تضاربت آراء وسطاء وخبراء نشاط الاستثمار العقاري حول تفسير حالة الركود والتباطؤ التي تجثم على صدر سوق العقارات والأراضي, وبصورة جلية خلال الشهور القليلة الماضية, وهي السوق التي تعد واحدة من أنشط وأهم روافد الاقتصاد المحلي لمساهمتها بقسط لا يستهان به من الناتج المحلي الاجمالي, كما انها أكثرها جذبا استثماريا نظرا للعائد الكبير والمستقر للمستثمرين, بحيث يتجاوز متوسط العائد الاستثماري للعقار 14% سنويا حسب تقدير بعض المصادر العقارية, الى جانب توفر تسهيلات عديدة تفتح الباب على مصراعيه أمام المستثمر لتملك الأرض واستئجارها بسعر مناسب ناهيك عن ميزة الاعفاءات الضريبية, مما دفع عدداً كبيراً من المستثمرين المحليين والخليجيين على حد سواء للانخراط في عملية الاستثمار العقاري في كافة صوره, سواء كان تجاريا أو صناعيا أو سكنيا. وأكدت مصادر تعمل بالقطاع العقاري ان السوق العقارية تشهد حاليا ما شبهته بفترة خمول صيفي سرعان ما تستعيد نشاطها منه في غضون أشهر معدودة فمن الطبيعي ان تهدأ الحركة في الاجازة الصيفية بحيث يتوجه عدد كبير للسفر خارج البلاد مما يتسبب في خلو الكثير من الأبراج والمباني السكنية من قاطنيها, وكذلك الحال بالنسبة لأسعار الأراضي التي هبطت بدرجة ملموسة, ومن المتوقع ان يستأنف نشاط بيع الأراضي سابق حيويته بعودة كبار المستثمرين ممن توجهوا للخارج. وربط آخرون مصير ومستقبل القطاع العقاري بمسيرة سوق الأسهم والسندات المحلية, بحيث ترتبط الأولى مع الثانية بعلاقة طردية, سواء في مراحل الازدهار والانتعاش الاقتصادي, أو في تراجع النشاط وجموده, بدليل ان مراجعة سريعة لحركة سوق الأوراق المالية ستثبت ان الاستثمار العقاري يتأثر بالمتغيرات والتذبذبات التي يتعرض لها سلبا أكانت أم ايجابية. وذهبت مصادر عقارية الى القول بان الركود الذي يلاحق سوق العقارات والأراضي يعد بمثابة مؤشر صحي ومنطقي للغاية, وذلك كي تستعيد نشاطها من جديد, وقد تسبب التضخم في أسعار الأراضي بصفة خاصة في تباطؤ السوق الذي ترتب عليه ارتفاع في القيمة الايجارية للأبراج والمباني التجارية والسكنية وصولا الى مرحلة تفوق العرض على الطلب بشكل واضح, نتج عنه احجام من قبل شريحة عظمى من المستثمرين عن الاستثمار في سوق العقار والأراضي, في حين عجزت فئة من المستأجرين من ذوي الدخول المتوسطة والمحدودة عن الالتزام بأسعار الايجارات الآخذة في الارتفاع, لتصل السوق في نهاية المطاف الى دوامة من الركود. قال عبد الناصر ابراهيم الخياط من الخياط للعقارات ان سوق العقارات المحلية كانت حتى منتصف العام 1997 في تطور ونشاط متواصلين, بحيث بلغت مجموعة المبايعات لسنة 96 حوالي ستة مليارات درهم, وفي ظل توقعات بتضاعف هذا الرقم, اتجه المستثمرون نحو سوق الأسهم طلبا للربح الآمن والسريع, وبالتالي طفق هؤلاء في بيع مايمتلكونه من أراضي وعقارات من أجل استثمار أموالهم في الأسهم. واضاف الخياط انه على الرغم من وجود التحديات في المعوقات المختلفة الا ان السوق المحلية لا تزال قوية, وقادرة في الوقت نفسه على تخطي هذه العثرات المؤقتة, والدليل على ذلك ان العديد من المواقع التجارية والسكنية في امارة دبي, لم يتأثر كثيرا والطلب لا يزال عليها قويا ومتزايداً. واكد ان العمل في المجال العقاري معقد بقدر ما هو مرن, والسبب في ذلك حساسية وحداثة السوق التي في حاجة الى منظومة رسمية تشرف عليها وتحميها من التذبذب ما بين صعود وهبوط, تتألف من ممثلين عن هيئات وجهات حكومية, والتجار من ذوي الاختصاص والخبرة, والى ان تتشكل هذه فإن جميع الأطراف ذات العلاقة بالسوق مطالبة بالحرص على اقتصاد البلاد, والعمل على ما يخدم المصلحة العامة على المدى القريب والبعيد. وأشار حسان عدي من برشلونة للعقارات الى ان أزمة الأسهم لصيف 98 قد ألقت بظلالها على السوق العقارية من بيع وشراء الأراضي والفلل والمباني التجارية والسكنية الى جانب أسعار الايجارات, وبدت الآثار جلية لاسيما مع مطلع العام الحالي التي مثلت مرحلة الركود الفعلي للسوق, فقد امتصت الأسهم والسندات السيولة التي طالما تميزت بهما السوق المحلية. وأوضح ان عودة المستثمرين الخليجيين مجددا الى السوق يساهم بفاعلية في استعادتها لعافيتها, خصوصا وان تزايد استثماراتهم التي يضخونها في سوق العقار توفر السيولة المطلوبة كي تعاود هذه نشاطها. وعن حركة الايجارات في دبي قال حسان انها لا تزال في معظمها مستقرة بسبب موسم الصيف والاجازات, وقد تطرأ بعض التغيرات والتطورات مع بداية العام الدراسي الجديد 99 ـ 2000م. كما أن أسعار الشقق في هبوط مستمر بسبب توفر عروض دون وجود طلبات كافية, كذلك يخيم الهدوء على نشاط بيع وشراء الأراضي والعقارات طوال أسبوعين متتاليين, وقد بيعت في الطوار أرض تزيد مساحتها على 40 ألف قدم مربع بسعر مليون و600 ألف درهم. وأرض في مردف مساحتها 10 آلاف قدم مربع بسعر 570 ألف درهم, وبيعت فيلا في منطقة جميرا بمليون و600 ألف درهما, وأخرى في أم سقيم بمليون ونصف المليون درهما, كما تم بيع فيلتين متلاصقين في المنطقة نفسها بمليون و100 ألف درهم. بين فياض القدسي من مكتب أسوار العقاري ان النسبة الأعظم من الطلبات القائمة حاليا على صعيد حركة البيع والشراء, تتركز على الأبنية الصغيرة محدودة الأدوار والمؤجرة, والتي تتراوح أسعارها ما بين مليون الى ثلاثة ملايين درهم. وقد بيعت بناية في منطقة الحمرية بدبي مؤخرا بسعر خمسة ملايين درهم, كما بيعت أخرى في النخيل بسعر 2.750 مليون درهم. وقال ان العقارات من طراز التجارية السكنية في آن واحد, هي الأكثر جذبا بالنسبة للمستثمرين المحليين والخليجيين على حد سواء, وذلك لأنه من المسموح اقامة مبان مؤلفة من 7 أدوار, فيميل العديد الى تخصيص 5 أدوار للسكن والدورين الآخرين يخصصان لتأجيرهما مكاتب أو محلات تجارية. وأضاف القدسي ان الاقتصاد المحلي ليس بمعزل عن تأثيرات الاقتصاد العالمي وما يعصف به من متغيرات متعاقبة كالتي تكالبت عليه منذ ما يزيد على العامين, بدءا بالأزمة الاقتصادية في النمور الآسيوية وتراجع الأوضاع الاقتصادية في دول الاتحاد السوفييتي سابقا, مرورا بانخفاض أسعار النفط انخفاضا حادا وحتى أزمة الأسهم في صيف 98 وذلك على الصعيد المحلي, غير انها مجتمعة تسببت في جمود المجال العقاري بصورة مباشرة وغير مباشرة. وأوضح خالد بن ثاني مدير مكتب بن ثاني للعقارات ان الركود الحالي الذي يشهده سوق العقار خلف العديد من الآثار السلبية التي ترتبت على تفاقم الأزمة ومن أهم هذه الظواهر انتقال مسيرة العمل الحقيقية من دبي الى امارة الشارقة بحيث يحتفظ أصحاب المكاتب العقارية بمقرهم الرئيسي في دبي على شكل ديكور خارجي, في حين تنطلق الأنشطة العقارية من بيع وشراء وتأجير عبرالمكاتب التي تم افتتاحها لاحقا في الشارقة. ويقترح بن ثاني ان تتدخل السلطات الحكومية ذات الاختصاص وذلك في مرحلة ترخيص المكاتب العقارية الجديدة, التي يباشر أصحابها الحقيقيين مهام أعمالهم منها بأنفسهم, ويشترط فيهم أن يكونوا من ذوي الخبرة والمعرفة في السوق العقارية, وذلك على غرار النظام الأمريكي الذي يشترط توافر معايير وأسس معينة لافتتاح مثل هذه المكاتب الحيوية في اقتصاد بلدها. وأوضح ان السنوات الخمس الماضية شهدت قيام أعداد كبيرة من مكاتب العقارات, وهو مؤشر طبيعي لخلق جو من المنافسة الشريفة, وبالتالي تعم المصلحة والفائدة على جميع أفراد المجتمع من ملاك وأصحاب مكاتب عقارية وأشخاص مستأجرين الا ان المنافسة الشريفة تلك لن تتحقق الا من خلال وعي وادراك عاليين بطبيعة السوق المحلية التي لن تحتمل المزيد من المضاربات والمغالاة في أسعارها.