منذ ان بدأت مسيرة التعاون والتنسيق العربي المشترك في مطلع الخمسينيات من هذا القرن, لم يسجل معظم ادوات وصيغ وأطر التنسيق والتكامل العربي نجاحاً ملموساً نحو تحقيق اهدافها على الرغم من فترات المد والجزر في الاندفاع والانكماش نحو التنسيق والتعاون خلال هذه العقود الطويلة, حيث جربت الدول العربية مداخل التكامل والتنسيق كافة, من ايجاد اطر لاتفاقيات اقتصادية إلى خلق هياكل لمؤسسات تعاون او هيئات متخصصة للتنسيق في مختلف المجالات, كالمنظمات والصناديق والاتحادات والشركات العربية المشتركة, محاولة بذلك خلق مؤسسات شبيهة بكل ما هو متبع في مختلف التجارب والتكتلات الاقتصادية الاقليمية والدولية. ولاسباب شتى لا مجال هنا للخوض فيها, ظلت كل تلك الأطر والاتفاقيات تسير بخطى متعثرة, واحياناً كانت متوقعة (الا النذر اليسير منها والذي لم يؤثر في تعزيز هذه الصيغ او تطويرها), وظلت هذه المساعي اقل كثيذراً من الاهداف التي وجدت من اجلها. ومنذ ان اعلنت الجامعة العربية في نهاية عام 1997 عن تدشين منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى خلال التجارة العربية الكبرى خلال عشر سنوات والحديث يتواصل بين الاقتصاديين العرب حول مدى قدرة هذه المنطقة في تحقيق حلم السوق العربية المشتركة خاصة وان الظروف الاقتصادية والتجارية الدولية تتيح تكوين التكتلات الاقتصادية الاقليمية وبالتالي فهناك فرص حقيقية لتحقيق حلم السوق العربية المشتركة وتدعو المؤتمرات الاقتصادية العربية التي تعقد إلى تسريع خطى انشاء هذه المنطقة واختصار الفترة الزمنية المتاحة لازالة الحواجز الجمركية بين الدول العربية ومعوقات الاستثمار وانتقال رؤوس اموال السلع وكافة عناصر الانتاج. الا ان التطورات الاقتصادية والسياسية التي اجتاحت العالم عموماً فرضت على الدول العربية ان تتحسس بصورة اضطرارية اهمية تقاربها وتجمعها ضمن صيغة من الصيغ او الاطر الاقتصادية التي تمكنها من الولوج إلى النظام الاقتصادي العالمي الجديد الذي بدأ يفرض نفسه من خلال احكام اتفاقية منظمة التجارة العالمية التي جاءت تتويجا لجولة الاورجواي حيث تم وضع مباديء الاتفاقية العامة للتجارة والتعريفة الجمركية التي باتت تعرف بالجات, والتي تستهدف ايجاد نظام عالمي لتنظيم التبادل التجاري وفق قانون الحرية التجارية. وتزايد احساس الدول العربية بان عليها عاجلاً ام اجلاً الانضمام إلى هذه الاتفاقية. وقد اصبح مسلماً به انه سيفرض عليها من الخارج ان تجتمع فيما بينها في ظل شروط قاسية واهدار كل منها لفرصة التخفيف من هذه الآثار, في حين ستدفع ثمناً باهظاً اذا حاولت الانعزال والبقاء خارج منظمة التجارة العالمية التي ستكون ملزمة لأي طرف ينضم اليها بتطبيق كافة الاتفاقيات المتعلقة بتنظيم التجارة العالمية ومن ضمنها: ـ ازالة او تخفيض معدلات التعريفة الجمركية. ـ تخفيض دعم الصادرات (بما فيها المنتجات الزراعية) تدريجياً وصولاً لالغائه. ـ تحويل كافة الاجراءات الحمائية (القيود غير الجمركية الرسوم والضرائب الاخرى ذات الاثر المماثل) إلى رسوم جمركية واضحة متفق عليها. ـ فتح الاسواق امام السلع والخدمات المستوردة ومعاملتها معاملة السلع والخدمات الوطنية من حيث الرسوم والمواصفات. ـ انهاء العمل بنظام الدولة ذات الافضلية الممنوح بموجب الاتفاقيات الثنائىة او المتعددة الاطراف. متطلبات الاندماج بالنظام العالمي الجديد لقد ادركت الدول العربية (ولو متأخرة) ان سعيها للاندماج في الاقتصاد العالمي هو ضرورة حتمية للازدهار والتقدم الاقتصادي والا ستجد نفسها خارج هذا النظام في عزلة وستدفع ثمناً باهظاً. وان هذا يتطلب منها العمل على حدة: ـ تطبيق الاصلاحات الاقتصادية التي تهدف إلى تحقيق الانفتاح والتنافسية, والاسراع في تحرير التجارة الخارجية والغاء اجراءات الدعم والحماية الجمركية والادارية, وتطبيق مبدأ الشفافية والتوافق مع متطلبات اتفاقية الجات على كافة القوانين المتعلقة بالامور المنظمة لعمليات التجارة الخارجية من تصدير واستيراد واستثمار وحقوق الملكية. ـ توجيه وتأهيل نشاط القطاع الخاص نحو الصناعات التصديرية التي تحقق شروط الكفاءة الاقتصادية ومعايير الجودة, والتخفيف التدريجي من التركيز على الصناعات الاحلالية. ـ التخلص من بيروقراطية القطاع العام السائدة في العديد من الدول العربية. ـ اتباع سياسات فعالة للتسويق, وتعزيز مصادر تمويل وضمان الصادرات. ثانياً: على الصعيد العربي المشترك: ادركت الدول العربية (في وقت اكثر تأخراً) ان تعاونها المشترك هو وحده الكفيل بالاستفادة من مزايا النظام الاقتصادي العالمي الجديد وتقليص الآثار السلبية التي ستواجهها كل دول تحاول انفراد الدخول اليه. وحيث ان جامعة الدول العربية لا تعتبر اطاراً تجارياً او جمركياً واحداً فإن الاتفاقيات التجارية الثنائىة ومتعددة الاطراف التي تربط بين العديد من الدول العربية والاعفاءات الجمركية الممنوحة بموجبها تعتبر مخالفة لقواعد واحكام اتفاقية الجات, وتواجه الدول العربية صعوبة في الابقاء عليها عند الانضمام إلى الاتفاقية ما لم تمنح امتيازات مماثلة للدول الاخرى الاعضاء. وهكذا وجدت الدول العربية انه سيفرض عليها من الخارج ان تلتقي بعد ان تدفع ثمناً باهظاً. وان من مصلحتها ان تنضوي تحت اطار منطقة تجارة حرة مما سيسهل عليها الانضمام إلى منطقة التجارة العالمية على اساس كتلة واحدة والتفاوض على شروط افضل لفتح الاسواق الاجنبية امام صادراتها, وبالعكس. وسيظل بمقدورها ان تقدم الدعم لصناعاتها الناشئة التي تعنى بتوفير متطلبات السوق المحلية او العربية دون وجوب تطبيق ذلك على غيرها من اعضاء منظمة التجارة العالمية. ونظراً للاهمية الاقتصادية لهذا المشروع وللتأثير الكبير المتوقع منه على الاوضاع الاقتصادية للدول العربية في ظل التحديات الجديدة لمتطلبات الاندماج بالنظام الاقتصادي العالمي الجديد, فإنه لا خيار امام الدول العربية الا ان تسعى بكل جهدها من اجل انجاح هذا المشروع تحقيقاً لمصالحها القطرية والعربية المشتركة. ان تشخيص نقاط التعثر كما هي اعلاه والاسباب التي ادت اليها يحمل في طياته الخطوات اللازم اتخاذها للتغلب على المشاكل التي تعيق التنفيذ حتى الآن وتهدد بتجميد العمل الفعلي به.