تعرضت حكومة رئيس الوزراء الهندي اتال بيهاري فاجيايي التي اعيد انتخابها في اكتوبر الماضي لعدة اختبارات خلال العام. وكان احد اسباب اعادة انتخاب هذه الحكومة هو وعودها بتحرير اقتصاد البلاد. واخطر هذه الاختبارات كان اضراب لمدة احد عشر يوماً قام به عمال الطاقة في ولاية اوتار براديش الشمالية وقد واجهت الحكومة هذا التحدي واضراباً آخر على المستوي الوطني قام به عمال الموانىء والبترول, عن طريق اطلاق حملة وقد القى ذلك الضوء على الطرق الطويلة التي يتعين على الهند ان تقطعها في الوقت الذي يتزايد فيه الضغط من جانب الجماعات التي تؤيد وتطالب بتحرير الاقتصاد الهندي وتحديثه. واهم ما يتعين على الحكومة ان تفعله هو تحسين البنية التحتية في البلاد, وهو امر لا غنى عنه اذا ارادت الهند ان يحقق اقتصادها النمو وان يخرج 400 مليون هندي من تحت نير خط الفقر. كان الاضراب بسبب حل مجلس كهرباء ولاية اوتار براديش إلى ثلاثة افرع يتولى احدها قطاع توليد الطاقة والثاني نقلها والثالث توزيعها. هذا الاجراء كان جزءاً من خطة بعيدة المدى لاعادة الهيكلة, ويجري تنفيذها في ست ولايات من ولايات الهند الخمس والعشرين ومن المقرر تطبيقها في وقت لاحق على عدد آخر من الولايات, بمساعدة من البنك الدولي وبنك التنمية الآسيوي, وتهدف إلى تشديد واحكام الادارة ووضع رسوم او اسعار للطاقة على اساس نظام السوق. ويعاني مجلس ادارة كهرباء اوتار براديش مثل بقية مجالس الطاقة في الولايات الهندية الاخرى من الخسائر الكبيرة في توزيع الكهرباء وسرقتها, حيث تبلغ نسبة سرقة الطاقة في هذه الولاية 42% من اجمالي الطاقة المتولدة, لكن الكبر الخسائر تأتي من السياسات الشعبية التي تؤدي إلى هبة الطاقة او بيعها بسعر ضعيف للغاية لا يمثل قدراً يسيراً من تكلفة انتاجها وتوليدها. هذا هو السبب الرئيسي والوحيد للارتفاع الرهيب في عجز الميزانية إلى ما يقرب من 10% من اجمالي الناتج المحلي. ويصل الدعم في قطاع الكهرباء والقطاعات الاخرى إلى 14% من اجمالي الناتج القومي اذا اضفنا كل التكاليف غير المحصلة للسلع والخدمات. ويؤدي هذا التوزيع بدون تركيز حقيقي للموارد النادرة في الاساس إلى تشوهات كبيرة ولا يوفر اي مساعدات تذكر للفقراء في البلاد, حيث لا يحصل المعينون بالدعم عليه. فالمزارعون الاغنياء مثلاً يحصلون على الطاقة مجاناً ويستخدمونها في ضخ مياه رخيصة الثمن لكنها نادرة, ويغدقون بها محاصيلهم بكميات اكبر من المطلوبة. وفي الوقت نفسه ادي الدعم والهبات إلى تزايد الضغوط المالية والحد من الانفاق العام في قطاع البنية التحتية, حيث انخفض هذا الانفاق من 4% إلى 3% من اجمالي الناتج المحلي خلال العقد الماضي, في الوقت الذي تنفق فيه الحكومة نصف عائداتها لدفع الديون وخدمة الديون. وفي الوقت نفسه لم تتحقق التوقعات بارتفاع استثمارات القطاع الخاص في مجال البنية التحتية, حيث ارتفعت هذه الاستثمارات من 4.1% إلى 6.1% فقط من اجمالي الناتج القومي خلال الفترة المذكورة, مما ادى إلى ان تصل طاقة توليد الكهرباء إلى 15 الف ميجاوات في الفترة من 1992 حتى ,1997 وكان المقرر ان تصل حسبما اعلنت الحكومة إلى 28 الف ميجاوات. ولا غرو ان المنتدى الاقتصادي العالمي ذكر في تقريره عن عام 1998 بشأن المنافسة العالمية, ان الهند تأتي في ذيل قائمة تضم 53 دولة من حيث البنية التحتية, اي جاءت في المركز الاخير. ويمكن ملاحظة المشكلة بكاملها في قطاع الطاقة, حيث حاولت حكومات متعاقبة جذب استثمارات القطاع الخاص إلى هذا المجال في التسعينيات. لكن هذه المحاولات فشلت لانه لا توجد آلية تسعير واقعية للكهرباء, اضافة إلى وجود الدعم الشامل بقدر يسبب اضراراً بالغة. وتقول لجنة التخطيط الهندية ان متوسط تكلفة وحدة الطاقة يصل إلى 25.2 روبية لكل كيلو وات/ ساعة عام 97/,1998 مقابل بيع وحدة الطاقة بسعر 85.1 روبية, اي ان نسبة تغطية التكلفة لكل كيلووات/ساعة تصل إلى 82%. غير ان مدى التشوه الاقتصادي يكون شديد الوضوح, عندما نعرف ان متوسط السعر الذي تباع به الطاقة للمزارعين هو 17 روبية فقط للكيلووات/ ساعة, اي بدعم شامل للمزارعين مقارنة بالاستخدامات الصناعية للكهرباء. ويتفق غالبية المحلليين على ان هذا لا يمكن ان يستمر, حيث أدى الى ان تهاجر المصانع في اتجاهين في بعض الاحيان تنقل الشركات مصانعها ببساطة من المناطق التي تكون فيها اسعار الطاقة مرتفعة مثل البنغال الغربية, التي يوجد بها حاليا فائض من الطاقة الكهربائية. ويحدث ذلك في بلد يفتقر بشكل حاد الى الطاقة حيث تصل نسبة الوفاء بالحاجة الكهربية الى 11% في الاوقات العادية والى 18% في اوقات الذروة. غير ان هناك ظاهرة اعم واشمل, هي ان كثيرا من المصانع والاستخدامات الصناعية التجارية وبعض الاسر ذات الدخل المرتفع يلتفون حول مجلس الطاقة بالولاية ويولدون الطاقة من مصادر خاصة بهم. وقدرت احدى الشركات الاجنبية انه تم تركيب محطات طاقة كهربية خاصة خلال التسعينيات بلغت طاقة توليدها 20 الف ميجاوات. فاذا استمر هذا الاتجاه, فسوف يستمر مجلس الولاية للطاقة المفلس اساسا, في الخسارة, خسارة المستهلكين الذين يدفعون لقاء الكهرباء, اذا تحولت بعد ذلك الى شركات تريد ان تجذب مشترين لبيع انتاجها. ويقول رئيس البنك الذي تديره الحكومة لتنمية وتمويل صناعة الطاقة ويشترط لصرف قروض لهذا القطاع ان يكون هناك التزام بالاصلاح, مثله مثل البنك الدولي وبنك التنمية الاسيوي, انه بدون اصلاحات شاملة وإعادة هيكلة كاملة, لكن يكون قطاع الطاقة ناجحاً. غير انه يعرب عن تفاؤله, خاصة وان حكومة فاجبايي تهدف الى رفع معدل النمو الاقتصادي من 6% حاليا الى 7.8% سنويا, ويقول انهم يعرفون انه لا يمكن ان يكون هناك نمو بدون طاقة, ولا طاقة بدون اموال ولا اموال بدون اصلاحات, فإذا كانت هناك مشروعات مربحة يتوفر تمويل البنوك. ولابد ان تقوم الحكومة بالاصلاحات لأن فاجبايي نفسه قدر ان هناك حاجة لاستثمارات تصل الى 25 مليار دولار سنويا خلال العقد المقبل. والحاجة للاستثمارات اكبر من ذلك في قطاع الصرف الصحي. ويقول البنك الدولي ان هناك 27 مدينة في آسيا تضم سكانا عددهم مليون نسمة في كل منها, وبينها اكبر اربع مدن في الهند, تعد اسوأ المدن في العالم من حيث امدادات المياه, في الوقت الذي يموت هناك نحو 5.1 مليون طفل تحت سن خمس سنوات بسبب الامراض المنقولة عبر المياه. ويقدر البعض الاستثمارات المطلوبة في مجال المياه والصرف بنحو 50 مليار دولار سنويا خلال العقد المقبل. وتأتي مرة اخرى مشكلة الرسوم المناسبة على المستهلكين حيث يصل معدل تغطية التكلفة في مجال المياه الى 10% للوحدة, وهذا يعوق الاستثمار ويجعل موارد المياه تستهلك دون معدل إحلال. وقال احد خبراء التنمية بما ان المياه سلعة اجتماعية وليست اقتصادية كما هو واقع الآن, فهو لا يرى اي تقدم في هذا المجال. غير ان هناك بعض علامات التحسن, حيث ان ولايات مثل كارانتاكا واندهرابراديش في جنوبي الهند, من اولى الولايات التي ادخلت اصلاحات في مجال الطاقة, وتبحث الآن تطبيق برامج تخصيص قطاع المياه. وفي قطاعات البنية التحتية الاخرى مثل الاتصالات والموانىء والمطارات, وحتى الطرق, هناك بعض التقدم. ومن المتوقع ان تفتح الحكومة قطاع الاتصالات للهواتف الثابتة للمنافسة بحلول نهاية العام الجاري, بعد ان فتحت قطاع الهواتف المتحركة. وتحاول الحكومة ايضا ان تضع الموانىء تحت ادارة شركات خاصة وتقضي على احتكار الهيئات الحكومية لها وتجذب رأس المال الخاص للمشاركة في التوسع والتحديث قبل خصخصة هذا القطاع. غير انه في الوقت الذي ادي فيه نمو الموانىء تحت ادارة القطاع الخاص الى زيادة طاقة التداول, ومضاعفتها تقريبا وانخفاض فترة الانتظار لدخول الموانىء الهندية الى النصف, إلا ان الانتاجية لا تزال متخلفة وتصل الى ثلث انتاجية موانىء مثل سنغافورة وكولمبو وبانكوك. كما تحاول الحكومة تأجير المطارات الرئيسية في البلاد, التي تخضع حاليا لادارة هيئة الموانىء الجوية الهندية الحكومية. ويقول احد خبراء التنمية لابد ان يدفع احد تكلفة ادخال الحلول التقنية, فلا سبيل غير ذلك.