يتميز النموذج النظري المثالي لاتخاذ القرار حيث يبدأ صانع القرار بتحديد المشكلة أولا ثم يبحث عن حل لها بأنه يعمل على تبسيط وتسهيل الاختيار على حساب تبسيط النهج العام لآلية صنع القرار ويتعين الاحاطة بتفاصيل كل مرحلة من مراحل هذا النموذج وكشف الأسباب التي تجعلها غير واقعية. تبدأ عملية صنع القرار عادة مع نشوء مشكلة ما والمشكلات دائما ما تكون موجودة في أي شكل من الأشكال إلا ان الإدارة قد لا تنتبه إلى وجود المشكلة أو قد يكون هناك خطأ في تحديدها وغالبا ما يتم تجاهلها حيث تتفاقم وتتحول إلى أزمات قد تستعصي على الحل في نهاية المطاف. ولكن ماذا تعني كلمة (مشكلة) بالضبط؟ إن المشكلة في تعريفها العام هي خروج عن المألوف لأسباب تحددت من حيث الزمان والمكان والموضوع. وهناك كثير من المعضلات التي تواجه التعرف على المشكلة وتلمس جميع جوانبها ويعتمد تحديد أية مشكلة من المشكلات على كم المعلومات المتوفرة عنها ودقة تحليلها. ونسوق هنا المثال التالي لأهمية هذين العاملين أمامنا مجموعة من المديرين التنفيذيين ينطلقون في سيارة فارهة تتجه من دبي مثلا في الطريق إلى أبوظبي لكي تصل قبل بداية اجتماع مهم يحدد استمرار مؤسسة تجارية ضخمة أو اغلاقها بعد أن وصلت إلى مرحلة تكاد تعلن فيها افلاسها وقد اتفق المديرون المتجهون نحو أبوظبي على شرائها باعتبار ان ذلك يعد صفقة جيدة وفجأة يمرق اطار يسار سيارتهم فيضحكون ويوشكون على اطلاق التعليقات الضاحكة ولكن بعد ثانية واحدة يقع لهم حادث مروع. لم يكن لهؤلاء المسافرين أي علم بأن أحد اطارات السيارة لم يكن محكم الربط قبل انطلاقها أي انهم لم تتوفر لهم المعلومات التي تنبههم إلى وجود مشكلة ما ومن المعقول أن يقول أحدهم انه كان يتعين علينا فحص الاطارات ولكن لان أي فحص سليم للسيارات يتضمن التأكد من سلامة كل الجوانب الفنية الأخرى مثل المقود والفرامل. يصبح واضحا للجميع ان هذه النصيحة ليست واقعية ولا عملية اضافة إلى هذا فإن الفحص قد يؤدي إلى التقليل من احتمالات وقوع مثل هذه المشكلات أو تفاقمها ولكنه لا يحد منها تماما فقد يبدأ الزيت بالتسرب أثناء الرحلة مثلا. وتواجه الإدارات المشكلة نفسها فهي من الناحية النظرية تباشر بعملية مسح لمختلف مجالات العمل وطبيعتها لتحديد المخاطر. ولكن من الناحية العملية فإن هذا المسح يصبح عديم الفاعلية إذا لم يتم الحصول على المعلومات الدقيقة التي يستحيل في بعض الأحيان تأمينها فهناك كثير من الأجهزة الإدارية التي لا تعرف من أين تحصل على المعلومات وفي عالم اليوم الذي يشهد تطورات وتغييرات متسارعة تظهر في كل ساعة معلومة جديدة لتحل محل القديمة. وهذا العامل المهم لتحديد المشكلة أي الحصول على المعلومات يعتبر في واقع الأمر جزءا لا يتجزأ من المشكلة التي يتعين على صانعي القرار أن يتمتعوا بقدرات ذهنية هائلة على تحليلها. وقد تؤدي قلة المعلومات التي تم الحصول عليها إلى أخطار كارثية كان يجب ألا تحدث. فمثلا يعتقد المديرون المتجهون نحو أبوظبي ان انحراف السيارة كان بسبب قوة الرياح أو لوجود حفرة في الطريق وقد يقول أحدهم بعد أن يفيق من غيبوبته: لقد اقترحت عليهم أن نذهب بسيارتي ولكنهم أصروا على الذهاب بسيارة فلان.. وكأنه يقول انه كان بالامكان تجنب وقوع الحادث بتصرف بسيط هو ركوب سيارة أخرى. ولكن في حالة المؤسسات تصعب للغاية الاستجابة لاشارات الخطر فإشارات الانذار المبكرة لا تتوافر في العديد من المشكلات. وقد يسعى أحد المديرين بدنو المشكلة ولكن قلة المعلومات المتوفرة له فيما يتعلق بها قد يؤدي إلى تردده في التصرف لحسمها فقد يخاف على سبيل المثال أن يبدو غبيا إذا ثبت ان تصرفه لم يكن ضروريا أو قد يؤدي تدخله إلى نشوء مشكلات أخرى لانه لم يلتزم بطبيعة سير العمل. ولهذا يظل رد الفعل المتوقع تجاه المشكلة المحتملة هو: فلننتظر ولنر. وتضيع في هذه الأثناء كل فرص الحد من تفاقم المشكلة وتحولها إلى أزمة. إن المشكلات مثل الفيروسات تتبدل وتتطور باستمرار فمثلا نرى إحدى الشركات التي تعمل في تجميع أجهزة الهاتف وقد اعتمدت في سياساتها التسويقية على الجودة الشاملة وتعتقد بأفضلية أجهزتها على جميع الأجهزة المنافسة في المنطقة. ومع تركيز الشركة على الجودة ارضاء لعملائها إلا انها تصطدم بحائط الفشل لان صناعة أجهزة الهاتف كانت تتطور سريعا وتبعد منتجاتها. ولا يوجد قانون ثابت لتحديد المشكلات وغالبا ما يتعين على المديرين الاعتماد على موظفيهم في الوقوف على المشكلات القائمة ولكن هذا الاعتماد قد يكون في غير محله لأسباب عديدة أهمها عدم الثقة بالنفس أو الكسل أو التقصير في أداء الواجبات أو الثقة المفرطة والزائدة عن الحد أو الخوف من المديرين. فأحيانا يخاف الموظف من مجرد اخطار رئيسه بوجود صعوبات لكي لا يتعرض للاستهجان أو للتوبيخ ولذلك فإنه يلجأ إلى الصمت التام أو إلى المواربة. وفي الوقت نفسه قد يقوم موظف آخر على سبيل المثال بسرد حكاية معينة على رئيسه تساعد هذا الأخير على استنتاج ان هناك مشكلة وفي أحيان أخرى تخون الموظف شجاعته بمجرد رؤية ملامح مديره ثم يتحدث معه وهو حريص تماما على عدم اغضابه لان غضبة المدير تنتمي غالبا إلى النوع الذي لا تحمد عقباه وقد ينتهج موظف آخر أسلوب الالتفاف والدوران حول أمر ما بدون أن يقوم بشرح المشكلة. ويتم أحيانا حجب كل التقارير والبيانات التي تنذر بوقوع أزمة وذلك لان المدير قد يفرط في تقويم قدراته على ايجاد حل لها أو قد يقلل من صعوبتها أو قد يفعل الأمرين معا ويتم هذا اعتمادا على الثقة الزائدة بأن الأمور قد تتحسن صباح الغد على أفضل تقدير فالموضوع هنا يكون دائما متعلقا بصباح الغد الذي قد لا يأتي أبدا فتستمر المشكلة تتغلغل وتتفاقم لدرجة يصعب الاعتراف بها. ومن جانب آخر فإن انعدام الثقة بالنفس اعتمادا على مبدأ (سيدي المدير لم أشأ أن أزعجك) قد يؤدي لعواقب وخيمة. فالمدير يعمل تحت ضغوط لا يستهان بها ونتيجة لذلك يفضل الموظف عدم اضافة مزيد من المتاعب إلى مشاغل المدير وبدلا من ذلك فإنه يضغط على نفسه في محاولة لمعالجة أمور تفوق قدراته وتتفاقم المشكلة إذا لم يعرف هذا الموظف ماذا يقول بالضبط للمدير عند استجوابه. ومن جهة أخرى هناك الموظف الذي يتصف بالكسل الذي يمنعه من التصرف عند بروز مشكلة ما إما لانها لا تمثل له أي قدر من الازعاج أو لانه يفترض أن هناك موظفين آخرين يتحتم عليهم معالجة الموقف. فإذا رأى أحدهم الحريق يلتهم المستودعات مثلا فإنه يبادر ويقول: لقد كنت على وشك أن أخبرك بهذا يا سيدي المدير. والسؤال الذي يطرح نفسه عند تحديد مشكلة ما هو: ما أهمية تحديد المشكلة؟ ولماذا يتميز هذا التحديد بكل هذا الكم من الأهمية؟ الأمر ببساطة هو ان تحديد المشكلة يتسم بأهمية خاصة في عملية صنع القرار لان الاجراء المطلوب يتحدد على أساسه وإذا حدث خطأ في التحديد فقد يقود هذا إلى استمرار المشكلة وتطورها أو حدوث خطأ آخر بسبب التحديد الخاطئ.