تشجع الحكومة البريطانية على تصنيع طائرات جامبو عملاقة يطلق عليها (سوبر جامبو) , لكن شركة بوينج تقول ان سوق الطائرات يتجه الى الطائرات الصغيرة. ومنذ ظهور الطائرة الكونكورد الكبيرة, هناك خلاف بين السياسيين البريطانيين على مشروعات الطائرات الكبيرة, وقال دينيس هيلي وزير الخزانة في السبعينيات أن هناك شكوكا كبيرة في الرؤية حول مشروعات تصنيع الطائرات المدنية, فهي تلقى التبرير دائما على اساس انك اذا لم تنفق هذه الأموال الان, فلن تستطيع انفاقها في وقت لاحق مستقبلاً, واتفقت معه مارجريت تاتشر رئيسة الوزراء السابقة في ذلك, وقالت عندما طلب اليها ان تساهم الحكومة بمبلغ 250 مليون جنيه استرليني في مشروع ايرباص ان آخر ما تريده هو ان يتم انتاج طائرة كونكورد جديدة. غير انه برغم هذه السخرية واللهجة التهكمية دفعت حكومة كالاجان وحكومة تاتشر في هذا الاستثمار. والان تعود شركة ايرباص الى طلب العون من الدولة, وهي شركة تساهم فيها أربع دول أوروبية هي الوحيدة التي بقيت في سوق الطيران بطائرات ايرباص أمام شركة بوينج الأمريكية. لكن هذه المرة الاستثمارات المطلوبة أكبر كثيراً, وتضع الشركة رهانها على طائرة جديدة أطلقت عليها شركة لوفتهانزا للطيران (نفاثة التستو ستيرون) , تماماً كما غامرت شركة بوينج من قبل عام 1969 وطرحت طائرتها الجامبو بوينج 747. وتعتبر الطائرة المقترحة من طراز ايه - 3 إكس إكس هي أكبر طائرة ركاب في تاريخ الطيران, وبها درج منطو وتحتوي على صالة العاب وتمارين ومطعم وتشبه سفينة سياحية أكثر منها طائرة, فهي تتكون من طابقين ولها اربعة محركات ومصممة بحيث تحمل 480 أو 840 راكباً وسيتكلف تصنيعها 6.7 مليارات جنيه استرليني. حتى الان لاتزال الطائرة عبارة عن نموذج داخل مبنى ايرباص المكون من اربعة طوابق في تولوز بفرنسا. وتحتاج شركة ايرباص ليدخل هذا المشروع في حيز التنفيذ الى دعم من الحكومات الفرنسية والألمانية والبريطانية, التي تدعم الشركات الوطنية التي تنتج الايرباص, كما تحتاج الى دعم من شركات الطيران العالمية. وقال جون ليهي, الذي زار طوكيو ليطلب دعم وتأييد شركة أول نيبون اليابانية للطيران, انه قبل إتخاذ أي قرار بشأن انتاج الطراز الجديد, يحتاج الى التزام من 4 ـ 6 شركات طيران كبيرة في آسيا وأوروبا والشرق الأوسط وأمريكا الشمالية. وقد كانت الحكومة البريطانية أول من أبدى الاستعداد لمد يد العون, فهى تتوق الى اثبات حسن نواياها وإخلاصها لأوروبا, وأعلن ستيفن بايرز وزير التجارة والصناعة البريطاني ان الحكومة مستعدة لتوفير 530 مليون جنيه استرليني لمساعدة الشركة البريطانية للطيران والالكترونيات (بريتيش ايروسبيس سابقا) التي تملك 20% من اسهم ايرباص, لكي تقوم بتصنيع اجنحة السوبر جامبو الجديدة. وهناك امل في ان يوفر هذا المشروع الاكبر في تطوير الطائرات المدنية في تاريخ بريطانيا, 22 الف وظيفة في البلاد, منها ثمانية آلاف في البريطانية للطيران والالكترونيات والشركات الموردة لها. وقد رفض بايرز ذكر اي تفاصيل عن شروط هذا القرض, لكن ما حدث في القرض السابق لتطوير طائرة ايه 320 انه تم تسديده على عشر سنوات وكان الجزء الاول منه بقيمة 100 مليون استرليني, مع تسديد بقية القروض من خلال رسوم على المبيعات. وتوقع ريتشارد ايفانز رئيس البريطانية للطيران والالكترونيات انه لابد ان تتوافر طلبات لانتاج 300 ـ 600 طائرة حتى يستطيع المشروع استعادة تكلفته. وهذه الارقام في حد ذاتها تعتبر طموحاً وتفاؤلاً كبيراً. لكن اكثر العوامل خطورة في مشروع تطوير وانتاج السوبر جامبو هو ان شركة بوينج المنافسة مقتنعة بأن المشروع برمته عبارة عن حلم, حيث قال احد المديرين لشركة بوينج في سياتل ان شركة ايرباص ماهرة جداً في التسويق, بل افضل من يقوم به في صناعة الطيران, لكنهم هذه المرة مخطئون. ولا تختلف الشركتان على الارقام الكلية. فقد توقعت بوينج ان يتضاعف عدد الطائرات في العالم خلال العشرين عاماً المقبلة. ويقول مسئول التسويق في شركة بوينج ان هناك معدل نمو يصل إلى 5% تقريباً وبناء عليه بحلول عام 2002 سوف يكون هناك 20 الف طائرة جديدة في اساطيل الطيران المختلفة. لكن الشركتان تختلفان بشأن المستقبل عند الحديث عن الطائرات العملاقة بحجم الجامبو, بوينج 747 وما اكبر من ذلك الطراز. قد تكون الشركتان من الد المتنافسين, لكن احياناً يتعاونان في سعادة ورضا. منذ بضع سنوات بحثت الشركتان معاً مستقبل السوبر جامبو, لكن بعد عامين من المباحثات المكثفة اتضح ان كلا من الشركتين لها رؤية معاكسة للآخر. فكلما اعتمد الحديث على الارقام, زادت قناعة شركة بوينج بان السوق يتجه نحو الطائرات الاصغر حجماً وان عصر الجامبو قد انتهى. فالقطاع الذي سيطرت عليه بوينج طوال الثلاثين عاماً الماضية لن يسمح بمزيد من النمو. هناك اختلاف كبير في وجهة النظر بين ايرباص وبوينج بشأن المستقبل, على الاقل فيما يخص السوبر جامبو. وتتأثر شركة بوينج بشدة بتغير الانماط في الطيران والنقل الجوي في امريكا الشمالية, منذ قرار الرئيس الاسبق جيمي كارتر برفع القيود عن شركات الطيران. وتعتقد ان الركاب اذا توافر لهم الخيار, يفضلون الوصول إلى مقاصدهم مباشرة بطائرات صغيرة بدلاً من الطيران على طائرة ضخمة إلى مطار كبير ثم تقلهم طائرة اخرى اصغر إلى المطارات الصغيرة. وتقول بوينج ان اخفاق بان امريكا للطيران في اكتشاف هذا الاتجاه ادى إلى تدهورها ونلاحظ انه خلال عام 1987 كانت هناك طائرة بوينج 747 واحدة يومياً تطير بين شيكاغو إلى مدن عديدة في اوروبا. لكن ايرباص لا توافق على ذلك وتقول ان النمو في الطلب على السفر الجوي قوي جداً حتى ان سوق الطيران بين المدن الكبرى مثل لوس انجلوس وطوكيو سوف يكون كسباً كبيراً يستحق العمل من اجله. ويقول مسئول في بوينج نعتقد الآن انه لن يمكن بيع طائرات حمولة 500 شخص خلال السنوات العشر المقبلة الا بحد اقصى 80 طائرة, وحتى عام 2018 لن يتجاوز العدد 360 طائرة. غير ان شركة ايرباص تعتقد ان سوق السوبر جامبو يزيد على ذلك اربعة اضعاف على الاقل وخلال العشرين عاماً المقبلة سوف تبحث شركات الطيران عن بين 1200 و1500 طائرة لبرامج الاحلال وهذا الرقم يفوق اجمالي عدد طائرات الجامبو (747) التي تم انتاجها حتى الان مما يثبت ويؤكد جرأة وصحة توقعات ايرباص. وأقصى ما توافق عليه بوينج هو أن هناك فرصة ضئيلة لبيع الطائرات العملاقة. ولكن بوينج تحصن نفسها ضد ايرباص خوفاً من ان تسرق من تحتها البساط, وتطور نسخة أكبر من جامبو 747 باسم 747 اكس وتستثمر في هذا المشروع ملياري دولار أمريكي (1.3 مليار استرليني) مقابل 7.6 مليارات استرليني لتطوير ايه - 3 اكس اكس. وتتميز الجامبو الجديدة بأجنحة اكثر عرضا ومعدات هبوط جديدة للتغلب على الوزن الزائد, ويزيد طولها 30 قدما على الطراز الحالي. وسيصل مداها الى 9 - 10 آلاف ميل وتستطيع استيعاب 430 - 500 راكب. وكان من المقرر طرح هذا الطراز الجديد من الجامبو عام 2003 أو 2004, ويبدو انه يهدف إلى إفساد مشروع ايرباص لانتاج الطائرة العملاقة. ان شركات انتاج الطائرات الكبرى اعتادت على المراهنة وخوض المخاطر الكبيرة. فقد عانت شركة بوينج كثيرا في السبعينيات حيث لم تستطع بيع طائرة واحدة في ذاك الوقت من طائرات بوينج 747, فيما تكلف المشروع ملياري دولار (1.3 مليار جنيه استرليني). وخاضت ايرباص تجربة مماثلة عندما طرحت طراز إيه - 300. لكن النزاع الحالي بين الشركتين على تطوير السوبر جامبو العملاقة ليس نزاعا اكاديميا. فإذا كانت ايرباص على حق يمكنها ان تسرق البساط من تحت اقدام بوينج التي احتكرت سوق الطائرات العملاقة لمدة ثلاثين عاما, وسوف تستطيع الشركة الاوروبية ان تحقق شيئا تاقت إليه من فترة طويلة, وهو ان تنطلق من طائرات المدى الصغير القصير الى الطائرات العملاقة. لكن اذا كانت ايرباص على خطأ, يمكن ان تحدث هزة كبيرة, فقد تسبب ايه - 3 اكس. اكس خللا هائلا في التوازن الذي استقر لفترة طويلة بفضل مكانتها الحالية في صناعة الطيران بالنسبة لمنافستها بوينج. في الوقت الحالي تأتي الرياح بما تشتهي سفن ايرباص ويقول جون ليهي ان ما تقوله بوينج هو مجرد مناورات حتى لكسب الوقت ويشبه الشركة برجل يواجه فرقة اعدام ويطلب ان تمهله الفرصة لاشعال آخر لفافة تبغ. كما يقول ان طراز 747 الجديد الاكبر حجما, يبنى على طراز تم تطويره في الستينيات بتكنولوجيا الخمسينيات, وليس هذا هو ما يريده السوق. ويقول ان كل شركات الطيران التي يتحدث اليها تقول نفس الشيء, انهم لم يعودوا يهتمون بالطراز 747 آلان ـ يريدون من بوينج ان تطور طرازا جديدا بالكامل. وذكر ليهي اسماء عشر شركات طيران أو أقل يتعاطفون ويؤيدون الاتجاه الذي يتحدث عنه ويحبذه, ومن هذه الشركات ايرفرانس والامارات وكاثرباسيفيك وسنغافورة وشركتا شحن جوي واطلس اير وفيدرال اكسبريس. ويقول ان معارضة بوينج للطائرة السوبر جامبو سوف تنهار قبل مرور وقت طويل ومن المؤكد ان بوينج سوف تطور طائرة من طراز جديد كليا ويعتقد انها سوف تتحدث عن تطوير بوينج 747 لمدة عام فقط او نحو ذلك. لكنه يضيف ان الاتجاه نحو تصنيع السوبر جامبو ليس فيه اى تسرع او رعونة, ويقول انه لابد من زيادة مداها قبل ان تعطي طولوز الاشارة الخضراء.