الكفاءة الادارية من متطلبات صانع القرار الناجح

يفترض النموذج النظري لصناعة القرار قبول جميع الأطراف المعنية تشخيص المشكلة تلقائياً ولكن من الناحية العملية يستغرق الجدل والنقاش حول ماهية المشكلة وتحديدها بشكل قاطع وقتاً طويلاً وجهداً كبيراً وذلك لأسباب متعددة، يقف على رأسها تهرب بعض المسئولين عن المشكلة من اقتران أشخاصهم بها, فعلى سبيل المثال قد يشكو بعض المسئولين في احدى الورش الكبيرة من الفوضى العارمة التي تهيمن على الورشة وساحاتها فالسيارات التي يحضرها أصحابها لاجراء اصلاحات طفيفة تنتظر أياماً بل أسابيع قبل ان يتنبه العمال لوجودها أما تلك السيارات التي تعاني من أعطال كبيرة فقد تقضى بالورشة شهوراً عدة قبل ان يتم الكشف عن هذه الأعطال واصلاحها وإضافة الى ذلك قد يشكو عملاء الورشة من تدني المهارات الفنية لعلمال مما قد يضطرهم لإصلاح سياراتهم مرات عدة في العام الواحد. ويؤكد هذا المثال على ان مثل هذه الورشة تفتقد شيئاً مهما فمديرها كان ينظر للأمر من منظور آخر فهو يرى ان السيارات تبقى خارج الورشة لأسابيع عديدة لان أصحابها كانوا يتركونها بدون استلام اشعار بالاستلام أي بدون اخطار الإدارة وبالتالي لايكون العمال ملمين بالسيارات التي جاء بها أصحابها للاصلاح أو بطبيعة الأعطال, وأيضاً من الأسباب الاخرى لتعطيل العمل بالورشة ادخال سيارات لاصلاحات غير عاجلة وبدون مواعيد مسبقة مما يحدث ارتباكاً في سير العمل وأيضاً وجود سيارات تجاوزت عمرها الافتراضي بسنوات طويلة مما يجعلها كثيرة العطب مع صعوبة الحصول على قطع الغيار المناسبة لها. ويفترض النموذج النظري لعملية صنع القرار من ناحية اخرى ان المشكلات تأتي فرادى وتتم متابعة كل مشكلة على حدة خطوة فاخرى الى ان يتم التوصل الى حل لها والواقع ان صانعي القرار يقدمون في الاجراءات ويؤخرون لأن حل أي مشكلة من المشكلات قد يؤدي الى بروز مشكلة اخرى وتنطوى كل منهما على عدد من المشكلات المهمة. ولتوضيح هذه الحقيقة من خلال نموذج عملي نفترض ظهور ازمة في احدى المناطق بسبب توقف برنامج رش مبيدات الأعشاب الطفيلية والحشرات بعد نزاع مع سكان المنطقة لأن رائحة المبيدات تعد بالنسبة لهم أمراً لا يحتمل. وتوقف الرش تماماً لمدة عامين اختفت المنطقة خلالهما وراء غابات من الأعشاب الطفيلية وتعطلت أعمال البلدية الأخرى وبدأ السكان حملات لاستغلال الأزمة من اجل تعيين أحد أبناء المنطقة في منصب مرموق مثل منصب مساعد مدير البلدية, وتم هذا على الفور وكان ايجاد حل لهذه المشكلة هو أهم عمل تقرر اسناده لمساعد المدير الجديد وتوصل مع موظفيه التنفيذيين الى ما يلي: ـ ان لم يتم التوصل الى اتفاق مع سكان المنطقة قبل اسبوع فسوف تنعدم أهمية الرش لانتهاء صلاحية المواد الكيماوية بعد ذلك. ـ ان تم التوصل لاتفاق فيتعين ان يبدأ الرش على الفور نظراً لاتمام برامج تدريب الفنيين واكتمال اجراءات شراء المواد. وتم التوصل الى اتفاق يقضى بأن يبدأ الرش في أول أيام الاسبوع التالي إلا ان المسئولين اكتشفوا انه يجب الانتظار لأسبوع آخر وذلك لتأمين الكميات الضرورية من المبيدات ومضى اسبوعان وتطاولت الأعشاب بأعناقها وبدأ السكان يتصرفون بطريقتهم الخاصة في مواجهة المشكلة حيث يستخدمون موادا سامة في رش الأعشاب وحدثت حالات تسمم وسط الأطفال. ووعدت شركة الكيماويات بتوفير الطلبية بعد أسبوع واحد فوافق المسئولون على أساس ان امكانية الرش لاتزال قائمة ووصلت المواد المطلوبة بعد عشرة أيام وتبين ان تصنيعها تغير بصورة تستوجب تغيير أسلوب الرش الأمر الذي يعني اعادة تدريب الفنيين مرة اخرى اضافة الى ان سكان المنطقة رفضوا الموافقة على طرق الرش الجديدة, هذا المثال يحمل في طياته ثلاث مشكلات يجب ايجاد حلول لها قبل البدء في عملية الرش نفسها وهي توفير المواد الكيماوية وتدريب الفنيين وتعاون السكان. وبالتركيز على مشكلة ارضاء سكان المنطقة باعتبارها المشكلة الأهم تم اهمال المشكلتين الاخريين وربما يكون السبب هنا هو ان المسئولين كانوا ينظرون الى توفير المواد على أساس انه عملية ادارية بسيطة وبعبارة اخرى فانهم قللوا من ضخامة المشكلة ولم يدركوا انهم عاجزون عن التصدي لها باستثناء مساعد المدير الذي حقق بعض النجاح بسبب خبرته في التعامل مع شركة المواد الكيماوية إلا أنه أيضاً ارتكب خطأ آخر هو عدم اهتمامه بتدريب الفنيين ويلاحظ هنا أيضاً تأجيل موعد بدء برامج الرش على الرغم مما قيل عن تنفيذها مباشرة عقب التوصل لاتفاق مع السكان, ويستدعى النموذج النظري لعملية صنع القرار أن يكون جميع المشاركين في ايجاد حل للمشكلة متخصصين تماماً إلا أن واقع الحال يقول ان قدرات البشر تتفاوت وبالتالي قد يهمل المديرون التنفيذيون المشكلات لأسباب أهمها اساءة الفهم أو عدم الانصات للآخرين والحقيقة ان معظم اتصالات المديرين التنفيذيين تتم شفاهة. وايصال المعلومات بطريق غير رسمي ـ أي شفاهة ـ في كثير من الأحوال أمر يسبب قدراً غير قليل من الازعاج للمديرين التفنذيين فقد يتم الكشف عن عجز في الميزانية في لقاء عابر مع المدير في دهاليز المكتب أو في موقف السيارات, والمعروف عن بعض الموظفين استغلالهم للقنوات غير الرسمية في التهرب من المسئولية وعندما تقع الواقعة يبادر الموظف مديرة بالقول انه قد أخبره عن هذه المشكلة بالتحديد قبل خمسة أشهر وهكذا يقع المدير فريسة قبول المعلومات شفاهة. ومع ان النموذج النظري يفترض ان وقت صناعة القرار غير محدد إلا ان واقع الحال يقول ان أي مسألة مطروحة لا يخصص لها عادة سوى عشرين دقيقة في المتوسط ويذهب المديرون الى القول ان نشاطي التفكير والتخطيط المؤسسين لايلقيان ما يكفي من الاهتمام على الرغم من انهما يعدان أهم ركيزتين للنموذج النظري لصنع القرار وقد اتضح ان المديرين نادراً ما يخصصون أي وقت لتحديد ملامح المشكلة على الرغم من أهميته في تحديد جميع الخطوات التالية ويندر ان تتوفر أي مراجع أو وثائق لاستقصاءات صانع القرار ودوافعه وذلك بسبب عدم تدوين محاضر كثير من الاجتماعات. ويتطلب تحقيق أكبر قدر من الكفاءة الادارية تمتع صانع القرار بأي مستوى من الكفاءة ونظراً لأن مديري اليوم يذهبون الى القول دائماً انهم يعملون لمدة سبعين ساعة أسبوعياً ويندر ان يكون أحدهم خالياً إلا لدقائق معدودة فمن الطبيعي ان يصابوا بالملل والارهاق مهما كانت قدراتهم. وأيا كانت أهمية المشكلة المطروحة فلا يمكن لصانع القرار في هذه الحالة ان يستمع ويهتم ويفهم ويفكر بوضوح أو يفكر أصلاً في المشكلة موضع البحث اذن فمن الذي يهتم؟ انطلاقاً من مرتكزات النموذج النظري لعملية صنع القرار يأتي الاجراء تلقائياً عند تحديد ملامح المشكلة ومن الواضح ان هذه الحالة تعد سطحية وغير واضحة المعالم فالدراسات تشير الى انه في بعض الحالات قد يستغرق تحديد المشكلة والتصدى لحلها مدة طويلة للغاية وذلك بسبب الغضوط متعددة المصادر وصعوبة ايجاد حل واستفادة طرف من الأطراف من استمرار المشكلة, ولكن ما هو مصدر الضغوط متعددة المصادر؟ يقال ان الأمر الأكثر أهمية يتقدم على الأمر المهم فالمؤسسات والشركات بل والحكومات أيضاً تواجه مشكلات عديدة تفوق توقعات هذه الجهات وآمالها ودائماً ما ينتهى الأمر الى حل بعض المشكلات وليس كلها والتي تحتاج الى اتخاذ قرار بحلها بصورة ملحة وعاجلة. ان وضع الأهداف وترتيب أولوياتها أمر بالغ الأهمية في عملية صناعة القرار. وعلى اقتراض انه تم تحديد ملامح المشكلة فان الخطوة التالية تصبح تحديد الأهداف والتي يمكن تعريفها بأنها أوضاع مستقبلية تعمل المؤسسات والشركات دائماً من اجل الوصول اليها. ويدخل النمو والبقاء ضمن هذه الأهداف مما يؤكد أن افتراض تحقيق أعلى قدر من الربح أو المنفعة ما هو الا افراط في التبسيط. ومن الناحية العملية يتحرك صانعو القرار في اطار مفهوم غامض للأهداف ونجد غالباً انه ليست لديهم فكرة حقيقية عن الأهداف وانهم يضعون جميعاً أهدافاً متباينة وتواجههم أهداف متضاربة ويتبعون أهدافاً شخصية الى جانب الأهداف التنظيمية ولهذه الأسباب مجتمعة يجب ان تبدأ الاجتماعات الادارية الحاسمة التي تعقد لاتخاذ قرار بشأن مشكلة محددة بسؤال واحد هو: ما الذي نحاول ان ننجزه؟

تعليقات

تعليقات