واصل مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي السير في اتجاه الرفع البطيء لأسعار الفائدة في محاولة من آلان جرينسبان لتهدئة النشاط المحموم في الاقتصاد الأمريكي, ولم يكتف جرينسبان بالزيادة الخامسة لأسعار الفائدة, بل أعلن ان مزيداً من الاجراءات ينتظر اتخاذها خلال الفترة المقبلة. وعلى الرغم من ان التضخم يبقى منخفضا إلا فيما يتعلق بأسعار النفط, فان المسئولين الأمريكيين يعبرون عن قلقهم من ان النمو السريع يمكن ان يتسبب في أوجه خلل تضخمية تؤدي الى هزات قوية في التوسع الاقتصادي القياسي, وباستثناء مؤشرات تعول ان معدلات النمو ستشهد تراجعا واضحا خلال الشهرين المقبلين, فإنه من المؤكد ان الاحتياطي الفيدرالي سوف يتحرك في الاتجاه نفسه عندما يلتقي صانعو السياسة بالمجلس ثانية في 16 مايو. وإذا ما حدثت الزيادة السادسة, فان ذلك يعني ان المعدل الذي تطبقه البنوك عند إقراض بعضها البعض لليلة واحدة سيصل الى أعلى مستوى له منذ أوائل عام ,1991 عندما ساعد الاحتياطي الفيدرالي على دفع الاقتصاد الى حالة من الركود. من جانبها تستعد المصارف المركزية الأوروبية لما بعد قرار الاحتياطي الفيدرالي, وذلك لأن القرار يمكن ان يتسبب في إحداث موجة جديدة من الزيادة في معدلات الفائدة على الجانب الأوروبي من المحيط الأطلسي. (البيان) تعرض هنا وجهات نظر حول القرار وتأثيراته المختلفة. هناك جدل كبير حول الاقتصاد الجديد والاقتصاد التقليدي والعلاقة بينهما في الوقت الحالي في الولايات المتحدة والمؤسسات المالية الكبرى وهيئات التوقعات الاقتصادية أيضا. وأطلق المراقبون في واشنطن على هذا الوضع الاقتصادي الاقتصاد المتشعب أو المزدوج, حيث يمثل الاقتصاد الجديد الاقتصاد القائم على التكنولوجيا, بينما يعتمد الاقتصاد التقليدي أو القديم على المؤسسات والشركات الراسخة مثل دوبونت وبوينج وكاتر بيلار, التي تعتبر أقل نشاطاً وحيوية من شركات التكنولوجيا المعلوماتية الفائقة. وينعكس ذلك في التدفقات المالية الاستثمارية على شركات التكنولوجيا, التي يمثلها مؤشر ناسداك الذي يضم الاسهم الجذابة, بينما يشمل مؤشر داو جونز أسهم الشركات التقليدية الصناعية, ولذلك تعاني هذه الاسهم من انخفاض الاستثمارات نظراً لتدفق غالبيتها على اسهم شركات تكنولوجيا المعلومات. وقد أدى ذلك الى حالة من عدم الاستقرار في أسواق الأسهم, إضافة الى تطورات مالية واقتصادية غير متوقعة يحتمل ان تحدث. وتحدث كثيرون عن اقتصاد الفقاعة الخطير في قطاع التكنولوجيا الفائقة وسوق الاسهم ومؤشر ناسداك الذي يعكس وضع شركات الانترنت, وحذر البعض من أخطار محدقة ليس فقط بسوق الاسهم, بل باحتمالات وقوع أزمة دولار وكساد اقتصادي في الولايات المتحدة أكبر اقتصاديات العالم, وتنعكس هذه الرؤية في قرار البنك المركزي الأخير برفع أسعار الفائدة وما صرح به محافظ البنك آلان جرينسبان بأن هناك تضخما في سوق الأسهم حالياً. وانتقدت صحيفة واشنطن بوست هذه الخطوة ونقلت الصحيفة عن أحد منتقديه قوله ان جرينسبان يقيم دور البورصة بشكل مزدوج, ويقول التقرير: ان جرينسبان يتبع سياسة تهدف الى كبت الارتفاع في الاسهم في الوقت الذي يقول فيه ان المصرف المركزي لا يستهدف أسعارها. وقال جرينسبان ان الهدف من رفع اسعار الفائدة هو تهدئة سوق الاسهم المحمومة قبل ان يؤدي الى تضخم يمثل مشكلة, وقال تقرير واشنطن بوست ان جرينسبان يرى ان البورصة تمثل مشكلة بالفعل, وقال أمام الكونجرس انه لا ينبغى ان يكون هبوط أسعار الاسهم شرطاً لبطء وانخفاض النمو الاقتصادي الى معدل مستقر ومستدام, الحقيقة ان جرينسبان يحاول تهدئة معدل ارتفاع أسعار الاسهم في الوقت الذي يصل فيه نمو الاقتصاد الحقيقي الى معدلات تلحق بنمو البورصة, هذه الخطوات تهدف الى تناسب الفقاعة أو التضخم في أصول البورصة مع الأداء الاقتصادي الطبيعي وليس فقط وقف نشاط المضاربة من خلال رفع أسعار الفائدة. التحول الى التجارة الالكترونية بين الشركات من أهم جوانب هذا الجدل هو التجارة الالكترونية بين الشركات التي احدثت ثورة في التجارة والاستثمار, لقد فاقت صفقات المشتروات عبر الانترنت بين الشركات المشتروات الاستهلاكية العادية, حيث جعلت تقنيات الانترنت من السهل على المشروعات والشركات الصغيرة الدخول في هذا المجال, ولم يكن الأمر حكراً على المؤسسات الكبرى متعددة الجنسيات التي دخلت مجال التجارة الالكترونية من بضع سنوات. تطورت البرمجيات خلال العام ونصف العام الماضيين كما تطورت تكنولوجيا المعلومات بما رفع طاقة المشروعات والشركات الصغيرة عشرات الآلاف من الأضعاف عبر الولايات المتحدة, وسوف يؤدى هذا السوق الى نمو هائل آخر في الانتاجية الاقتصادية الأمريكية على مدى الأعوام الخمسة المقبلة تقريباً. تسمح هذه التقنيات للشركات الصغيرة بالاتصالات المباشرة والمستمرة ببعضها عن طريق الانترنت, ويؤدى الانفجار في التجارة الالكترونية بين الشركات في الاقتصاد الأمريكي الى ثورة في إدارة الأعمال التجارية والمشتروات والمبيعات والتسويق وخدمات العملاء, ويقول الاستشاريون ان الشركات حققت وفراً بنسبة 30 ـ 40% من تكلفة العمليات التجارية خلال هذا النوع من التجارة, ومن الطبيعي جداً ان تصل نسبة خفض التكلفة خلال الصفقات عبر الانترنت الى 15% على الأقل, وتقدر شركة أنتل للحواسيب ان لديها ميزة نسبية بنسبة 100% على مناسبها خارج الانترنت من حيث تكلفة المخزون السلعي. وعملية التجارة الالكترونية بين الشركات هي عملية ذاتية الدفع وتزداد كفاءة مع مرور الوقت ويزداد عدد الشركات التي تدخل فيها باستمرار مما يخلق أنماطاً اقتصادية جديدة ويزيد من سرعة تداول السلع في الاقتصاد (الحقيقي) , ويؤدى ذلك الى رفع انتاجية الشركات لدرجة لاتستطيع الهيئات المعنية قياسها. وقامت شركة فيدكس على سبيل المثال بنقل كل أعمالها التجارية عبر شبكة الانترنت وتقوم بإبرام أكثر من مليوني صفقة يومياً مع أكثر من 200 دولة في انحاء العالم ويبلغ معدل الدقة في التسليم 99%, وهناك امثلة اخرى ناجحة في هذا المجال مثل شركة سيسكو سيستمز وغيرها. حتى شركات ما يسمى بالاقتصاد التقليدي أو القديم مثل بوينج للطائرات غيرت أيضا من اساليبها التجارية ودخلت في مجال التجارة الالكترونية عبر الانترنت خاصة في مجال تجارة قطع الغيار, مما خفض التكلفة بشكل كبير. وتشير هذه الأمثلة الى التحولات الجارية في طبيعة الاقتصاد حالياً, والتي بدأت منذ عام ,1994 هذا التحول والتغير الاقتصادي يتميز بالقدرة غير المحدودة فضلاً عن آثاره الهائلة على زيادة الانتاجية في جميع قطاعات الاقتصاد الأمريكي, وهذه هي مجرد بداية. فرص العمل في الاقتصاد الرقمي ومن المزايا الكبيرة أيضا في الاقتصاد الجديد القائم على تكنولوجيا الانترنت هي تمويل انتاجية الفرد في القطاعات الكبيرة من الاقتصاد الأمريكي الى فرص عمل فيما يسمى بصناعات تكنولوجيا المعلومات, وترجمته الى قيمة مضافة صافية الى اجمالي الناتج المحلي. وتعرف وزارة التجارة الأمريكية صناعات تكنولوجيا المعلومات بأنها انتاج ومعالجة ونقل معلومات عن السلع والخدمات وتشمل شركات انتاج الحواسيب الآلية والمعدات ذات العلاقة بها وشركات انتاج اشباه الموصلات وصناعات معدلات الاتصال التي توفر البنية الأساسية التي تسمح بالاتصال بين الحواسيب الآلية والسيرفر الذي يمكن من اجراء صفقات التجارة الالكترونية واستخدام الانترنت. في ظل هذا التعريف فإن قطاع معدات تكنولوجيا المعلومات في الولايات المتحدة أضاف 116 مليار دولار الى اجمالي الناتج المحلي الأمريكي عام ,1990 وبحلول عام 1995 ارتفع هذا النصيب الى 184 مليار دولار, وكان هذا هو العام الذي انطلقت فيه الانترنت في مجال التطبيقات التجارية, وظل النمو ينطلق بسرعة الصاروخ منذ ذاك العام, وبلغت القيمة المضافة من صناعات تكنولوجيا المعلومات عام 1996 ما قيمته 571 مليار دولار أو نسبة 5.7% من اجمالي الناتج المحلي وارتفعت عام 1998 الى 683 مليار دولار أو أكثر من 10% من اجمالي الناتج المحلي. وارتفع نصيب معدات تكنولوجيا المعلومات من اجمالي المعدات الرأسمالية (الانتاجية) في الاقتصاد الأمريكي الى أكثر من 35%, لكن هذه الأرقام تعبر عن الحجم المطلق في صناعة تكنولوجيا المعلومات وليس بأثرها على معدل الانتاجية في جميع قطاعات الاقتصاد الأمريكي. وكان النمو في فرص العمل في صناعة تكنولوجيا المعلومات مماثلاً, حيث بلغ عدد العاملين في هذا القطاع 3.7 ملايين في عام ,1996 سواء بشكل مباشر أو غير مباشر, وارتفع هذا الرقم في العام الماضي الى 13 مليونا, أي تضاعف في خلال ثلاثة أعوام, وهو معدل قياسي هو المسئول عن انخفاض معدل البطالة حالياً الى 4%, وأدى هذا الارتفاع في نمو فرص العمل الى نقص في العمالة الفنية الماهرة المؤهلة, والذي يرجع في الأساس الى نظام التعليم قبل الجامعي في الولايات المتحدة, وقد فشل هذا النظام خلال العقدين الماضيين في توفير خريجين على مستوى تقني عال. ويتم تعويض هذا النقص حالياً في مجالات مثل تعميم البرمجيات من أماكن مثل الهند أو حتى روسيا, وانخفض هذا النقص بسبب هجرات من آسيا لتوفير عمالة ماهرة وعلى كفاءة, ويوضح ذلك ان هناك بوادر ضغوط قد تؤدى الى تضخم في الأجور مستقبلاً, حذر منه آلان جرينسبان محافظ البنك المركزي, ويواجه حالياً النمو في فرص العمل مشكلة توفير العمالة المؤهلة التي قد تحد من هذا النمو إذا لم يتم معالجتها بشكل ناجح وسريع. لكن القطاعات غير التكنولوجية (الفائقة) التي توفر امكانية ترتيب الذرات في جزيئات وتجعل رقائق الكمبيوتر تنتج من الرمال أو الالماس من الفحم, هي عنصر حيوي أيضا للحفاظ على سرعة نمو الثورة الحاسوبية حتى ما بعد العقد الجاري. والأبعاد النانومترية (متناهية الصغر) هي التي تحمل الامكانات المستقبلية لإنتاج مواد جديدة قوية وخفيفة ودقيقة ويمكن ان تسمح هذه التكنولوجيا بانخفاض تكلفة التصنيع الى المستويات المطلوبة في المواد والطاقة. وما يسمى بتكنولوجيا ما بعد الليثوجرافية للتصنيع بعد الوسائل الليثوجرافية الحالية لإنتاج الشرائح متناهية الصغر والقوة. لقد أدت الوسائل الليثوجرافية الى مضاعفة قوة الشرائح كل 18 شهراً حتى وصلت الى المستوى الحالي, مما زاد من سرعة الثورة الحاسوبية. وتحمل التكنولوجيا النانومترية في طياتها وعوداً واحتمالات وإمكانات أكثر قوة واشراقاً. وأخيراً فإن عدم الاستقرار في البورصة وأسواق العملة سوف يظل قائماً, وقد بدأ المستثمرون في الاسابيع الاخيرة الى التحول الى اسهم الشركات الاقتصادية القديمة التقليدية, مما رفع مؤشر داو جونز الى معدلات قياسية ويبدو ان رسالة آلان جرينسبان لقيت استجابة غير أنه من الصعب توقع الاتجاه النهائي للسوق وكيف ستؤثر على الاقتصاد الأمريكي والعالمي. واشنطن ليوسكانلون