عدد البلدان التي تنتهج الاقتصادات المركزية, خاصة بعد سقوط الاتحاد السوفييتي السابق. لقد كان معظم, أو كل, العوامل المذكورة سببا ونتيجة في الوقت نفسه للديناميكية المستمرة في علم الاقتصاد وتغير وتطور أساليبه وتطبيقاته وأشكاله. ويزيد من حيوية وديناميكية الاقتصاد ارتباطه العضوي والعميق بعلوم السياسة والاجتماع والإدارة وتطبيقاتها, وبالخصوص السياسة الرسمية العليا في أي بلد. فالاقتصاد والسياسة وجهان لعملة واحدة. ولا يمكن فهم أسباب موقف سياسي داخلي أو دولي بين دولة وأخرى من دون مراجعة الحيثيات والظروف الاقتصادية التي دعت إلى اتخاذ القرار السياسي, ولا يمكن اتخاذ أي قرار اقتصادي من دون معرفة العواقب والنتائج السياسية المترتبة عليه.. والعكس صحيح. ولقد أضحت مسألة التنمية الاقتصادية تشكل هما رئيسا في العديد من البلدان المتقدمة والنامية على السواء وتشغل بال السياسيين والمفكرين والوكالات الدولية. وبسبب الترابط الوثيق بين علم الاقتصاد والعلوم الانسانية الأخرى, وفي مقدمتها علم السياسة وعلم السياسة الدولية بالتحديد. وبسبب تنامي أهمية الاقتصاد على الساحات المحلية والدولية والتطبيقية والفكرية, أصبحت للاقتصادي مكانة متميزة في معظم البلدان ذات الاقتصادات الكبيرة والمتقدمة. وأصبح الاقتصادي ذو الطموحات السياسية أكثر منافسة من غيره من السياسيين غير المتمكنين في علم الاقتصاد. كما أن القادة السياسيين الذين يبلون بلاء حسنا في فهم الاقتصاد وفي إعطاء موضوع الاقتصاد أولوية استراتيجية في إداراتهم وقراراتهم السياسية يتمكنون من زيادة دعم مصداقيتهم وزيادة فرص تحقيق الاستقرار السياسي والاجتماعي في بلدانهم. وسجلا التاريخ والحاضر مليئان بالشواهد والقصص الواقعية التي نراها أو نسمع عنها في مختلف البلدان والتي تشهد على هذه الأهمية ونتائجها المترتبة عليها. ويختلف مفهوم التنمية الاقتصادية عن مفهوم النمو الاقتصادي, فالنمو الاقتصادي معناه تحقيق زيادة نسبية في الناتج القومي الإجمالي والناتج المتوسط. وقد ظهر هذا النوع من الأهداف الاقتصادية في أواخر القرن التاسع عشر في بريطانيا, وسرعان ما انتشر في البلدان الأوروبية والولايات المتحدة الأميركية وكندا واستراليا واليابان وغيرها من البلدان الأخرى. وقد أصبح هدف النمو الاقتصادي يلقى بالفعل اهتماما واسعا, وأصبح هدفا تطمح وتتسابق إليه الدول, كما أصبح يلقى اهتماما دوليا وأكاديميا وبات واحدا من أهم المؤشرات الاقتصادية التي ترصدها وكالات الرصد الائتماني والوكالات الدولية مثل صندوق النقد والبنك الدوليين. والنمو الاقتصادي هو ظاهرة ديناميكية, تتمثل في تغير كمي لمجموعة من المتغيرات الاقتصادية الأساسية من فترة إلى أخرى, حيث يكون هذا التغير الكمي دالة في قيم المتغيرات ذاتها. وتتلخص ميكانيكية التغير في انتقال الاقتصاد من مرحلة إلى أخرى. حيث تؤدي كل واحدة منها ـ بما تتمتع به من قيم معينة للمتغيرات الأساسية التي تتضمنها ـ إلى تحديد كامل للمرحلة التي تليها. وكمبدأ عام, فإن الدولة في سعيها نحو تحقيق هدف النمو الاقتصادي تضع سياسة قائمة على التضحية ببعض الإشباع الحاضر للمواطنين, في سبيل زيادة ذلك الإشباع في المستقبل. وبينما ينحصر اهتمام النمو الاقتصادي في تحقيق نمو في الناتج القومي الإجمالي, نجد أن التنمية الاقتصادية أعم وأشمل من ذلك بكثير, إذ أنها تستهدف تنمية الاقتصاد الوطني ككل, وليس تحقيق النمو الاقتصادي إلا واحدا من أهدافها المتعددة. ومع أنه ليس هناك تعريف عام وشامل للتنمية الاقتصادية إلا أن بإمكاننا الاتفاق على التعريف التالي لها وهو: تطوير وتغيير البنيانين الاقتصادي والاجتماعي بصورة مستمرة وديناميكية تغييرا من شأنه أن ينتقل بالاقتصاد القومي من حالة معينة إلى حالة أفضل أكثر تنافسيا وكفاءة وتواكب التطورات والتحديات المحلية والدولية.. أي أن التنمية الاقتصادية تتمثل في تحقيق تغيير وصفي أو كيفي يكون حصوله طرديا جنبا إلى جنب مع التغيير الكمي. وقد لا يواكب هذا التغيير الكمي في العام نفسه الذي ابتدأ منه التغيير النوعي في الاقتصاد لكنه لابد أن يتحقق معه في الفترة اللاحقة له. ولا يمكن تحقيق هذا الهدف إلا من خلال تدخل الدولة, أي من خلال التخطيط الاقتصادي. إلا أن هذا التعريف للتنمية الاقتصادية طرأ عليه تطور جديد في العقود الأخيرة من الألفية الثانية, فأصبح يشمل أيضا ضرورة إحداث تغيير في البنية السياسية. فقد التفتت الوكالات الدولية إلى أن كثيرا من الأزمات الاقتصادية التي تعانيها الدول النامية له علاقة بتلك الاختناقات السياسية والاستبداد السياسي. فمثلا, على الرغم من ثراء بعض البلدان النامية فإنها لم تتمكن من إحداث تنمية متوازنة وشاملة في اقتصاداتها الوطنية, ولهذا صار شرط الإصلاح الاقتصادي الذي تفرضه الوكالات الدولية يتضمن بعض الملاحظات ذات العلاقة بالتطوير السياسي. ومن الضروري هنا عدم الالتباس في أن تدخل الدولة وانتهاج التخطيط الاقتصادي معناه الرجوع إلى نظرية التخطيط المتبعة في النظم الاشتراكية ذات الاقتصادية المركزية. فالتخطيط الذي نقصده هنا هو التخطيط الذي لا يسلب المبادأة والحرية الفردية ولا يتعارض مع ميكانيكية اقتصاد السوق الحرة. فالتخطيط الاقتصادي المرجو في الخليج والبلدان العربية مماثل لذلك التخطيط الاقتصادي المتبع في البلدان المتقدمة التي تتبع نظام اقتصاد السوق الحرة, وهو نظام لا يتعارض مع الأطر السياسية المتبعة في البلدان العربية والإسلامية. وعلى الرغم من أهمية هدف النمو الاقتصادي فإنه لا يشكل المحور الرئيس في موضوع التخطيط الاقتصادي والتنمية الاقتصادية, إذ أن الهم الجوهري لدى صناع القرار في العصر الحالي هو أن تكون التنمية الاقتصادية حجر الارتكاز لتحقيق التنمية الشاملة المستديمة, والتنمية المتوازنة القائمة على ركائز العدالة الاجتماعية والاستخدام الأمثل والرشيد للثروات والموارد الوطنية وعدالة توزيع الثروات وتخفيف حدة الفقر والبطالة, وتطويق الجريمة, ودعم التعليم والعلوم والتكنولوجيا, وزيادة القدرة التنافسية للإنتاج الوطني, وتصحيح ومواجهة الاختلالات والأزمات الاقتصادية والاجتماعية, وتحقيق الاستقرار الاجتماعي والسياسي, وحماية وصيانة الموارد والمكتسبات الاقتصادية, واستمرار الرفاهة الاقتصادية والاجتماعية. إذ ما الجدوى من تحقيق زيادة في النمو الاقتصادي إذا لم يتمكن هذا النمو من إحداث هذه التطويرات المهمة في المجتمع والاقتصاد الوطني؟ وبإمكاننا أن نحصر بإيجاز التحديات الرئيسة التي تواجه مسيرة التنمية الاقتصادية في الخليج كالتالي: * اعتماد الاقتصادات الخليجية على سلعة رئيسة مفردة: فعلى الرغم من برامج وسياسات التنويع التي اتبعتها معظم بلدان المنطقة, فإن الاقتصادات الخليجية لاتزال تعتمد اعتمادا كبيرا على سلعة النفط في تكوين الناتج المحلي الإجمالي, وفي تغذية نشاطها الإنتاجي, وفي عملية بناء البنية التحتية, وفي تقديم خدماتها العامة كالصحة والتعليم والتوظيف, وفي توفير الفرص الاستثمارية للقطاع الخاص, وهو ما جعلها تنتمي إلى ما يسمى في علم الاقتصاد باقتصادات المورد المنفرد أو السلعة المنفردة. وهي بالطبع تعتبر صفة سلبية في أي اقتصاد, ومعناها أن الهياكل الاقتصادية والإنتاجية في بلدان الخليج هي هياكل تحتاج إلى إعادة التكوين والتشكيل. * السوق النفطية العالمية: لقد كانت سوق النفط العالمية ـ ولاتزال ـ مشوبة بالتغيير والتذبذب الكبير في الأسعار وفي مستوى الطلب والعرض. وتزيد من فداحة هذا التحدي ثلاثة عوامل رئيسة, أولها أن بعض المنتجين الكبار مثل العراق وإيران وليبيا تربطهم علاقة متوترة ببعض المستهلكين واللاعبين الكبار في الساحة الدولية مثل الولايات المتحدة الأميركية والبلدان الأوروبية بشكل عام, بل إن بعضها لاتزال علاقته بالبلدان العربية والبلدان المصدرة للنفط يشوبها الفتور أو انخفاض كثافة ومستوى العلاقات الاقتصادية والتبادل التجاري. وثانيها أن سوق النفط وسلعة النفط لم يتم ادراجهما تحت مظلة منظمة التجارة العالمية, مما جعلهما تحت مراكز النفوذ العالمية التي لم تتوقف عن عمليات الدس والمؤامرات لشل منظمة الدول المنتجة للنفط (الأوبك) ومنظمة البلدان العربية المنتجة للنفط (الأوابك) . وثالثها أن تذبذب الأسعار العالمية للنفط أصبح يشكل عائقا كبيرا أمام التخطيط الاقتصادي الاستراتيجي, فليس من السهل بمكان التخطيط لتنمية الاقتصاد لفترة بعيدة دون الوقوع في احتمالات كبيرة لانخفاض الموارد اللازمة لتمويل التنمية, حيث يشكل النفط موردا وركيزة أساسية في موارد وموازنات البلدان الخليجية. * اقتصادات الخليج اقتصادات استهلاكية: إن غالبية الاقتصادات الخليجية لاتزال اقتصادات استهلاكية تستهلك أكثر مما تنتج. وعلى الرغم من النهضة الصناعية التي شهدتها بلدان الخليج في العقدين الماضيين فإنها لاتزال تعتمد بشكل رئيس على الأسواق الخارجية لتغذية احتياجاتها من السلع الغذائية والاستهلاكية والاستثمارية. * آثار حربي الخليج: لقد أنهكت حربا الخليج الأولى والثانية اقتصادات الخليج, ولاتزال بلدان الخليج العربية تعاني من الكلفة الباهظة لهاتين الحربين, خاصة كلفة إعادة تغيير أولوياتها الاستراتيجية التي توجهت نحو تحصين جدار الخليج الأمني وتعزيز مقدرته العسكرية بدلا من توجيه الموارد نحو الإعمار والتنمية الاقتصادية والاجتماعية والتقدم العلمي والتقني. كما أدت هاتان الحربان إلى إعادة الإنفاق على بناء البنية التحتية في بعض البلدان الخليجية, والكلفة هنا لا تقتصر فقط على الناحية المالية الباهظة التي تحملتها دول الخليج, بل أيضا الكلفة السيكولوجية. * الإيرادات في مقابل الإنفاق العام: بسبب انخفاض سعر النفط وآثار حربي الخليج تحولت كثير من دول الخليج من بلدان مقرضة إلى بلدان مقترضة من أسواق المال العالمية, وحققت معظم موازنات دول مجلس التعاون عجوزات ملحوظة. ومع أنها تمكنت, بسبب التحسن غير المتوقع في الأسعار العالمية للنفط في أواخر الألفية الثانية, من تقليص نسب العجز وتحسين مستوى السيولة المحلية, إلا أن بعض بلدان الخليج واجهت مشكلة زيادة احتياجات الانفاق العام. * الركود الاقتصادي والتجاري: فعلى الرغم من تفاوت درجة النشاط الاقتصادي في الخليج, فإن جميع بلدان الخليج واجهت ركودا اقتصاديا وتجاريا, خصوصا أثناء وبعد حربي الخليج الأولى والثانية. بعض أسباب حالات الركود كان مصدرها السوق العالمية والاقتصاد العالمي, بينما غالبيتها كان نتيجة للظروف المحلية والإقليمية التي أحاطت بكل سوق خليجية, ونتائج حربي الخليج وتحديات الاستقرار والأمن التي عاشتها المنطقة بشكل عام وهروب رؤوس الأموال الاستثمارية للخارج أو اختفائها في الداخل. * البطالة: مع أن بلدان الخليج هي من أكثر البلدان العربية التي كانت ولاتزال تستجذب العمالة الأجنبية, إلا أن العديد منها أصبح مؤخرا يعاني من مشكلة بطالة حقيقية أغلبها في شكل بطالة هيكلية: ومعناها أن المعروض والمتوافر من العمالة العاطلة والتي تبحث عن عمل لا تتناسب مؤهلاتها ومهاراتها مع ما هو مطلوب في سوق العمل, أي عدم تناسب وتوافق نوعية المعروض من العمالة الأجنبية مع نوعية المطلوب من العمالة الخليجية, أي اختلال العرض مع الطلب في ميزان سوق العمل الخليجي. وقد تفاوتت نسب البطالة من بلد خليجي لآخر, إلا أنها ظلت تمثل هما سياسيا ومشكلة اجتماعية أربكت الإدارات السياسية, خاصة في ظل الركود الاقتصادي وانخفاض أسعار النفط وارتفاع كلفة تمويل تحصين الخليج ضد التهديدات الأجنبية وكلفة تمويل تأمين الاستقرار السياسي. أضف لذلك أن عنصر العمل يعتبر عنصرا رئيسا في كل برامج التنمية الاقتصادية, وسيتحتم على الإدارات الخليجية الاهتمام أولا بإعداد هذا العنصر بدلا من مواصلة الاعتماد على المصادر الخارجية لتوفيره. وباعتقادنا إن معالجة هذا التحدي ستكون مسألة مهمة جدا لعملية التخطيط الاقتصادي والاستقرار السياسي ومسيرة التنمية في الخليج. * التعليم والتدريب: تعتبر فرص التعليم والتدريب في الخليج أفضل بكثير مما هي عليه في غالبية البلدان العربية وبلدان العالم الثالث. إلا أنه بالرغم من ذلك لم يكن التعليم الرسمي في الخليج مرتبطا ارتباطا تكامليا مع واقع ومستقبل اقتصاد وسوق الخليج. لهذا فقد انتهت الآلاف من المخرجات التعليمية في قنوات لا علاقة لها بسوق العمل أو بالاحتياجات الأساسية للتنمية الشاملة. وحتى هذا اليوم لاتزال قرارات وأجهزة التعليم غير متناسقة مع قرارات وأجهزة العمل في العديد من بلدان الخليج. * الافتقار إلى قاعدة معلومات وبيانات إحصائية: لكي يتمكن المخطط الاقتصادي من رسم استراتيجية اقتصادية واقعية وقابلة للتطبيق والتنفيذ وتنسجم مع الحالة الراهنة للاقتصاد القومي والصورة المستقبلية المرجوة للاقتصاد, لابد من توافر قاعدة معلومات وبيانات احصائية يستطيع من خلالها الاقتصادي استخراج المعدلات والمؤشرات الاقتصادية والجداول والرسوم البيانية التي ستمكنه من تحليل حالة الاقتصاد وسلوك النشاط الاقتصادي بما يتناسب مع الطموحات السياسية والاقتصادية للدولة, وبما يشبع رغبات المجتمع والقطاع الخاص والرأسمالية الاستثمارية ويحقق درجة عالية من الشفافية في الاقتصاد الوطني. ومع أن بلدان الخليج تتمتع, أفضل من كثير من البلدان النامية, بمعلومات وبيانات ومراكز بحوث وبيوت استشارية, إلا أنها لاتزال بحاجة لتطوير الشفافية أكثر وللمزيد من البيانات والمؤشرات التي تحتاج إليها المؤسسات الرسمية والخاصة والدولية للاستدلال على حالة الاقتصاد ومستقبله القريب ومدى تبعية أو استقلالية الاقتصاد ودرجة الرقي أو التخلف الاقتصادي والسياسي للدولة. يضاف لذلك أن بعض البلدان في المنطقة تفتقر أصلا إلى وجود استراتيجية اقتصادية واضحة ومكتوبة يستدل بها المسؤولون المناط بهم وضع خطة التنمية الاقتصادية. * ضعف التكتل الإقليمي: مع أن عملية التنمية الاقتصادية عملية محلية بشكل عام, إلا أنها غير معزولة بتاتا عن التفاعل الخارجي, بل وقد تعتمد عليه كركيزة أساسية في تكاملها وتنوعها وتطورها. فعلى سبيل المثال, وعلى الرغم من متانة وحصانة وتنوع اقتصادات البلدان الصناعية وتمكنها من إنتاج معظم ما تستهلكه من سلع وخدمات وارتفاع درجة استقلاليتها الاقتصادية وانخفاض درجة تبعيتها الاقتصادية, فإنها لم تتنازل في أي يوم من الأيام عن أي شريك وسنيد خارجي أيا كان موقعه على الكرة الأرضية. لهذا فقد كان من المألوف أن نجد أن التكتلات الاقتصادية تلقى أبرز الاهتمامات الرئاسية في البلدان الصناعية, حيث يقوم رؤساء الدول أو الحكومات أنفسهم بتمثيل بلدانهم فيها. ومهما كان حجم اختلافات وجهات النظر السياسية أو الايديولوجية بين البلدان الصناعية فإننا نرى هذه الدول تغض النظر عنها خلال اجتماعات كتلها الاقتصادية, وتركز اهتماماتها وطاقاتها ومواردها على تفعيل التعاون الاقتصادي الإقليمي أو الدولي وتوحيد مواقفها الاقتصادية الدولية, وتشكل بذلك قوة تفاوضية لا يستهان بها على المسرح الدولي وعلى مسارح الوكالات والمنظمات الدولية مثل منظمة التجارة العالمية وهيئة الأمم المتحدة وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي وغيرها. أما مجلس التعاون الخليجي, فعلى الرغم من تمكنه من الاحتفاظ بمسيرته التعاونية على مدى أكثر من عشرين عاما من تأسيسه (في الوقت الذي فشلت أو تعطلت تكتلات أو تحالفات عربية أخرى) فإنه لم يتمكن حتى هذا اليوم من تحقيق أدنى مستويات التعاون الاقتصادي المتبادل بين بلدان الخليج. وهذه العقبة ستكون أيضا من أهم التحديات الشامخة أمام مشروعات التنمية في الخليج, وستحتاج إلى إرادات سياسية جريئة لترجمة الأماني الخليجية إلى خطط وآليات اقتصادية تنفيذية وواقعية.