يشمل المناخ الاستثماري جميع العوامل والمتغيرات التي تؤثر في القرارات الاستثمارية, حيث يتضمن مناخ الاستثمار كل السياسات والمؤشرات والأدوات التي تؤثر بطريق مباشر أو غير مباشر على القرارات الاستثمارية, بما في ذلك السياسات الاقتصادية الكلية الأخرى, وهي السياسات المالية والنقدية والتجارية والأنظمة البيئية والقانونية التي تؤثر على توجهات القرارات الاستثمارية, إضافة إلى الموارد الاقتصادية والبشرية والتكنولوجية المتاحة. وإذا كان المناخ الاستثماري بمثل هذه الأهمية وهذا التشعب, فإن مشاركة القطاع الخاص في تهيئته وتطويره نحو الأفضل باتت لازمة وحيوية, ولاسيما في ظل التغيرات الاقتصادية العالمية. وعلى هذا اتفق رأي كل من التقيناهم من رجال الأعمال والخبراء. * الخبير الاقتصادي الدكتور صبري حسنين, يرى أن السياسة الاستثمارية جزء مهم وأداة رئيسة من أدوات السياسة الاقتصادية, بل إنها تعد أهم أجزاء هذه السياسة, إذ على السياسة الاستثمارية يتوقف تحقيق مختلف أهداف السياسة الاقتصادية, مثل تحقيق معدل نمو اقتصادي مرتفع وسرعة تحقيق التنمية الاقتصادية, وتحقيق التوظف الكامل, والإسهام في دعم ميزان المدفوعات, وتحسين قيمة العملة, وغيرها من الأهداف الفرعية الأخرى. ويؤكد أن دولة الإمارات تهيئ مناخا اقتصاديا واستثماريا صحيا, فالنظام السياسي يتمتع بالاستقرار, والنظام الاقتصادي يتميز بالانفتاح والحرية الاقتصادية واتباع آليات السوق, كما أن القيم والتقاليد تشجع على التجارة وممارسة الأنشطة الاقتصادية التي تتسم بالمخاطرة. وتعمل الدولة جاهدة على إقامة الهياكل والأجهزة التي تسهل العمل الاقتصادي بصفة عامة, وتشجع رجال الأعمال وتمدهم بالعون اللازم لاقتحام المجالات الجديدة, سواء بإمدادهم بالقروض أو تقديم النصح والمشورة والمعلومات, عن طريق أجهزتها المختلفة وفي مقدمتها غرف التجارة والصناعة المنتشرة بالدولة. ويشير هنا إلى أن الدولة بصفة عامة, وإمارة أبوظبي على وجه الخصوص, تبرز كمركز تجاري مهم لتمتعها بعدد من المقومات, ومن أهمها الموقع الاستراتيجي الذي يخدم سوقا واسعة تضم جنوب شرقي آسيا والشرق الأوسط وأفريقيا, وتوافر البنية الأساسية, ووجود مؤسسات عالية الكفاءة. كما أن الإمارات تحاول استكمال التشريعات المنظمة للعمل المصرفي وقانون الشركات وقانون الصناعة وقوانين المناطق الحرة, وقوانين تنظم الوكالات التجارية وقانون المعاملات التجارية وقانون قمع الغش والتدليس في المعاملات التجارية, وقانون حماية الملكية الصناعية, وغيرها. وإضافة إلى ذلك فإن السياسة المالية للدولة لا تتضمن أية ضرائب على الأرباح والدخول, ولا توجد ضرائب غير مباشرة من أي نوع, وهناك حرية لتحويل رؤوس الأموال والأرباح إلى الخارج دون قيود, وحرية في تحديد سعر الصرف وسعر الفائدة, وإن كان هذان السعران مستقرين بصفة عامة, كما أن الحدود القصوى للرسوم الجمركية هي 4%, وتوجد إعفاءات للواردات من السلع الغذائية والسلع الوسيطة المستخدمة في الصناعة المحلية. كذلك فإن إيجارات الأراضي للأغراض الاستثمارية وأسعار الماء والكهرباء منخفضة لتشجيع العمل الاقتصادي في جميع المجالات, وخاصة الصناعي منها. ويؤكد الدكتور حسنين أن دولة الإمارات تسعى دائما إلى تحسين المناخ الاستثماري لترقى إلى مستوى الدول المتقدمة, وأنها قد حققت نجاحات كثيرة في هذا الخصوص وتعمل عن طريق أجهزتها المستحدثة على دعم هذا المسار. ومن أبرز هذه الأجهزة اللجنة الاستشارية العليا للتطوير في إمارة أبوظبي, ومجلس الترويج التجاري والسياحي بدبي. وتتوفر بالدولة العناصر الأساسية اللازمة لجذب الاستثمارات الخاصة, كالبنية الاقتصادية والتشريعية المناسبة, والاستقرار الاقتصادي والسياسي, وارتفاع متوسط دخل الفرد ومن ثم ارتفاع القوة الشرائية في المجتمع, ووضوح السياسات الاقتصادية والنقدية والمالية. ويضيف أنه رغم توافر المناخ الاستثماري الإيجابي, إلا أن مشاركة القطاع الخاص لاتزال دون الطموح خاصة في القطاع الصناعي المهم, ويرجع ذلك بصورة أساسية إلى عدة أسباب, لعل أهمها طول فترة الانتظار لجني الأرباح بالنسبة لمعظم الصناعات مقارنة بالأنشطة الأخرى كالتجارة مثلا, وضعف الخبرة في إدارة المشروعات الصناعية, والصعوبة النسبية المصاحبة لاستقدام التكنولوجيا من الخارج, وكبر حجم الاستثمارات المطلوبة. كل ذلك يجعل الاستثمارات الفردية في القطاع الصناعي تواجه صعوبة بالغة. ويقول إن هذا الأمر يتطلب قيام الدولة بالإشراف على الصناعات المستهدفة, على أن يستمر دور الدولة حتى تثبت هذه المشروعات نجاحها ويتم تحقيق العوائد منها, وبعد ذلك يمكن طرحها للاكتتاب العام. كما يجب طرح بعض المشروعات للاكتتاب العام منذ البداية, وقيام جهة مركزية أو مستثمر رئيس بالإسهام بنسبة كبيرة ولتكن الثلث أو النصف, بحيث تتوافر في هذا المستثمر الخبرة والقدرة على إدارة المشروع, ويمكن أن يكون هذا المستثمر شركة أجنبية لتسهيل الحصول على التكنولوجيا وفتح الأسواق اللازمة للتصدير في المستقبل. مع ضرورة تشجيع قيام مشروعات عن طريق برنامج المبادلة (الأوفست) , يكون دور المستثمر الأجنبي فيها هو الإدارة وجلب التكنولوجيا, ويتم طرح باقي الأسهم للاكتتاب العام المحلي. ويدعو دكتور حسنين إلى ضرورة إعداد جيل من رجال الأعمال الشباب, وذلك عن طريق إنشاء ما يسمى بحاضنات رجال الأعمال, يكون من مهامها الأساسية القيام بالتدريب والتأهيل وتوفير التمويل وتوفير قائمة بفرص الاستثمار ودراسات الجدوى الخاصة بها. وإنشاء مؤسسة متخصصة في التسويق والترويج, حيث يمكن أن تعمل مثل هذه المؤسسة على وضع استراتيجية تسويقية للوصول إلى المستهلك في الأسواق المحلية والعالمية, وإجراء بحوث ودراسات السوق والمعلومات التسويقية والفرص التجارية, وتدريب العاملين في أجهزة التسويق في المنشآت المختلفة. كما تعمل هذه المؤسسة وفق خطة مدروسة على الترويج للدولة على نطاق عالمي, إذ إن الترويج يؤدي إلى ربط الفرص الاستثمارية بإمكانيات التمويل والتنفيذ, حيث يمد رجال الأعمال بمعلومات محددة وهادفة حتى يقتنعوا بجدوى المشروع, ويساعد هذا في تحويل الفرص من مجرد مشروعات على الورق إلى حقائق وواقع. ويؤكد ضرورة إيجاد مؤسسة متخصصة في التسويق والترويج خلال كل مراحل النشاط الصناعي, بدءا من مرحلة إنشاء المشروع ومرورا بمرحلة الإنتاج وانتهاء بمرحلة تسويق المنتجات. وبالنظر إلى تجربة اليابان نجد أن مؤسساتها وشركات التسويق هناك قد لعبت دورا مهما في تطوير الصناعة ومساندتها في كل مراحلها, فهي مثلا تسهم في شراء المواد الخام للمصانع وتمول عمليات الإنتاج بها وتقوم بكل خدمات التسويق, حتى إن المنتج قد انحصر دوره في عملية تطوير الإنتاج وكله ثقة في مرحلة ما بعد الإنتاج. ومن المهم في هذا الإطار كذلك انتهاج استراتيجية ذات توجه تصديري, لأن استراتيجية إحلال الواردات والتي تطبق حتى الآن في معظم الدول النامية تركز أساسا على السوق الداخلية, ومن ثم فإنها تهتم بإنتاج السلع الاستهلاكية. غير أن الانتقال إلى مرحلة متقدمة من التصنيع بإنتاج السلع الوسيطة والرأسمالية, وهو المأمول تحقيقه لصناعة الإمارات, يتطلب سوقا أوسع حتى تتم الاستفادة من مزايا الإنتاج الكبير, وهذا لا يعني إهمال السوق الداخلية, إذ ليس من المتصور أن تتمتع أية صناعة بقدرة تنافسية في السوق العالمية دون أن يسبق ذلك تفوقها في سوقها الوطنية. وبالطبع يلزم لإنجاح هذه الاستراتيجية توافر شروط عدة, أهمها واقعية سعر الصرف, وإلغاء الحماية الجمركية عن طريق القيود الكمية, والاعتماد أساسا على فئات التعرفة الجمركية المعتدلة, والتركيز على الصناعات الواعدة ذات الميزة النسبية, وإعطاء دور قيادي للقطاع الخاص, ثم التركيز على رفع مستوى التعليم. * المحلل الاقتصادي رأفت المغربل يقول إن بداية مراحل التصنيع في الدولة اتجهت إلى تلبية احتياجات السوق المحلية في المقام الأول, وتطورت في ما بعد بشكل كبير لتصل إلى مرحلة التصدير والمنافسة الخارجية, وساعد على ذلك التشريعات المشجعة ومناخ الاستثمار الجيد. مضيفا أن الدولة توفر العديد من الحوافز للاستثمار, وخاصة في مجال الصناعة, ومنها تطور وسائل النقل والمواصلات والاتصالات وتوفر الطاقة, والإعفاء الضريبي, حيث تعفى المنشآت الصناعية الوطنية من أية ضرائب أو رسوم على الأرباح أو الإنتاج, باستثناء بعض الرسوم التي تتقاضاها الجهات المعنية بإصدار الرخص وتجديدها سنويا, كما لا توجد قيود على تحويل الأرباح أو رؤوس الأموال. كذلك فإن واردات المشروعات الصناعية من الآلات والمعدات والمواد الأولية تعفى من الرسوم الجمركية, كما تعفى صادراتها من المنتجات كاملة الصنع أو نصف المصنعة من تلك الرسوم. وكل ذلك يمثل عوامل جذب لرؤوس الأموال. ويوضح المغربل أن توفر التمويل المحلي للمشروعات الاستثمارية, من خلال مؤسسات تمويلية محلية, يعد من المزايا المهمة, حيث يقدم المصرف الصناعي بالدولة قروضا ميسرة ويقوم بإعداد دراسات الجدوى للمشروعات الصناعية, وكذلك تسهم المصارف التجارية بدور فعال في عملية تمويل الأنشطة والمشروعات الاستثمارية. إضافة إلى ذلك تتوفر في الدولة القوانين والنظم والتشريعات اللازمة لممارسة الأنشطة الاقتصادية, وتهيئة المناخ المناسب للمستثمرين المحليين والأجانب وتنظيم مختلف الأنشطة الاقتصادية. مشيرا إلى أن الإمارات تعد من أوائل الدول التي أولت قطاع الاستثمار الأهمية اللازمة, وبذلك ضمنت توفر المناخ الاستثماري الجاذب للاستثمارات, مما أسهم في توطين رؤوس الأموال الوطنية والحيلولة دون هروبها, وجذب المستثمر الأجنبي الذي وجد في هذا المناخ الجيد بيئة مناسبة لإقامة مشروعات جديدة واستثمارات في مجالات مختلفة, وأدى ذلك إلى تحقيق فوائد عديدة للاقتصاد الوطني ونجاح سياسة الدولة في هذا القطاع. ويضيف أنه رغم كل تلك المزايا والتسهيلات والتي هيأت للدولة مناخا استثماريا جيدا, إلا أن المرحلة المقبلة تتطلب توفير المزيد من المزايا والتسهيلات الاستثمارية, وإجراء تعديلات على بعض القوانين السائدة حاليا, وتنظيم الحياة الاقتصادية بالدولة بما يتماشى مع اتفاقيات منظمة التجارة العالمية التي ستفتح الأسواق أمام تدفق السلع والمنتجات ورؤوس الأموال دون أية قيود. لكن ذلك لا يمنع أن يكون الاقتصاد الإماراتي أكثر اقتصادات دول المنطقة استعدادا للاندماج مع الاقتصاد العالمي والتعامل مع تحرير التجارة العالمية, نظرا لسياسته الاقتصادية المرنة وأسواقه المفتوحة. * رجل الأعمال محمد عبدالله العتيبة, يرى أن دولة الإمارات بما تتمتع به من مؤهلات تتوفر بها فرص جيدة للاستثمار, إضافة إلى المناخ الاستثماري المناسب, حيث إن الأجواء الاستثمارية تعد الأكثر جذبا مقارنة مع دول أخرى بالمنطقة. لكن على الرغم من توافر المقومات اللازمة لجذب الاستثمارات وتشجيعها بالدولة, إلا أنه يجب إيجاد فرص جديدة للاستثمار, وبشكل كبير ومتنوع وفي مختلف القطاعات. مشيرا في هذا الصدد إلى أنه يمكن التفكير في منح مزيد من الامتيازات للمستثمرين, وخاصة الكبار منهم, وأن تكون بشكل دائم للذين يستثمرون أموالا ضخمة وبشكل خاص في القطاعات الحيوية التي تحددها الدولة لهؤلاء المستثمرين. ويوضح العتيبة حقيقة أن المناخ الملائم للاستثمار في الدولة لا يعني أن تكون استثمارات رجال الأعمال والمستثمرين المحليين كلها داخل الدولة, لأنه من طبيعة الاستثمار التنوع حتى يمكن التقليل بقدر الإمكان من المخاطر التي قد يتعرض لها المستثمرون, وللحرص على الوصول إلى أسواق أكبر لتسويق المنتجات. مؤكدا أن اتجاه رؤوس الأموال الوطنية إلى الاستثمار في القطاع النفطي بالخارج, يعود إلى عدم وجود القوانين والتشريعات الوطنية التي تسمح للقطاع الخاص بالدخول إلى هذا القطاع الذي يعد حكرا على الحكومة فقط. ويقول إنه رغم الأهمية التي تمثلها ضرورة وجود قانون وتشريع خاص للاستثمار بالدولة, إلا أنني أرى أن عدم إقراره حتى الآن لم يؤثر سلبا في العملية الاستثمارية بالدولة, نظرا لسياسة التجارة الحرة والانفتاح الاقتصادي التي تنتهجها الدولة منذ تأسيسها, والتي أتاحت حرية كاملة لدخول وخروج الأموال وإقامة المشروعات دون أية قيود أو معوقات مثل ما هو موجود في بعض الدول الأخرى. وساعد على ذلك أن الدولة يوجد بها العديد من الفرص الاستثمارية الواعدة, والتي يمكن تنفيذها من خلال عشرات المشروعات, وخاصة في مجال البنية التحتية وما تتطلبه من استثمارات ضخمة جدا. ويرى أن المتغيرات والظروف الاقتصادية التي سوف تفرضها المرحلة المقبلة نتيجة العولمة وانفتاح الأسواق, تتطلب توفير المزيد من المزايا والتسهيلات الاستثمارية وطرح أفكار استثمارية جديدة ومشروعات غير تقليدية. ولابد إذن من وضع خطط استثمارية لجميع القطاعات الاقتصادية بالدولة, وخاصة تلك التي تسهم في عملية التنمية الاقتصادية مثل السياحة والصناعة التي لاتزال تعاني من انخفاض حجم الاستثمارات الموجهة لها, رغم الأهمية التي تحظى بها في مختلف الاقتصادات العالمية. ويدعو إلى ضرورة تقديم مساعدات للراغبين في الاستثمار داخل الدولة, سواء المستثمرون المحليون أو الأجانب, من خلال تقديم التسهيلات اللازمة لتحقيق النجاح للمشروعات والتنسيق بين المشروعات الخاصة والحكومية, إضافة إلى وجود دعم لمساعدتهم في تسويق منتجاتهم. ويقول العتيبة إن بدء تشغيل البورصة في الإمارات سيكون له تأثيره الإيجابي والفعال في إفادة الأجواء الاستثمارية, وستكون البورصة قناة جيدة لتشجيع الاستثمارات وجذبها وستسهم في تأسيس مشروعات جديدة وطرحها للاكتتاب العام. كما يمكن أن تكون أكثر فعالية إذا ما تم فتحها أمام الأجانب للاستثمار, والاستفادة من أموال المقيمين داخل الدولة في مشروعات تصب في عملية التنمية الاقتصادية. حيث من الضروري تشجيع المقيمين على الإنفاق والاستثمار محليا بدلا من تحويل مدخراتهم إلى الخارج, والسماح لهم بإقامة بعض أنواع المشروعات التي تتناسب مع قدراتهم وإمكانياتهم المالية. إضافة إلى ذلك فإن التوسع في الخصخصة بالدولة وطرح أسهم الشركات الجديدة التي يمكن إقامتها في المرحلة المقبلة, سيشكلان عاملي جذب مهمين لرؤوس الأموال الوطنية والأجنبية. * رجل الأعمال سيف سلطان العواني, يؤكد ضرورة إنشاء جهة أو هيئة تختص بالاستثمار وتكون معنية بالدرجة الأولى بتحديد نوعية المشروعات الاستثمارية في مختلف المجالات, من خلال توفير المعلومات والبيانات اللازمة أمام رجال الأعمال والمستثمرين ومساعدتهم في إعداد دراسات الجدوى. والأهم من ذلك فإن المرحلة المقبلة تتطلب وجود قانون خاص بالاستثمار يعنى بكافة جوانب وشئون هذه العملية الاقتصادية المهمة, ويحدد كافة الشروط والواجبات والحقوق الخاصة بالمستثمرين, وكيفية دخولهم المجال الاستثماري دون أية مشكلات أو معوقات. ويقول العواني إن تطبيق اتفاقيات منظمة التجارة العالمية وما تنص عليه صراحة من تحرير كامل لانتقال الأموال والاستثمارات, يتطلب الاستعداد لهذه المرحلة بما يتلاءم مع المعطيات الجديدة التي تقررها حيث ستكون الأبواب مفتوحة أمام دخول الشركات والأفراد, الأمر الذي يتطلب ضرورة تهيئة الظروف والأجواء للتعامل معها ومحاولة الاستفادة منها. وبالتالي فإنه يجب التفكير بجدية في منح مزيد من التسهيلات لتوجيه وجذب الاستثمارات الصناعية, وخاصة في الصناعات غير التقليدية والتي تستخدم تكنولوجيا متقدمة وتعتمد على مواد خام متوفرة لدينا وتتمتع فيها الدولة بمزايا تنافسية, مما يسمح بإنتاج منتجات تتميز بالجودة العالية وأسعار منافسة. ويوضح أنه في إطار منظمة التجارة العالمية يمكن من خلال المستثمرين المحليين بالاشتراك مع نظرائهم الأجانب أن نقيم مشروعات جديدة غير متواجدة بالسوق المحلية, وأن نستفيد بذلك من التقنيات المتطورة التي يجلبها أولئك المستثمرون. ويجب الاستفادة من الفترة الانتقالية لاستثمار هذه الاستثمارات الأجنبية بشكل فعال, لأنه بعد مرور المزيد من السنوات فإنه يجب أن نعامل هذه الاستثمارات معاملة الاستثمارات الوطنية نفسها. لذا يجب إيجاد قانون خاص للاستثمار يحدد الشروط اللازمة له في ضوء المعطيات والإفرازات الجديدة التي تتطلب حتما إعادة النظر في شرط الملكية الحالي وهو 51% للشريك المواطن و49% للأجنبي, وعلى هذا يمكن التفكير في جعل هذه النسب متساوية مادامت تعد أحد الشروط المانعة أو غير الجاذبة للاستثمار في الدولة. وإلى حين التفكير في تعديل هذه النسبة ـ يقول العواني ـ فإن المجال مفتوح أمام المستثمرين للتوجه باستثماراتهم إلى المناطق الحرة والاستفادة من المزايا العديدة التي توفرها, والمتمثلة في امتلاك المشروعات بالكامل للمستثمرين, وسهولة الإجراءات الخاصة بالتراخيص, وعدم وجود قيود على المسائل المتعلقة بالكفالة, إضافة إلى حرية تحويل رأس المال والأرباح, والإعفاء من الضرائب والرسوم الجمركية على المواد الأولية وغيرها من الأجهزة والمعدات. * رجل الأعمال حسين النويس, رئيس مجموعة الإمارات القابضة, يقول إن الاستثمارات التي يجب الترويج لها هي تلك التي تؤدي إلى قيام شركات ومؤسسات استثمارية ذات رؤوس أموال كبيرة, والتي يمكن أن تؤدي بدورها إلى إقامة قاعدة صناعية بالدولة. ويجب أن تكون الاستثمارات الصناعية ذات قيمة مضافة مرتفعة, وتستخدم تقنيات متطورة وحديثة, وتعتمد على تشغيل أيد عاملة محدودة وليست كثيفة كما هو حاصل حاليا في بعض الصناعات, حيث تستطيع الدولة من خلال هذه المشروعات أن تطور وتنمي كفاءات وطنية من الجيل الجديد الذي يفترض أن توجد له فرص عمل في هذا المجال, خاصة في ظل التوجهات الحالية لتطوير التعليم الفني. ويشدد النويس على أهمية إعطاء الأولوية والتركيز على الصناعات التي تعتمد بشكل خاص على المواد الخام الأولية الموجودة بكثرة داخل الدولة ولا يتم استيرادها من الخارج, باعتبار أن ذلك يمثل ميزة تنافسية في صالح الصناعة الوطنية, الأمر الذي ينعكس على إعطاء الميزة نفسها للمنتجات, وعلى سبيل المثال تلك الصناعات التي تعتمد على التمور وتعليب الأغذية المحفوظة وصناعة البتروكيماويات. مؤكدا ضرورة الابتعاد تماما عن الصناعات التي حدث تشبع بها في السوق, وتلك المشروعات والصناعات التقليدية المنتشرة بالدولة. كما يمكن للقطاع الخاص الوطني أن يلعب ويقوم بدور فعال في إنشاء وتأسيس هذه الصناعات وفي مشروعات أخرى, من أجل استيعاب جانب من السيولة الضخمة المتاحة لدى الدولة وتوفير فرص استثمارية جديدة للإسهام في عملية التنمية الاقتصادية بالدولة. ويرى أن القطاع الخاص المحلي لديه القدرات والإمكانيات التي تؤهله لتحمل مسئولية المشروعات الضخمة والعملاقة, بما لديه من إمكانيات بشرية ومادية هائلة واعتماده على أجيال متتابعة من رجال الأعمال الأكفاء الذين تحملوا مسئوليته منذ أكثر من ثلاثة عقود مضت, مما مكنه من التعامل بكفاءة مع مختلف المجالات الاستثمارية وأن يثبت بالفعل نجاحا كبيرا ومهما في إدارتها. ويضيف حسين النويس أن الجهات المعنية, وعلى رأسها غرف التجارة, يجب أن تأخذ زمام المبادرة للترويج للفرص الاستثمارية بما تملكه من قدرات وإمكانيات, وباعتبارها الجهة المعنية والمسئولة عن رعاية مصالح ودعم القطاع الخاص بالدولة. كما يقع على اللجنة الاستشارية العليا للتطوير في أبوظبي دور كبير في بحث المشكلات والمعوقات التي قد تواجه المستثمرين المحليين والأجانب, من خلال ما تقوم به من دراسات في هذا الشأن من قبل المختصين والخبراء من أجل تسهيل الإجراءات المطلوبة للتراخيص. ويشير إلى أن أهم الصعوبات التي يمكن أن تواجه الاستثمار في الدولة هي محدودية نظرة المستثمرين ورجال الأعمال, وتركيزهم المستمر والدائم على تلك المجالات التقليدية كالاستثمار في الأسهم والعقارات والودائع المصرفية, وبعدهم عن الدخول إلى مجالات استثمارية غير تقليدية, وخاصة المشروعات التي تستلزم قدرات وإمكانيات فنية وإدارية وتسويقية, أي أنهم يبحثون عن الطريق الاستثمارية السهلة وليست الصعبة للابتعاد بأنفسهم عن المخاطر. * رجل الأعمال حمد راشد الهاجري, يؤكد أن الدولة لاتزال في حاجة إلى مزيد من الاستثمار في القطاع الصناعي, نظرا لأنها لم تحقق بعد الاكتفاء الذاتي في الكثير من احتياجاتها التي لاتزال تستورد من الخارج, الأمر الذي يتطلب إقامة المشروعات الصناعية لتحقيق هذا الهدف, ومن ثم التصدير للخارج لأنه أصبح من المطالب الرئيسة التي يجب على الدولة الاهتمام بها. ويقول إن الدخول إلى هذا القطاع يتطلب إمكانيات مالية ضخمة, وهي متوافرة لدى البعض, ولكن يجب على الدولة تقديم وتوفير مزيد من التسهيلات, خاصة في ما يتعلق بعملية التمويل وخاصة لصغار المستثمرين مثلما يحدث في بعض دول المجلس, لأنهم في حاجة حقيقية للدعم, سواء من قبل المؤسسات المالية المتخصصة كالمصرف الصناعي, أو صندوق التنمية الصناعية التابع للمؤسسة العامة للصناعة بأبوظبي, أو من قبل المصارف التجارية العاملة بالدولة, والتي يجب عليها الإقلال من الشروط المطلوب توافرها لدى المستثمرين المتقدمين للحصول على ائتمان بغرض الاستثمار الصناعي حتى نشجعهم على دخول هذا القطاع الاقتصادي الحيوي. ويضيف أن الإمارات تمتلك العديد من المزايا الاستثمارية التي جعلت منها أحد أكثر الدول جذبا للاستثمارات في المنطقة, نظرا لما تتميز به من موقع فريد تتوسط من خلاله سوقين مهمتين في أفريقيا وآسيا, مما مكنها من أن تكون جسرا لحركة التجارة وإعادة الصادرات في المنطقة لعدد من الأسواق الرئيسة في العالم, كالمجموعة الأوروبية وهونج كونج وسنغافورة والولايات المتحدة, علاوة على المزايا الأخرى كانخفاض الرسوم الجمركية, والتي لا تتعدى 4% على معظم الواردات, وإعفاء السلع والمواد الخام اللازمة لعمليات التصنيع, ووجود العمالة الكافية والمدربة من مختلف التخصصات الفنية وبأجور منخفضة. ويؤكد الهاجري أن وجود عدة جهات وأجهزة حكومية معنية بمجال الاستثمار يؤدي إلى عرقلة الاستثمارات وإقامة المشروعات بالدولة, لأن ذلك يؤدي إلى وجود معوقات بيروقراطية طاردة للاستثمارات نتيجة كثرة الإجراءات وطول الوقت الذي تستغرقه, وذلك من الأسباب الرئيسة والمباشرة لهروب الاستثمارات وإحجامها عن الدخول إلى أسواق الدولة. وينبغي هنا الاستفادة من تجارب بعض الدول في هذا المجال, وأن توضع آليات لتنظيم هذه العملية, كما يجب التفكير في وضع قانون خاص للاستثمار بالدولة ليكون الإطار التشريعي الذي ينظم العملية الاستثمارية, ويمكن من خلاله تلافي أية ثغرات قائمة حاليا. ويشدد على ضرورة إحداث نوع من التنسيق بين الجهات المحلية والاتحادية المعنية بالاستثمار, والعمل على وضع خطة واستراتيجية استثمارية للدولة ككل حتى لا يحدث تعارض بين المشروعات التي يتم تنفيذها في كل إمارة مع الأخرى, وحتى يكون الهدف واحدا من وراء الاستثمارات على مستوى الدولة ككل.