من الطبيعي أن تكون كافة اتفاقيات وقوانين منظمة التجارة العالمية متركزة حول المسائل المتعلقة بالجوانب التجارية والخدمية والأطراف المتعاملة في الأسواق, لكن من غير الطبيعي أن تبتعد هذه الاتفاقيات والقوانين عن البحث في ما يتعلق بالمستهلك وما سيلحقه من آثار, على الرغم من أنه المستهدف الأول من العملية الإنتاجية وانتقال السلع والخدمات بين الأسواق. وعلى المستوى العربي لاتزال جهود حماية المستهلك فردية في جملتها, ولا ترقى إلى مثيلتها في الدول الأوروبية من حيث الاهتمام بالمواصفات الاستهلاكية وترسيخ الوعي الاستهلاكي بين أفراد المجتمع. ومن هنا انطلقت الدعوة إلى إقرار اتفاقية عربية تتضمن الإجراءات الكفيلة بحماية المستهلك من آثار العولمة, واتخاذ الخطوات التشريعية والعملية التي تضمن تحقيق ذلك. مما لاشك فيه أن سرعة تدفق هذا الكم الكبير من السلع والخدمات, في ظل انفتاح الأسواق استجابة لمبادئ العولمة وقوانين منظمة التجارة العالمية, لن يعطي الفرصة للمستهلك ليحسن اختيار ما قد يحتاج إليه من السلع, ما قد يعرضه لمخاطر عديدة من جانب, إضافة إلى مغريات الأسعار والتنوع المذهل فيها من جانب آخر, مما يجعله ضحية للعولمة باعتبارها المسئولة الأولى عما ستكون عليه الأسواق التي ستصبح واحدة عندما يتحول العالم إلى قرية صغيرة بالفعل. تحقيق: ممدوح عبدالحميد من هنا فإن المرحلة المقبلة تتطلب بذل المزيد من الجهود من أجل إعداد جيل من المستهلكين على علم ودراية بمتطلبات سلامتهم الاقتصادية, وتكوين وعي عام لديهم حول السلع والخدمات التي يتعاملون معها, وبالطبع فإن هذا لن يتحقق إلا من خلال تأسيس المنظمات الأهلية المعنية بحماية المستهلكين. وقد شهدت أبوظبي مؤخرا المؤتمر الأول للمستهلك العربي, والذي أقيم تحت عنوان (المستهلك العربي في ظل العولمة) , والذي أقامه الاتحاد العربي للمستهلك بالتعاون مع جمعية الإمارات لحماية المستهلك. وقد بحث المؤتمر في مختلف القضايا التي تهم المستهلك, ونحن مقبلون على مرحلة جديدة تشهد تطورات كبيرة على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي وخاصة ما يتعلق منها بالمستهلك من أجل الحفاظ عليه وحمايته من التأثيرات السلبية التي يمكن أن تلحق به نتيجة العولمة. ولكن إذا كانت قوانين واتفاقيات منظمة التجارة العالمية ترعى مصالح الدول المنتجة والمصدرة والمستوردة للسلع والبضائع, فمن يرعى إذن مصالح المستهلكين الذين يشكلون القوة الدافعة للحركة التجارية والاقتصادية؟ * الدكتور محمد عبيدات, رئيس الاتحاد العربي للمستهلك, يقول إن الاتحاد بهيئاته المختلفة يعمل على إرساء وتفعيل مفاهيم حركة حماية المستهلك في مجتمعاتنا العربية, لتصبح قادرة على حماية المستهلك من أضرار العولمة والانفتاح, ومحاربة التبعية التي تمثل الوجه الآخر للعولمة الرامية لاستيعاب قيمنا وموروثاتنا الحضارية. ويضيف أنه يجب أن نفرق بوضوح بين الجانب الإنساني والوجه الآخر لهذه الفلسفة الاستيعابية الذي يحاربه الجميع, لأنه موجة استهلاكية خالية من الحضارة والتمدن. وبالتالي فإنه يجب على الدول النامية, ونحن منها, العمل على مواجهة الانعكاسات السلبية للوجه الآخر للعولمة, من خلال توفير المقدرة الذاتية وإعادة النظر في السياسات الاقتصادية والاجتماعية لها, والتي قد ينجم عنها سوء توزيع الثروة والمكاسب الاقتصادية وانحسار مكاسبها بشكل شبه مؤكد في الدول المتقدمة وحدها, الأمر الذي قد يؤدي إلى تداعيات خطيرة قد تهدد استقرار العالم. وأوضح أن الاتحاد يسعى إلى إيجاد تكتل عربي منفتح على التكتلات المماثلة في العالم, وذلك بهدف حماية الإنسان العربي من السلع والخدمات غير الصالحة للاستهلاك البشري, وتحسين شروط الاستفادة من الجوانب التكنولوجية والمعلوماتية للعولمة, والتي تمثل البعد الإنساني فيها. وقد أخذ الاتحاد العربي للمستهلك كمنظمة غير حكومية على عاتقه العمل البناء المنظم لحث الحكومات العربية على الإسراع في تطبيق اتفاقية السوق العربية المشتركة, من أجل تحقيق الاستقرار للاقتصاد العربي ولمواجهة الآثار السلبية للعولمة وترشيد تداعياتها المختلفة. * محمد موسى الجاسم, رئيس جمعية الإمارات لحماية المستهلك, يقول إنه إذا كان العالم يمضي نحو العولمة في شتى صورها ومظاهرها وأبعادها, بعد التغيرات المذهلة التي حدثت في السياسات العالمية واقتصادات الدول في السنوات الأخيرة, إلا أن الاتحاد العربي للمستهلك وجمعية الإمارات لحماية المستهلك كان لهما السبق في التفكير بالتركيز على معطيات هذه العولمة, ومحاولة القيام بتحليل تأثيرات تلك التغيرات بمجالاتها المختلفة. ويضيف أن العولمة تعني الانفتاح على العالم, وسوف يتعامل الناس منتجين ومستهلكين في عالم يتلاشى فيه تأثير الحدود الجغرافية والسياسية, وسوف تفرض العولمة تحدياتها على الدول النامية ـ ومنها عالمنا العربي ـ على المستوى الثقافي والاقتصادي والاجتماعي والسياسي. وبهذا ستجد الدول العربية نفسها أمام بيئة جديدة غير مسبوقة تحمل من الإيجابيات والسلبيات ما تحمله, وستلقي بظلالها على المستهلك العربي, ومن هنا تأتي أهمية توحيد الجهود العربية لاسيما من خلال المواصفات والمقاييس العربية, والإسهام في إزالة معوقات إنشاء السوق العربية المشتركة, والنهوض بالمستهلك العربي وتكوين الوعي العام لديه حول السلع والخدمات وعلاقتها بصحته وسلامته, ودعم تأسيس المنظمات الأهلية المعنية بحمايته. ويؤكد أننا في ظل العولمة مطالبون كمستهلكين بالتعايش مع كل المتغيرات العالمية, كمنطلق أساسي لإقرار الحقوق الأساسية للمستهلك العربي. مشيرا إلى أن العولمة تمثل تحديا, ولكنها تمثل كذلك فرصة يتعين علينا اغتنامها عبر تكنولوجيا المعلومات التي أصبحت متاحة للجميع, وعبر انفتاح الأسواق العالمية والمنافسة الحرة, الأمر الذي يمكننا من تحويل هذا التحدي إلى فرصة من خلال تعزيز قدراتنا في مجال نشاطات الأجهزة الحكومية والأهلية ذات الصلة بمصالح المستهلك. * المهندس حسن مرعي الكثيري, نائب رئيس جمعية الإمارات لحماية المستهلك, يقول إن هيئات المواصفات والمقاييس في العالم العربي لعبت دورا في هذا المجال, ولكن لم يرق هذا الدور إلى طموح المستهلك العربي, وإن كان هذا ليس على وجه العموم, حيث إن هناك بعض الهيئات قدمت دورا يعتبر جيدا نسبيا مقارنة بالآخرين. ويضيف أننا ندخل الآن الألفية الثالثة, في ظل المتغيرات الكبيرة وما يختص بالعولمة وقوانين منظمة التجارة العالمية, والدعوات إلى فتح الحدود أمام السلع والخدمات, وما يسمى بالشركات العابرة للقارات والتجارة الإليكترونية, وغير هذا الكثير. وكل هذا يضع هيئات المواصفات والمقاييس أمام تحديات كبيرة, تتمثل في الإغراق بالسلع والخدمات, والذي سيؤثر حتما على المستهلك العربي وعلى قطاعنا الاقتصادي, والثقافة الاستهلاكية التي سوف تحملها العولمة وتغير العادات السلوكية والاجتماعية ونمط الاستهلاك. ويوضح أن هذه التحديات تفرض العديد من التساؤلات حول هيئات المواصفات والمقاييس, بنظمها وتشريعاتها الحالية وإمكانياتها المادية, وكذلك غياب الدور الفعال لهذه الهيئات, مما أوجد فجوة كبيرة في المنافسة والجودة والشفافية ومراكز المعلومات, وهذا ما انعكس على دولنا وعلى المستهلك العربي وعلى تجارتنا الوطنية وعلى سلامة وأمن وصحة المجتمع. ويؤكد أن لهيئات المواصفات والمقاييس دورا مهما في التجارة وحماية المستهلك, حيث لا يمكن كبح ظاهرة الغش والتدليس وإيجاد منافسة شريفة وأسعار جيدة دون إعطاء المواصفات والمقاييس الدور الكبير والمهم في ظل العولمة وقوانين منظمة التجارة العالمية, حيث إن الفيصل في هذه المرحلة سيكون للجودة. مشيرا إلى أن هذا الأمر في عالمنا العربي لم يرق للمستوى المطلوب بعد, ويكفي أن نعرف أن دولة مثل ألمانيا تمتلك أكثر من 25 ألف مواصفة, ولا تزيد المواصفات في أكثر دولنا العربية تقدما عن خمسة آلاف مواصفة, ناهيك عن الآلية في تطبيقها, ولا يتحقق هذا إلا بإيجاد هيئات للمواصفات تواكب المتغيرات الجديدة. ويشدد على أن قوانين منظمة التجارة الدولية هي سمة القرن المقبل, خصوصا وأن كثيرا من دول العالم قامت بتوقيعها, ومنها 8 دول عربية كان آخرها الأردن, وهناك دول أخرى تحاول الانضمام منها السعودية وسوريا. وهذه القوانين كثيرة ومتعددة, ولا يمكن لهيئات المواصفات والمقاييس أن تواجهها وحدها أو تطوعها لمصلحة دولنا أو الاستفادة من الإيجابيات وتقليل السلبيات, ولكن هيئات المواصفات والمقاييس منوط بها دور كبير. ويرى أن هناك بعض المتطلبات التي يجب أخذها في الاعتبار عند وضع المواصفات والمقاييس, ومن أهمها أنه يجب ألا توجد عوائق غير ضرورية في وجه التجارة الدولية, والمساواة في المعاملة بين المنتج الوطني وغير الوطني, ونشر المعلومات المتعلقة ببرامج المواصفات كل ستة أشهر, وإعطاء فرصة للراغبين في الدول الأخرى لإبداء ملاحظاتهم وآرائهم قبل اعتماد المواصفة بفترة كافية (ستون يوما على الأقل). ويدعو المهندس الكثيري إلى ضرورة إنشاء هيئات مواصفات ومقاييس ذات شخصية اعتبارية ومستقلة تتبع لأعلى سلطة في الدولة, وإنشاء هيئة عربية للمواصفات والمقاييس مستقلة وفصلها عن المنظمة العربية للتنمية الصناعية والتعدين, وحضور عربي موحد وتنسيق للمواقف والاسترشاد بنظام الدول الأوروبية, وتشجيع جمعيات النفع العام وأعضائها على التقاضي نيابة عن المستهلك, وإشراكها في مجالس إدارة هيئات المواصفات والمقاييس, وإنشاء مراكز للمعلومات أو مركز للمعلومات قادر على إعطاء المعلومات محليا وخارجيا بشفافية, وإنشاء مركز عربي للمواصفات والمقاييس والمعلومات في جنيف مقر منظمة التجارة الدولية, إضافة إلى ضرورة الاستفادة من التجارب الناجحة في الدول العربية ودراستها وتقييمها وكذلك التجارب الأجنبية. * الدكتور هشام صادق, أستاذ القانون الدولي الخاص بجامعة الأسكندرية, يرى أن أمل الشعوب في التوحيد الإقليمي على الأقل في المجال الاقتصادي, والذي يتمثل في إقامة سوق عربية مشتركة, لايزال حلما عربيا قوميا, إلا أنه هو السبيل الوحيد للتعامل مع ظاهرة العولمة التي تقودها الشركات الغربية العملاقة, والطريق الذي لا غنى عنه إن أرادت هذه الأمة أن تتخلص من التبعية وتنطلق للحاق بركب العصر. ومن مقتضيات التوحيد الاقتصادي المنشود السعي إلى توحيد التشريعات العربية المرتبطة بالسوق المشتركة, ومن بينها التشريعات الخاصة بحماية المستهلك, وبالتالي فإن إدراك هذه الغاية يقتضي وضع اتفاقية عربية تتضمن القواعد الإجرائية الموحدة لحماية المستهلك في البلاد العربية. ويضيف أن تحقيق ذلك يتطلب إرادة سياسية مدركة لأهمية التوحد العربي في هذا المجال من ناحية, ومستعدة للتوصل إلى حلول توفيقية يتفق عليها الجميع من ناحية أخرى. ويقول إنه قد يكون من المفيد في هذا الإطار أن تعمل المنظمات غير الحكومية لحماية المستهلك في كافة الدول العربية على وضع مشروع نموذجي موحد لاتفاقية عربية مقررة للحماية الموضوعية والإجرائية للمستهلكين, ويمكن بعد ذلك بذل المساعي السياسية في كل دولة عربية على حدة للانضمام لهذه الاتفاقية, التي ستصبح أحكامها على هذا النحو جزءا من التشريعات الداخلية للدول الأعضاء.