الأخطار الناجمة عن تفاوت مستويات الدخول بين الأقاليم الاقتصادية ، للوصول إلى نظام تجاري عالمي مناسب لابد من تحسين قواعد اللعبة

على الرغم من أن هناك قدرا من النجاح تم تحقيقه في مجال مواجهة معدلات الفقر العالية في مختلف أرجاء العالم, إلا أن الخطوات التي تم اتخاذها في هذا الشأن اتسمت بالبطء وعدم الانتظام, وكذلك اختلاف جديتها وتأثيرها من منطقة لأخرى. ولذا فإنه لايزال هناك الكثير الذي يتحتم علينا إنجازه, في الوقت الذي لا يبدو فيه المستقبل مشرقا في ظل الوضع الحالي. ولجعل الصورة أوضح في هذا الشأن, يمكن أن نستعين ببعض الحقائق والأرقام التي تعرض حقيقة الأزمة التي لايزال العالم يواجهها مع بدء القرن الواحد والعشرين. فإذا نظرنا إلى مستوى دخول الأفراد, نجد أن هناك تيارين تمت ملاحظتهما في العشر سنوات الماضية. وإذا نظرنا إلى الأمر بالنسب المئوية نجد أن الصورة تبدو إيجابية, فنسبة سكان الدول ذات الاقتصادات النامية والانتقالية, الذين يعيشون بدخول يومية تقل عن دولار أمريكي واحد, انخفضت من 28% العام 1987 إلى 24% في العام 1998. إلا أن العدد المتزايد لشعوب العالم قد مثل بدوره تحديا ضخما لنا جميعا. فالعدد الحقيقي لهؤلاء الذين يعيشون في فقر مدقع استمر على معدله الذي يصل تقريبا إلى 2.1 مليار نسمة, ارتفع بالفعل من أقل من 880 مليون إلى 980 مليون في العشر سنوات الأخيرة. وإضافة إلى ذلك فإن العدد الكلي لهؤلاء الذين يعيشون بدخل يومي يبلغ دولارين أمريكيين يبلغ الآن نحو 3 مليارات نسمة, وهو ما يقترب من نصف سكان العالم! وفي الوقت نفسه نجد أن هذه الأرقام والإحصاءات تخفي وراءها اختلافات وتباينات واسعة بين مختلف أقاليم العالم, حيث نجد أن منطقة شرق آسيا والباسيفيك قد شهدت انخفاضا كبيرا في عدد هؤلاء الذين يعانون الفقر. فباستثناء الصين, نجد أن عدد هؤلاء الذين يعيشون بدخول يومية تقل عن دولار أمريكي واحد, قد انخفض بشدة من 418 مليون نسمة إلى 278 مليون نسمة في الفترة ما بين العام 1987 و1998. في الوقت الذي نجد أن جميع مناطق العالم الأخرى قد شهدت زيادة في عدد هؤلاء الذين يعيشون في مستوى الدخل نفسه, ففي دول جنوب الصحراء الأفريقية, نجد أن عدد هؤلاء الذين يعيشون بالدخل نفسه ارتفع في الفترة نفسها من أقل من 220 مليون إلى 290 مليون نسمة. وكانت الزيادة أيضا كبيرة في دول جنوب آسيا حيث بلغت 48 مليون, وكذلك في دول الاقتصادات الانتقالية في شرق أوروبا ووسط آسيا, حيث بلغت الزيادة في عدد هؤلاء 23 مليون نسمة, وبلغت الزيادة في أمريكا اللاتينية والكاريبي نحو 14 مليون نسمة. وفي ظل هذه الظروف لا يبدو المستقبل مشرقا على الإطلاق. فطبقا لتقديرات أوردها البنك الدولي, تبين أنه بقدوم العام ,2008 فإن ما يقرب من 2.1 مليار نسمة من شعوب العالم ربما سيعيشون أيضا, في ظل مستوى الدخول نفسها التي تقل عن دولار واحد يوميا. وطبقا للتقديرات نفسها, فإن دول أمريكا اللاتينية والكاريبي ودول جنوب الصحراء لن تشهد تحسنا في مستوى هؤلاء الذين يعيشون في فقر مدقع. وواقع الأمر يشير إلى أن هذا العدد من هؤلاء الذين يعيشون بمستوى الدخل المشار إليه آنفا, سيرتفع في دول جنوب الصحراء بنحو 40 مليون نسمة. هذه الأرقام بلا شك تدعونا إلى مناقشة السبل والطرق التي يتعامل بها العالم مع موضوعات قضايا التنمية, وتجعل من الحتمي إعادة التفكير في قضية الفقر التي لاتزال بلا حل, على الرغم من النمو الاقتصادي الذي تشهده الكثير من دول العالم, والتي بدورها تعكس مشكلة عدم المساواة في الدخول داخل الدول نفسها, وبالتالي عدم تكافؤ الفرص. فما هو السبب وراء هذه المشكلات؟ السبب هو غياب استثمار رؤوس الأموال البشرية, وعدم الاستفادة من قدرات الجنس البشري من خلال توفير فرص تعليمية أفضل وخدمات صحية على مستوى مناسب. ويجب أن يتم الأخذ في الاعتبار أن هناك علاقة تبادلية بين الفقر والنمو, فالنمو السريع يعتبر ضروريا وشرطا أساسيا للتغلب على وطأة الفقر وخفض معدلاته, وفي الوقت نفسه يؤدي استمرار حالات ومعدلات الفقر وعدم تكافؤ الفرص إلى خفض معدلات النمو. ويقوم البنك الدولي بعملية إعادة التفكير في استراتيجيات عمليات التنمية, وذلك بهدف مساعدة الدول الأعضاء على تحسين استراتيجياتها في هذا الشأن, والعمل على إحداث نوع من التنسيق في ما بينها للوصول إلى الهدف المرجو. وعملية إعادة التفكير هذه تتطلب أخذ التحديات الجديدة التي يفرضها مفهوم العولمة في الاعتبار, وكذلك التغيرات الشديدة التي تجتاح العالم في هذه الآونة. وليست هناك حاجة إلى التأكيد على التأثير الكبير الذي يحدثه مفهوم العولمة, وما سيترتب على هذا التأثير من تغيرات وتحولات في الاقتصاد العالمي. ولذا فمن المستحسن هنا إلقاء الضوء على ما يمكن فعله من أجل مساعدة الدول النامية, كي تستطيع أن تجني أكبر فائدة ممكنة من النظام التجاري العالمي, وهناك على الأقل أربع نقاط على درجة من الأهمية في هذا الخصوص: ـ العولمة أصبحت شيئا لا مفر منه يجب التعامل معه وتطويعه من أجل مواجهة قضايا التنمية ومكافحة الفقر. وكلمة السر في هذا الشأن يجب أن تكون مواجهة العولمة بطابع إنساني, يمكن من خلاله نشر المساواة الاجتماعية والعمل على تخفيف المعاناة التي يلقاها فقراء العالم. ـ يعتبر التوسع التجاري أحد العناصر المهمة لمفهوم العولمة, إلا أن قلة فقط من دول العالم هي التي تدرك هذا الأمر وتعلم كيف تستفيد منه لمواجهة والتغلب على مشكلاتها. وفي هذا النطاق تبرز أهمية التحرير التجاري حتى يتسنى مد يد العون إلى الدول الأشد فقرا, وتمكينها من الوصول بشكل أفضل وأكثر إيجابية إلى أسواق العالم. ـ يعتبر (النمو) أيضا أحد المتطلبات الرئيسية للتغلب على مشكلات الفقر, وهنا يبرز دور السياسات الاقتصادية الشاملة. فالتحرير التجاري ليس العلاج الوحيد لمشكلات الدول الفقيرة أو السبيل الوحيد للقضاء على الفقر. فإذا أردنا للتحرير التجاري أن ينجح, يجب على الحكومات أن تمد يد العون وتعمل على الإسهام بمجهودات إضافية, في مجالات البنية التحتية, وإحداث الإصلاحات الاستثمارية والإدارية المطلوبة, والنهوض بالتعليم والخدمات الصحية. ـ وأخيرا هناك ما يسمى بتحسين قواعد اللعبة, فمن أجل أن نتوصل إلى نظام تجاري عالمي مناسب وشامل, علينا أن نولي اهتماما خاصا للمشكلات الحالية للدول النامية, ومساعدتها على تنمية خبراتها وقدراتها على المشاركة في عمليات اتخاذ القرارات, ومدها بالخبرات اللازمة التي تجعل لها وجودا قويا وإيجابيا داخل دوائر صنع القرار وتمكنها من تنفيذ التزاماتها.

تعليقات

تعليقات