أثار إعلان الحكومة عن خصخصة إدارات شركات المجمعات الاستهلاكية المصرية جدلا واسعا بين المواطنين, خاصة وأن تلك الشركات تتعامل مع قطاع كبير من محدودي الدخل.. حيث كانت الحكومة في السابق تبيع السلع الغذائية من خلالها بأسعار مدعومة لتخفيف العبء عن كاهل المواطن، وهو ما كلف الحكومة كثيرا تمثل في النهاية في تراكم مديونيات يصعب سدادها في الوقت الراهن, واصبحت تلك الشركات خلال السنوات القليلة الماضية تبيع أيضا السلع الغذائية بدون دعم لكن بأسعار أقل من تلك المعمول بها لدى القطاع الخاص, حيث وضعت الحكومة السابقة برئاسة د. كمال الجنزوري برنامج عمل خاصا يضمن وصول السلع إلى المستهلكين بأسعار أقل من القطاع الخاص, وذلك من خلال اختصار الطرق السابقة التي كانت تتبع في انتقال البضائع من المنتج إلى منفذ البيع حيث كانت تدخل في إطار من الإجراءات والوسطاء بما ينتج عنه رفع السعر النهائي.. ومع إصرار حكومة د. عبيد على خصخصة شركات المجمعات الاستهلاكية بدأ رجل الشارع يتساءل عن مصير الأسعار في ظل تولي القطاع الخاص لإدارة المنفذ الوحيد الذي كان يبيع بسعر الجملة تقريبا. يشير اللواء حمدي الجندي نائب رئيس اللجنة العليا المشرفة على شركات المجمعات الاستهلاكية السبع, إلى أن اللجنة انتهت من تطوير نحو 250 فرعا من فروع تلك الشركات خلال العامين الماضيين, وهو ما انعكس إيجابيا وشعر به المواطن خلال الأشهر القليلة الماضية, حيث وفرت المجمعات الإستهلاكية كافة السلع الغذائية خاصة في المواسم ولم تكن هناك أي شكوى من نقص السلع والمواد التموينية وأمكن من خلال تلك المجمعات الحفاظ على توازن السوق. ويقول الجندي أن انتقال المجمعات الاستهلاكية من وزارة قطاع الأعمال العام إلى وزارة التجارة عام ,1997 يهدف في الدرجة الأولى إلى تحقيق الاستقرار والتكامل بين الشركات السبع عبر انضمام قطاع التوزيع مع الجملة, ويجرى حاليا التنسيق بين شركات النيل والأهرام والإسكندرية للمجمعات الاستهلاكية وبين شركات الجملة للحوم والأسماك, حرصا من الوزارة على خدمة المواطنين وتوفير السلع الغذائية بأقل الأسعار في الأسواق ومنع الاحتكار, وإحداث نوع من التوازن السعري في السوق لمواجهة القطاع الخاص. ويوافقه في الرأي اللواء فخري زكي رئيس شركة النيل للمجمعات الاستهلاكية, ويضيف بأن فكرة الخصخصة مرهونة بتحسن أداء القطاع الخاص وخروج مشروع قانون منع الاحتكار إلى النور, حتى تكون هناك آلية تحكم السوق, ومن ثم إمكانية السيطرة على الأسعار إلى حد كبير وتوفير السلع لكافة الطبقات وإيقاف الصعود الجنوني لأسعار بعض السلع مثل اللحوم والأسماك. وشهدت المجمعات الاستهلاكية حالة من الإصلاح والتغير خلال حكومة الدكتور الجنزوري وهو ما لمسه المواطن من توفير السلع الغذائية وبأسعار منافسة لما هو معمول به لدى القطاع الخاص, وفي هذا السياق يقول الدكتور احمد جويلي وزير التجارة والتموين الأسبق: تمسك حكومة الدكتور الجنزوري بعدم خصخصة المجمعات الاستهلاكية كان بهدف الوقوف امام (غول) القطاع الخاص في ظل سوق حرة تعمل وفق آليات العرض والطلب, وكان هذا التحفظ إنطلاقا من ضرورة توفير الأدوات اللازمة للحكومة التي تمكنها من الحفاظ على التوازن الاجتماعي وحماية مصالح القطاع الأكبر من الشعب, وطرح السلع للمستهلكين بأسعار أقل من القطاع الخاص, وهو لا يعني خسارة للمجمعات الاستهلاكية بل كنا ننشد الربح الصغير, وهو ما نجحت فيه الوزارة فعلا وحققت تلك المجمعات الهدف الذي وجدت من أجله, أضف إلى ذلك أن تلك المجمعات حققت أرباحا أعلنا عنها في حينه وتم صرف أرباح وحوافز للعاملين بها ولم يتم تسريح أحد منهم أو إحالته للمعاش المبكر. ويضيف د. جويلي: مهمة شركات المجمعات الاستهلاكية مهمة قومية, وتحقيق التوزيع العادل للسلع بين أفراد الشعب لتكون كافة السلع مهما ارتفع ثمنها بين أيدي كل من يطلبها, وقد تسلمت الوزارة الشركات في مطلع عام 1998 وكانت تحقق خسائر سنوية تبلغ 3.86 مليون جنيه كالتزامات للشركات القابضة التابعة, حيث أنها كانت تخضع لعدد من الشركات القابضة وهو ما كان يحول دون وجود تنسيق وتكامل في الإدارة. وبعد تسلمنا لهذه الشركات تمكنا خلال النصف الأول من عام 1998 من رفع ما قيمته 239 مليون جنيه من قيمة الديون المتراكمة المتأخرة للموردين والشركات الخاصة, على الرغم من التزام الوزارة بإزالة تلك الديون. وتمكنا فيما بعد من الحد من الخسائر السنوية للشركات, وفي الوقت نفسه لم يتأثر العمل بالمجمعات حيث وفرنا كافة السلع دون المساس بالأسعار المعمول بها من قبل, كل ذلك كان له الأثر في عودة تلك الشركات إلى وزارة التموين, إلا انها كانت تعاني من خلل الهياكل التمويلية وتدني رأس المال ونقص السيولة والعمالة الزائدة, وعدم تناسب أرقام المبيعات مع المصروفات وامتناع الموردين عن التعامل معها وعدم مساندة أي من الشركات القابضة لها. وخلال العامين التي تولت الوزارة إدارة تلك الشركات فيها, حققنا السعر الموحد للسلع, وزاد نشاط مبيعات الخضر والفاكهة في شركة الأهرام للمجمعات الاستهلاكية بنسبة 41%, وشركة النيل بنسبة 33%, كما ارتفع حجم انتاج شركة تسويق الأسماك التي تصدر حاليا فائض إنتاجها.. وكان هدف الوزارة من الدرجة الأولى القضاء على حلقات التدوال المطولة, حيث كانت السلع الغذائية تأخذ أشواطا من التداول إلى أن تصل إلى يد المستهلك المقصود, وهو بدوره يرفع من سعرها بصورة مبالغة, وركزنا في العمل على استغلال أسطول النقل والثلاجات المتوفرة لدى تلك الشركات في نقل السلع مباشرة من المنتج أو الزارع إلى مراكز البيع للجمهور, فضلا عن استخدام تلك السيارات والثلاجات أيضا في نقل السلع للغير وهو ما يعد دخلا أضافيا للمجمعات الاستهلاكية يمكنها من تسديد ديونها ويدعم موقفها المالي. وتم تجميع فائض الشركات السبع وتوزيعه على كل شركة وفقا للاحتياجات, حيث حققت الشركات ايرادات عام 1998 بلغت 877.900 مليون جنيه, وبلغت الأجور والالتزمات 35 مليون جنيه, وبلغ الفائض 12 مليون جنيه. ويؤكد الدكتور حسن خضر وزير التجارة الداخلية والتموين على اتجاه الحكومة لخصخصة شركات المجمعات الاستهلاكية, مشيرا إلى أن الخصخصة ستلتزم فقط بالجانب الإداري وستظل ملكية الحكومة في تلك الشركات كما هي, وستستمر وزارة التموين في الإشراف والرقابة عليها. ويضيف خضر أنه تم تحديد 157 فرعا لهذه الشركات التي تشمل شركتين لتجارة الجملة وثلاث شركات للمجمعات الاستهلاكية وتجارة اللحوم والدواجن وتسويق الأسماك, على أن تكون تلك الفروع موزعة على كل المحافظات بحيث تشمل خدامتها كافة المواطنين, متوقعا أن تحقق الفروع الجديدة لمنافذ البيع توازنا في الأسعار خاصة وأن عمليات نقل البضائع ستتم من خلال المصدر أو المنتج إلى المستهلك مباشرة مختصرة الطرق السابقة التي كانت ترفع الأسعار بنسب عالية. ويشير خضر إلى ان الوزارة تعمل حاليا على التخلص من المخزون الراكد لدى تلك الشركات والذي تبلغ قيمته حاليا حوالي 10 ملايين جنيه, حيث سيتم من خلال حصيلة بيع ذلك المخزون نسبة من ديون الشركة لدى العملاء والبالغ حاليا حوالي 71 مليون جنيه, وستتولى الوزارة تباعا تسديد الجزء المتبقي من الديون, بما يحقق التعادل بين المصروفات والإيرادات. من جهته يوافق مصطفى أحمد مصطفى رئيس شركة النيل للمجمعات الاستهلاكية ورئيس اللجنة الخاصة ببيع ثمانية فروع بالمزاد العلني من أفرع شركات المجمعات الاستهلاكية والبالغ عددها 400 فرع يوافق ـ على خصخصة الشركات, ويقول أن بيع تلك الفروع سيمكن الشركات من تسديد ديونها وتعديل الهيكل التمويلي لها, ويفضل البيع بالمزاد العلني عن البيع من خلال البورصة, مشيرا إلى أن إجراءات البورصة كثيرة ومكلفة ولن تعطي الثمن المطلوب أو الثمن الفعلي لتلك الفروع. يؤيده في الرأي طاهر الشريف سكرتير عام جمعية رجال الأعمال المصريين, ويقول: لا يعقل أن يتبع العالم سياسة السوق المفتوح والحكومة تهتم ببيع (البيض والزيتون) , فتلك أمور ولى زمانها, وننظر حاليا إلى المشروعات الاستراتيجية التي تدر أموالا طائلة للبلد, ومن المؤكد أن ترك مهمة إدارة شركات المجمعات الاستهلاكية للقطاع الخاص سيحقق نجاحا كبيرا من حيث الخدمة المقدمة للجمهور وتوفير السلع والحفاظ على توازن الاسعار داخل السوق وليس كما يتخيل البعض ان إسناد تلك المهمة للقطاع الخاص سيرفع من الاسعار, فالقطاع الخاص يهمه في الدرجة الأولى تحقيق أرباح معقولة مع ضمان استمراريته في السوق, وهذا لن يتحقق إلا من خلال اكتساب ثقة جمهور المستهلكين. ويطالب الشريف بسرعة بيع هذه المنافذ بعد تطويرها, خاصة وأن عائد البيع سيسد من خلاله الديون المتراكمة عليها, وهو ما يرفع عن الحكومة نسبة لا بأس بها من الديون. القاهرة حسين عبد الهادي