تقدم هانز فون سبونيك, منسق برنامج الأمم المتحدة المعروف باسم النفط مقابل الغذاء في العراق, باستقالته من منصبه, اعتبارا من اليوم الأخير من هذا الشهر. جاءت الاستقالة احتجاجا على الآثار الرهيبة التي خلفتها العقوبات المفروضة على العراق منذ ما يقرب من عشر سنوات. قبل كوفي عنان الاستقالة على مضض, بعد أن ظل يقاوم الضغوط التي مارستها الولايات المتحدة وبريطانيا من أجل إقالة سبونيك. والمسؤول المستقيل ـ الألماني الأصل ـ كان قد أثار قلق واشنطن ولندن بتعليقاته حول نظام العقوبات, وأعلن خلال شهر أكتوبر الماضي على نحو خاص (أنه ـ وبأمانة ـ لا يمكن أن نحرم شعبا من حقوق الإنسان الأساسية. إن للعراقيين الحق مثل الآخرين في شغل الوظائف والتعليم والصحة, وإن برنامج النفط مقابل الغذاء لم يقدم لهم إلا أقل القليل) . وللأسباب ذاتها طلبت جويتا بيرجهارت, المسئولة عن ملف العراق ببرنامج الغذاء العالمي, نقلها من المنصب الذي تشغله. وقد سبق وأن تقدم سلف فون سبونيك, الأيرلندي دينس هاليداي, باستقالته من منصبه في شهر أكتوبر 1998 بعد أن أطلق تحذيرا مدويا ضد (الآثار المأساوية) للعقوبات على شعب العراق. ولم يكتف بذلك فقط, بل انضم إلى صفوف المطالبين برفع عقوبات الأمم المتحدة. ولا نملك إلا أن نشيد بمواقف الشخصيات الثلاث التي فضلت الإصغاء إلى ضمائرها, بدلا عن الاستمرار في الاستفادة من المزايا والشهرة التي يتمتع بها كبار العاملين في المنظمات الدولية المرموقة. إن هذا الموقف جدير بمراقبة جميع أولئك الذين شاهدوا ما شاهدوا بأم أعينهم, وعرفوا ما عرفوا من خلال معايشتهم لأوضاع الشعب العراقي, إلا أنهم ـ وللأسف الشديد ـ صموا آذانهم ولزموا الصمت التام حيال ما يجري! وبالنسبة لفون سبونيك فإن الموقف الشجاع الذي اتخذه يستدعي ذكرى والده الجنرال الألماني, الذي دفع حياته ثمنا لمشاركته في محاولة اغتيال أدولف هتلر. من ناحية أخرى ولأول مرة منذ حرب الخليج أرسل ما لا يقل عن سبعين عضوا في الكونجرس الأمريكي رسالة واضحة إلى الرئيس بيل كلينتون, لافتين نظره إلى الطبيعة (غير الإنسانية) للعقوبات ضد العراق. كما أصدرت لجنة برلمانية بريطانية مؤخرا تقريرا في ذات السياق. وعلاوة على ذلك عبر صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة, والرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة, عن سخطهما الشديد من التبعات المأساوية لهذه العقوبات ذاتها. كذلك قرع العديد من المنظمات الإنسانية الدولية والقادة السياسيين والمفكرين والمثقفين ورجال الإعلام, في مختلف الدول, أجراس الإنذار. وأحد أكثر الأمثلة دلالة على ذلك, ما أعلنته منظمة اليونيسيف من تقديرات تشير إلى وفاة أكثر من نصف مليون طفل عراقي دون سن الخامسة منذ العام 1991 نتيجة للحظر, أي بمتوسط يبلغ 152 طفلا في اليوم الواحد! ولم يجد المتحدث الرسمي باسم البيت الأبيض كلمة واحدة في كل القواميس ليعبر بها عن وجهة نظره حول هذا الموضوع, سوى القول إن الإحصاءات الرهيبة التي حملها تقرير اليونيسيف (مبالغ فيها) ! وحتى إن كانت هذه الأرقام كذلك ـ مع ملاحظة أنها ستظل كما هي لحين تقديم البراهين التي تثبت العكس ـ وحتى إذا افترضنا أن طفلا واحدا فقط يموت كل يوم, يحق لنا أن نتساءل كيف يستطيع هذا المسئول ورؤساؤه أن يتذوقوا طعم النوم؟! وأحد الأمثلة التي تثير الشك حيال سياسة إدارة الرئيس كلينتون تجاه العراق, تبدل مواقف بعض كبار المسئولين السابقين الذين انضموا إلى القطاع الخاص. وهناك على سبيل المثال جون دويتش الذي كان مديرا لوكالة المخابرات المركزية لأربع سنوات, والذي كان له ضلع كبير في خطة إطاحة الرئيس صدام حسين. إن هذا الرجل نفسه عضو في مجلس إدارة شلومبيرجر, وهي مؤسسة تقوم ببيع معدات النفط للعراق. أما ديك شيني, وزير الدفاع إبان حرب الخليج العام ,1991 فيشغل الآن منصب الرئيس التنفيذي لشركة هاليبيرتون, ويملك حصة في شركتي دريسر ـ راند وانجريسول ـ بمب, وهما أيضا ضمن مجموعة من الشركات الدولية التي تصدر معدات لتطوير حقول نفط العراق. إن بيع معدات النفط للعراق أمر مشروع تماما بالطبع, مادام تم في إطار (قرارات) مجلس الأمن الدولي بالسماح للعراق باستيراد قطع غيار تصل قيمتها إلى 300 مليون دولار كل ستة أشهر لإعادة تأهيل منشآته النفطية. وبالدرجة نفسها من المشروعية تقوم الشركات الأمريكية بطريقة غير مباشرة بشراء نحو 700 ألف برميل في اليوم من النفط الخام العراقي, أي نحو ثلث صادراته بموجب نصوص برنامج النفط مقابل الغذاء! ولكن كل ذلك يحدث في الوقت الذي تواصل فيه إدارة الرئيس كلينتون رفضها لرفع العقوبات, وفي الوقت الذي تدك فيه القاذفات الأمريكية (والبريطانية) أرض العراق ـ بما في ذلك منشآت النفط ـ والأهداف المدنية بالقنابل كل يوم تقريبا. وعلى هذا الأساس لابد من السؤال: أين هي الحدود بين السياسة والتجارة, بين المصالح والأخلاقيات, بين ما هو قانوني وما هو غير قانوني, بين ما هو إنساني وما هو غير إنساني؟ وفي واقع الأمر, ومنذ سنوات مضت, فإن حكومتي بيل كلينتون وتوني بلير هما اللتان تقرران ما يجب وما لا يجب القيام به في العراق. وإن هدفهما المعلن بالإطاحة بصدام حسين لا ينسجم مع أي من نصوص قرارات مجلس الأمن الدولي, وإن كان لدى الحكومتين ما يستحق أن تسوياه مع العراق, فيمكنهما القيام بذلك بالاسترشاد بميثاق الأمم المتحدة, ولكن ليس على جثث شعب العراق. وما من نص في ميثاق المنظمة الدولية, أو أي قانون آخر في العالم (سوى قانون الغاب!) يبيح لأي أحد أن يحرم أكثر من عشرين مليون إنسان من حقوقهم في التنمية والتعليم والغذاء والرعاية الصحية والكرامة الإنسانية. تلك هي الحقائق التي أدانتها ورفضتها الشخصيات الثلاث, واستقالات هذه الشخصيات أوضحت بجلاء أن العالم يجب ألا يهتم بالعراق فقط من أجل عدد براميل النفط التي يمكن أن يقوم بتصديرها. وليس أمامنا سوى إزجاء الشكر والتهنئة لهذه الشخصيات, باسم جميع العراقيين الذين فقدوا أرواحهم أو لايزالون يعيشون تحت وطأة أكثر أنواع الحصار الدولي طولا وعبثية وفظاعة في التاريخ.