شهدت الأسابيع القليلة الماضية شدا وجذبا بين الدول المنتجة والمستهلكة حول مصير اتفاقية خفض سقف الانتاج المعمول بها حاليا والتي تنتهي آخر الشهر الجارى حيث يسعى المستهلكون بقيادة أمريكية للضغط على دول أوبك لزيادة الانتاج بنحو 5.2 مليون برميل يوميا اعتبارا من مطلع الشهر المقبل تحت دعاوى ومبررات مختلفة أهمها، الحيلولة دون حدوث انفجار سعري في أسواق البترول العالمية يؤثر سلبا على معدلات التضخم والنمو الاقتصادي في البلدان المستهلكة. ومن جهة أخرى تسعى الدول المنتجة الى تحقيق استقرار في أسواق النفط العالمية وتعويض الخسائر التي منيت بها بسبب الأزمة النفطية التي لحقت بها في العامين الماضيين وتجاوزت 50 مليار دولار.. مؤكدة أنه من غير المنطقي تجاهل مصالح المنتجين لحساب المستهلكين الذين لم يتحركوا للمطالبة بزيادة أسعار النفط للحد المعقول خلال الفترة التي هبط فيها الى ما دون 10 دولارات للبرميل. وحسبما يري خبراء متخصصون في الاقتصاد والنفط فإنه من المتوقع أن يسفر اجتماع الاوبك المقبل في 27 مارس الجاري عن قرارات بزيادة الانتاج بمعدل مليون برميل يوميا بأقل 5.1 مليون برميل عن الزيادة التي يقترحها المستهلكون بقيادة أمريكا. وشدد الخبراء على أهمية تحديد حجم زيادة الانتاج وموعد طرحه في السوق بدقة وحكمة دون أن يكون له تأثير سلبي على الأسعار في الوقت الذي يغطي فيه احتياجات الدول المستهلكة.. وأشاروا الى أن حجم المعروض العالمي من النفط حاليا يبلغ 75 مليون برميل يوميا بينما يقدر حجم الاستهلاك بنحو 77 مليون برميل بما يعني وجود فجوة في الاسواق تبلغ مليوني برميل يوميا. وتوقع الخبراء انخفاض الأسعار في الفترة المقبلة على نحو تدريجي لحين تحديد معدل زيادة الانتاج الذي بات شبه مؤكد عقب اتفاق المملكة العربية السعودية وايران على مساندة الدعوة إلى رفع سقف الانتاج.. وأكدوا أن الخطر الحقيقي الذي يهدد أسعار النفط ليس هو الارتفاع المضطرد في الأسعار. ذلك أن تلك الزيادات ترتبط بعوامل موسمية تبدأ في التلاشي بنهاية الشهر الجاري مع قدوم فصل الربيع ثم فصل الصيف.. وأوضحوا أن الخطر يكمن في بوادر الانقسام التي بدأت تظهر مع تأييد بعض الأعضاء لرفع سقف الانتاج ومعارضة أعضاء آخرين لمبدأ الزيادة والمطالبة باستمرار العمل باتفاقية خفض الانتاج لتعويض الخسائر الكبيرة التي لحقت بها في الفترة الماضية وأدت الى حدوث عجوزات في الموازنة وتقليص في معدلات النمو وتعليق العديد من المشروعات التنموية الحيوية.. وحذر الخبراء أن استمرار هذا الانقسام يهدد بانهيار التوحد في الاداء الذي شهدته أوبك منذ أواخر شهر مارس العام الماضي وكان سببا رئيسيا في اعادة التوازن لأسعار النفط في الأسواق العالمية. سياسة موحدة وشدد الخبراء على حتمية تبني سياسة انتاجية موحدة بين الدول الأعضاء في أوبك موضحين أن نجاح الدول المستهلكة وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية في شق صف الأوبك من شأنه أن يحول دون تحقيق أهداف المنظمة في حالة اتفاقها أواخر مارس على مد العمل باتفاقية خفض سقف الانتاج المعمول بها حاليا لاسيما في ضوء الرفض المتوقع لكل من المكسيك والنرويج وروسيا (الدول غير الأعضاء) الامتثال للقرار مما سيقلص من النتائج المرجوة من تمديد العمل بسقف الانتاج الحالي. بل على العكس سيرفع من مكاسب تلك الدول خارج الأوبك على حساب نظرائها من أعضاء الأوبك. وأشار الخبراء الى ارتباط المكسيك والنرويج وروسيا بتوازنات سياسية وتجارية واقتصادية حيوية.. كما أنها تعتمد على صادرات غير بترولية في اقتصادها الوطني علي عكس بلدان الأوبك الأمر الذي يجعل أرضية اتخاذ القرار مختلفة بين هذه البلدان. واعتبر الخبراء أن المستويات المرتفعة من الطلب العالمي على نفط الأوبك والتي تصل لنحو 3.37 مليون برميل يوميا يضمن بقاء الأسعار عند مستويات جيدة في حالة زيادة سقف الانتاج بواقع مليون برميل يوميا واستدل الخبراء على ذلك بالقول بأن السقف الرسمي لمنظمة الأوبك يبلغ وفق اتفاقية مارس العام الماضي حوالي 25 مليون و278 ألف برميل يوميا بينما يصل حجم الانتاج الفعلي لمستوي 5.26 مليون برميل بما يعني وجود تجاوزات في الانتاج تربو على مليون برميل يوميا لم تؤثر حتى الآن علي الأسعار التي حافظت على ارتفاعها وأضافوا أن أي زيادات تطرأ على المعروض النفطي خلال الربع الثاني من العام الحالي لن تؤثر على معدلات الطلب العالمي على النفط حيث يتجه المستهلكون في هذه الفترة من العام الى تدعيم مخزوناتهم استعدادا للشتاء التالي خاصة في ظل الانخفاض الحاد في مستويات المخزون خلال الأشهر المنقضية. وقال الخبراء أن معظم الدول الأعضاء في المنظمة نجحت من قبل في قيادة الأوبك والدول غير الأعضاء المنتجة للنفط لتجاوز أزمة انخفاض الأسعار. وتقود حاليا باعتدال حملة مكثفة داخل الأوبك وخارجها للحفاظ على استقرار السوق وفض الاشتباك بين تضاد المصالح بين المنتجين والمستهلكين.. ولضمان عوائد نفطية مقبولة تحول دون تعريض اقتصاديات الدول المنتجة لاسيما الأعضاء في أوبك لهزة أخرى. توخي الحذر وحسبما يرى الخبير النفطي المصري الدكتور حسين عبدالله فان منظمة الدول المصدرة للبترول عليها أن تتخذ قراراً برفع سقف انتاجها متوخية الحذر لاختبار السوق قبل أن تحدد مستوى الانتاج لبقية العام. مشيرة الى أن رفع مستوي المعروض من النفط بواسطة الأوبك بنحو مليون برميل يوميا يعتبر معقولا في بداية المرحلة التي تبدأ في الأول من ابريل عند انتهاء العمل باتفاق خفض العرض العالمي من البترول الخام الذي اعتمدته الدول المصدرة في مارس من العام الماضي. مطالبا بتكثيف المشاورات بين الدول الأعضاء في أوبك وخارجها خلال الأيام القليلة المقبلة لانجاز اتفاق نهائي حول حجم رفع الانتاج الذي يفترض اعلانه اثناء الاجتماع الوزاري لأوبك في 27 مارس الجاري في فيينا.. وأوضح أنه يجب في غضون ذلك اقناع الدول الأعضاء التي تتخذ موقفا متشددا للموافقة على مبدأ رفع الانتاج اعتبارا من الشهر المقبل.. معتبرا أن نجاح الدبلوماسية السعودية في اقناع طهران التي كانت تقود جبهة الرفض لتحريك سقف الانتاج نموذجا يحتذي به يجب محاولة تنفيذه مع باقي الأعضاء في هذا الصدد. وشدد الدكتور حسين علي أهمية معاينة رد فعل السوق بعد الزيادة الأولى المتوقعة.. لتحديد عند أي مستوى ستستقر الأسعار وبناء على ذلك يتم اتخاذ القرار حول ما اذا كان لايزال من الضروري رفع الانتاج بشكل أكبر خاصة في ضوء توقعات البعض بتراجع الطلب العالمي على النفط بنحو 3 ملايين برميل يوميا فى الربع الثاني من العام الحالي. أوضاع السوق وأشار إلى أن ارادة الدول المنتجة للبترول وقراراتها يجب أن تكون مبنية على أساس أوضاع السوق ومستوى العرض والطلب مع عدم تجاهل مصالحها ومصالح الدول المستهلكة والسعي للتوصل الى صيغة توفيقية في هذا الصدد. منتقدا الموقف الأمريكي غير الموضوعي حيال زيادة أسعار النفط وضغط واشنطن المستمر لزيادة الانتاج النفطي لدول أوبك. موضحا أن الزيادة التي تروج لها أمريكا (5.2 مليون برميل يوميا) غير منطقية وتثير الشك والريبة في نوايا أمريكا.. مؤكدا أن ضغوط المستهلك على الادارة الأمريكية لايجب أن تدفع هذه الادارة لتجاهل مصالح الآخرين من المنتجين الذين عانوا بمفردهم من تراجع أسعار النفط في فترة سابقة دون مساندة. في الوقت التي كانت مخزونات الدول المستهلكة مملوءة بالنفط وترفض المساعدة في الوصول لأسعار منطقية للبرميل في سوق النفط العالمية. ووصف الخبير النفطي التلويح الأمريكي بضم جزء من الاحتياطي الاستراتيجي النفطي المخزون لديها ثم التهديد بوقف المعونات الأمريكية ومبيعات السلاح للدول الأعضاء في أوبك وخارجها التي شاركت في خفض الانتاج لرفع أسعار النفط بأنها قرصنة تلغي كل القواعد العقلانية والموضوعية لتفرض منطق القوة الأمر الذي سيجلب تداعيات سلبية على كل من المنتجين والمستهلكين. سيناريوهات الزيادة وحسبما يتوقع مجدي صبحي المتخصص في استراتيجية النفط بمركز الأهرام للدراسات السياسية الاستراتيجية فانه في حالة اقرار الاجتماع الوزاري للدول الأعضاء في أوبك زيادة حصص الانتاج بمعدل 2.1 مليون برميل يوميا بما يعادل فعليا مليون برميل فان نسبة التزام أوبك بالخفوضات ستصل الى 47% في الفصل الثاني من العام الحالي. وأن هذه النسبة التي تقارب النسبة المسجلة في الاثني عشر شهرا الأخيرة ستساهم في بقاء أسعار الخام العالمية فوق مستوى 26 دولارا للبرميل.. وأن تبني وزراء أوبك زيادة بمعدل 7.1 مليون برميل اعتبارا من الفصل الثاني للعالم الحالي من شأنه خفض أسعار البترول الى 5.25 دولاراً ثم 23 دولاراً للبرميل مع ارتفاع مستوى المخزون الدولي في نهاية السنة الى مايقارب مستواه المسجل عن نهاية العام الماضي.. وأن زيادة الانتاج بمعدل مليوني برميل يوميا ستؤدي لانخفاض الأسعار الى 21 دولار للبرميل مع نهاية العام مع تحسن مستوى المخزون العالمي الى ما يناهز المستوى المسجل عند نهاية العام الماضي. كما من شأنه الحفاظ على توازن السوق النفطية لفترة تمتد الى العام المقبل وانتفاء الحاجة لدى أوبك لاحداث تغييرات كبيرة في مستويات الانتاج خلال هذا العام. محذرا من أن رفع الانتاج بمعدل 5.2 برميل يوميا حسبما تسعى أمريكا من شأنه خفض أسعار النفط الى 15 دولاراً للبرميل مع ارتفاع المخزون العالمي بمعدل 200 مليون برميل على المستوى المسجل في نهاية العام الماضي الأمر الذي سينعكس سلبا على أسعار النفط في الأعوام والمواسم التالية. إختلال التوازن وفند مجدي صبحي التحذيرات الأمريكية من أن تأجيل زيادة الانتاج الى الفصل الرابع من العام الحالي ستدفع بالأسعار العالمية للنفط الى 35 دولاراً في الوقت الراهن وربما أكثر من ذلك فى فصلى الربيع والصيف موضحا أن الطلب على النفط يتراجع خلال هذه الفترة بمعدل 5.2 مليون برميل الى 3 ملايين برميل وأن الزيادة في الانتاج بمعدلات كبيرة سيؤدي الى اختلال التوازن في الأسعار نتيجة لزيادة المعروض عن الطلب وبالتالي تراجع أسعار البترول لمستويات حرجة تهدد بفقد كافة المكاسب التي تحققت في الفترة الماضية. وانتقد مجدي صبحي تقرير وكالة الطاقة الدولية الذي يزعم أن العالم في حاجة الي امدادات بترولية اضافية قدرها 3.2 مليون برميل في اليوم اعتبارا من الشهر المقبل لاعادة بناء المخزونات البترولية المنخفضة واعادة الربحية لصناعة التكرير. موضحا أن هذه الوكالة التي أنشئت في السبعينيات للحيلولة دون زيادة أسعار البترول عقب حرب 1973 وحماية مصالح الدول المستهلكة نشرت هذا التقرير في هذا التوقيت بايعاز من أطراف تسعى لتحريض بعض الدول في أوبك وخارجها لعدم الالتزام بحصص الانتاج المتفق عليها وبالتالي العودة لدوامة الهبوط في أسعار البترول.. محذرا من أن الدول المنتجة خارج الأوبك سيكون لها دور مؤثر في أسواق النفط العالمية خلال الفترة المقبلة لاسيما في ضوء التوقعات التي تؤكد زيادة انتاج هذه الدول بنحو 900 ألف برميل خلال العام الحالي. ضغوط مريبة واستنكر اللواء طلعت مسلم خبير الاستراتيجية المصري الحملة الشرسة التي تتعرض لها الدول المنتجة للبترول من داخل وخارج الأوبك بسبب ارتفاع الأسعار خلال الأشهر القليلة الماضية.. مشيرا الى أن الدول المستهلكة للبترول تتناسي دائما الخسائر الكبيرة التي تكبدتها الدول المنتجة للبترول التي تراجعت ايراداتها خلال عام 1998 بمفرده بحوالي 50 مليار دولار. وقال أن الضغوط التي تمارس حاليا على الدول النفطية لزيادة انتاجها لاتضع مصالح الدول المنتجة في الاعتبار.. ولا يعنيها أن تتهاوي اقتصاديات هذه الدول وتستدين من الخارج اذا تراجعت أسعار النفط كما حدث عام 1998. وأن مجرد تعويض جزء من الخسائر خلال فترة لم تتجاوز العام الواحد أثار الدول المستهلكة التي لاتراعي سوى مصالحه. وأكد أنه آن الأوان لدول البترول ألا تبحث سوى عن مصالحها المهددة من جانب الدول المستهلكة خاصة الولايات المتحدة الأمريكية.. وألا تستجيب لأية ضغوط تهدد مصالحها خاصة أن معظم الدول المنتجة للبترول تعتمد على دخل من تصديرها للانفاق على شعوبها خاصة دول مجلس التعاون الخليجي التي عانى اقتصادها كثيرا وأوقفت مشاريع عديدة تمس المواطن مباشرة بسبب تراجع البترول.. وكشف عن أن أمريكا والغرب لايريدون أن يكون لدى العرب أوراق ضغط قوية ومؤثرة مثل البترول ويخططون دائما لتهميش أهمية البترول ولما فشلوا في ايجاد مصادر بديلة للطاقة فرضوا ضرائب على صادرات النفط بدعوى حماية البيئة. والآن وتحت دعاوى جديدة يريدون ضرب أسعار البترول في الأسواق العالمية.. كما شدد على أن دول أوبك لايمكن أن تضع بنفسها سياسة تفقدها المكاسب التي حققتها خلال الفترة الماضية. وأن سعيها للحفاظ على مستوى أسعار جيد لن يتوقف مهما كانت الضغوط مع الوضع في الاعتبار أنها لا تمانع من بحث أوضاع السوق ومستوى الأسعار مع الدول المستهلكة دون فرض أية ضغوط عليها. الدفاع عن الأسعار ودعا الدكتور حمدي عبدالعظيم أستاذ الاقتصاد بأكاديمية السادات للعلوم الادارية الدول الأعضاء في أوبك وخارجها بقيادة حملة داخلية وخارجية للدفاع عن مستوى الأسعار في أسواق البترول العالمية وذلك انطلاقا من قناعتها بأن الاقدام على أي خطوة تهدف الى زيادة الانتاج بكمية مبالغ فيها ستؤدي لتراجع كبير في أسعار النفط مشيرا الى أن الدول المنتجة للبترول لم تجن بعد ثمار السعر الجيد للنفط في الأسواق العالمية وأن انزعاج الدول المستهلكة بهذه الطريقة ليس له ما يبرره.. موضحا أن استمرار مستوى الأسعار الى منتصف العام الحالي سيعود بفوائد كبيرة على الدول المنتجة بعد أن تضررت اقتصادياتها واستدانت من الخارج خلال السنوات الماضية. وتقول الدكتورة منى الجرن أستاذ اقتصاديات البترول بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية أن هذه المشكلة يقف وراءها الدول المستهلكة للبترول مثل الولايات المتحدة التي تستهلك يوميا 5.8 ملايين برميل من الخام التي بدأت تتأثر فعليا من ارتفاع أسعار النفط, ولم تسع لحلول جذرية لمعالجة هذا الخلل, بمعنى أنه في الوقت الذي تطالب فيه برفع سقف الإنتاج من الدول المنتجة التي يقع غالبيتها في منطقة البلدان النامية, لم تطرح حلولا يمكن من خلالها تعويض الخسائر الناجمة عن رفع حجم الانتاج وما يعقبه من تراجع في الأسعار, وكان من الطبيعي أن تطرح برنامجا خاصة في هذا الاتجاه, مثل فتح مشروعات ومجالات جديدة للاستثمار في الدول النامية والمنتجة, طرح منح ومساعدات لعمليات التنمية بتلك البلدان, أضف إلى ذلك العمل على ضرورة تقليل الاستهلاك من النفط بصورة أو بأخرى. سقف عادل وتؤكد د. مني على ضرورة أن يسفر اجتماع فيينا المقبل عن تحديد سقف إنتاج عادل يحقق مصالح الدول المنتجة للنفط التي تشكل صادراتها من النفط الخام ما نسبته 90% من إجمالي مواردها من الدخل القومي. ومن شأن مواصلة ارتفاع أسعار النفط في الأسواق العالمية والحديث للدكتورة منى أن ينعكس سلبيا على الدول الكبرى, حيث سيؤدي ارتفاع الأسعار إلى انكماش ملحوظ في اقتصاديات الدول الكبرى وتراجع معدلات النمو بها. وفي المقابل سيحفز الارتفاع الأخير للأسعار الدول الكبرى على زيادة عمليات الاستكشافات النفطية لديها, وتشجيع الدول خارج أوبك على زيادة إنتاجها من النفط لمواجهة النقص في السوق ومحاولة إعادة الإتزان للأسعار من وجهة نظرها. وتستبعد د. منى أن تلجأ الدول الكبرى إلى الاستعانة بما لديها من مخزون استراتيجي من النفط لسد الفجوة بين الطلب والعرض, مدللة على ذلك إنه في حالة لجوء الولايات المتحدة على سبيل المثال إلى سحب نسبة من المخزون الاستراتيجي لديها فإن ذلك سيكلفها أضعاف القيمة التي سحبت بها من ذلك المخزون عند إعادته إلى حجمه الأصلي, وتتمثل مضاعفة التكلفة في فروقات الأسعار بين سعر البرميل حين تم تخزينه وسعره عند معاودة ضخ براميل جديدة للمخزون, وهو ما يتطلب في الوقت نفسه فرض المزيد من الضرائب على المواطنين لسد فاتورة فروقات الأسعار, ومن المؤكد أنها لن تلجأ إلى هذا الأسلوب. استجابة مشروطة من جانب آخر يرى الخبير النفطي الدكتور محمد شوكت ممثل مصر الأسبق لدى (الأوابك) أن دول (أوبك) ستستجيب لمطلب زيادة الانتاج, فالبترول يختلف عن أي سلعة أخرى, فالأسعار لا تحدد وفقا لآليات العرض والطلب فقط, بل أن هناك عوامل أخرى كثيرة تحكمه يأتي في مقدمتها المصالح السياسية والاقتصادية للدول الكبرى, وغالبية الدول المنتجة للنفط خاصة اعضاء أوبك من الدول النامية وتعول على صادراتها النفطية لتمويل عمليات التنمية بها بمساندة من الدعم الذي تمنحه الدول الكبرى لها في هذا الصدد, مدلال على ذلك بالتهديدات الأمريكية الأخيرة للدول المنتجة ومشروع القانون الذي يتبناه الكونجرس حاليا والخاص بحظر تصدير السلع والمنتجات خاصة المعدات والآلات التي تستخدم في عمليات التنمية إلى دول أوبك ما لم ترفع صادراتها النفطية. ويقترح د. شوكت أن تستجيب دول أوبك للضغوط الغربية لرفع إنتاج النفط, لكن مع نهاية العام الجاري أو بالتحديد مع بداية الربع الأخير من العام, فمن المتوقع أن يتراجع الطلب العالمي على النفط خلال الربعين الثاني والثالث من العام لظروف موسمية تعيشها الأسواق كل عام, على أن يرتفع الطلب مع الربع الأخير من العام, ومن ثم فإن زيادة الإنتاج في هذا الربع ستحفظ للدول المنتجة حقوقها إلى حد كبير وفي نفس الوقت تساهم في إعادة التوازن المفقود إلى الأسواق, وهو ما سيحقق المصلحة لطرفي المعادلة المتمثلين في الدول المنتجة والدول المستهلكة. وينصح د. شوكت الدول الاعضاء في أوبك باستغلال الموقف الحالي لتمرير متطلبات خاصة كان الغرب يغض عنها الطرف في السابق, مثل تخفيض ضريبة الاستهلاك على النفط التي تتحملها بمفردها الدول المنتجة وهو ما يؤثر بطبيعة الحال على مواردها.. مؤكدا على أن استمرار الضغوط قد يسفر عن تخفيض فعلي في تلك الضريبة المجحفة.. وأشار إلى أن الموقف لا يدعو للخوف من اتخاذ أي إجراءات من قبل الدول التي تلوح بالتهديدات, كما أنه لا خوف من لجوء تلك الدول لاستخراج أو استيراد النفط من مناطق بحر الشمال أو الاتحاد السوفييتي, خاصة إذا علمنا أن تكاليف استخراج النفط من تلك المناطق مرتفع للغاية فضلا عن ارتفاع نسب المخاطر في عمليات الاستخراج. تهديدات واهية وفي هذا السياق يقول المهندس عبد الحميد أبو بكر مستشار وزير البترول المصري الأسبق ورئيس الجمعية المصرية للغاز والبترول أن تلويح الولايات المتحدة باستخدام ما لديها من المخزون الاحتياطي لن يسفر عن حل لمشكلة ارتفاع الاسعار, فهو يشبه بتصرفات البنوك المركزية حين تتدخل لضخ دولارات لاعادة التوزان إلى أسواق العملات, ويكون التدخل بمثابة مسكنات لحظية للأسواق, وكذلك الحال بالنسبة للمخزون النفطي الاستراتيجي لدى الولايات المتحدة, فالجميع يعرف أن تلك المخزونات لن تكفي من الناحية الاستهلاكية سوى لنحو 600 يوم فقط.. وماذا بعد انقضاء أو زوال ذلك المؤثر؟ كما أن التلويح بفرض حظر على تصدير معدات أو منتجات أمريكية إلى دول أوبك, أمر مستبعد كذلك, وهو ما يؤكده المهندس أبوبكر بقوله: كيف تضر الولايات المتحدة باقتصادها؟! .. فهذا أمر غير منطقي, فمن المعروف أن الأسواق الخليجية أو أسواق الدول النامية ومنطقة الشرق الأوسط بصفة عامة, أرض خصبة لتصريف المنتجات الأمريكية, ومن ثم نستبعد أن يتم وقف الصادرات إلى مثل تلك الدول. ويختتم المهندس أبوبكر حديثه قائلا: بديهيا أن تسعى كافة الأطراف لخلق نوع من التوازن في أسواق النفط, وليس الدول المنتجة وحدها التي تحمل على عاتقها إعادة التوازن إلى السوق, فما هو موقف الغرب حينما أنهارت أسعار النفط في الأسواق العالمية ووصل سعر البرميل إلى ما دون التسعة دولارات في بعض التعاملات؟ وأين كانت الولايات المتحدة حينما دفعت الدول المنتجة وحدها فاتورة الإنخفاض في الأسعار؟. كل ذلك يدفعنا إلى القول بضرورة التعاون المشترك بين المنتجين والمستوردين لإعادة التوازن المفقود إلى السوق, فيجب أن ترفع الدول المنتجة للنفط من سقف الإنتاج الحالي بقدر وتوقيت محسوبين, وكذلك يجب أن يتعهد الغرب بمواصلة دعمه للدولة المنتجة ومساندته في حالة انهيار أسعار النفط كما حدث من قبل. القاهرة مكتب البيان