يكتسب الحديث عن (اليورو) أهمية كبرى لشدة تأثير طرحه على الاقتصاد العالمي, حتى أن هناك توقعات مدعمة بدلائل على أنه سيكون له التأثير الأكبر على الدولار الأمريكي, بالسلب طبعا. ما يهمنا هنا ـ إضافة إلى ذلك ـ هل موقفنا نحن كدول عربية في حقل تأثيرات اليورو, فالاقتصادات العربية بحكم العلاقات القوية والتاريخية لبعضها مع الدول الأوروبية ستكون لها حصة من هذه التأثيرات من دون شك, ولابد لها من إعادة النظر في العديد من القضايا المرتبطة بهذا الشأن, سواء بالنسبة للتجارة أم الاستثمار أم تسعير السلع, أم في الصناعة المصرفية بشكل عام وقضايا أخرى عديدة لاتقل أهمية. ويبقى السؤال هنا: هل سيبقى اليورو عبارة عن (عملة أخرى) ؟ لا نتوقع ذلك.. والأمر سيبقى مرهونا بنجاحه داخليا. يرى كثير من الخبراء أن الوحدة النقدية الأوروبية فرضت حتميتها من منطلق أن (مزايا السوق الموحدة وثمارها لا يمكن تحقيقها ونيلها إلا بعملة موحدة) , وأن كثيرا من الخلافات الاقتصادية والسياسية والثقافية بين دول الاتحاد الأوروبي يمكن تجاوزها. ومن جهة أخرى فإن تسمية العملة الجديدة باسم (يورو) بدلا من (أيكو) ـ والتي تمت الموافقة عليها في قمة قادة الاتحاد الأوروبي في مدريد أواخر العام 1995 ـ زادت من رصيدها وشعبيتها لأنها أكثر شيوعا في اللغات الأوروبية. وفي الوقت الذي (يتعولم) فيه الاقتصاد العالمي عبر تحرير التجارة والخدمات المالية والرساميل العابرة للقارات فإنه يتجه نحو تنظيم نفسه حول ثلاثة أقاليم اقتصادية كبرى هي أمريكا الشمالية وأوروبا الغربية وشرقي آسيا. فقد أدت عالمية المنافسة إلى أن تنظم كل منطقة اقتصادية نفسها في تكتل طارحة جانبا المزاحمة فيما بينها وأن تستعيض عنها بالتكامل والاتحاد. وعلى هذا الأساس أضحت دول الاتحاد الأوروبي تحقق ثلاثة أرباع مبادلاتها التجارية فيما بينها. إلا أن ثمة مفارقة صارخة تظهرها هذه المبادلات التجارية الأوروبية البينية, ألا وهي أن أداة هذه المعاملات كانت ولاتزال هي الدولار الأمريكي, وعليه يمكن القول إن اعتماد اليورو كعملة قارية يقصد به تصحيح هذا الوضع ليكون رديفا للدولار في الوقت الراهن وربما بديلا عنه في المستقبل المنظور. وقد عهدت معاهدة ماستريخت إلى البنك المركزي الأوروبي ـ الذي يتخذ من مدينة فرانكفورت الألمانية مقرا له ـ في مطلع العام 1998 مهمة رسم وتنفيذ السياسة النقدية الموحدة الخاصة بالاتحاد النقدي وتشجيع وتسهيل العمليات التي تتم في إطار نظام المدفوعات الأوروبي واتخاذ القرارات اليومية الخاصة بأسعار الصرف. وتعتبر الفترة الانتقالية الممتدة من يناير 1999 حتى نهاية يونيو 2002 أهم فترات الاتحاد النقدي الأوروبي, ففيها ستتم عملية التحول إلى العملة الجديدة وتصبح العملات الوطنية (بعد التثبيت النهائي لأسعار صرفها) ظلا للعملة الجديدة. أما على صعيد التداول فإن بإمكان المصارف تداول اليورو كنقود دفترية, بمعنى أن يستخدم كأداة من أدوات تسوية المعاملات المصرفية بين البنوك, وكذلك اصدار دفاتر الشيكات باليورو والتعامل بالعملة الجديدة في أسواق المال. أما على مستوى التعامل الشخصي في القطاع الخاص فإن البنك المركزي الأوروبي سيطبق المبدأ القائل (لا منع ولا إلزام) بين البائع والشاري, أي أنه لا يمكن منع طرف من استخدام اليورو وفي الوقت ذاته لا يجوز إجباره على استخدامه. وتكتسب قضية التثبيت النهائي لأسعار الصرف بين اليورو والعملات الوطنية الأخرى المشاركة أهمية خاصة نظرا لما تنطوي عليه من حساسية اقتصادية ونقدية وسياسية, ومن الناحية القانونية فإن اليورو هو البديل لوحدة الحساب الأوروبية (أيكو) أي يورو واحد لكل أيكو, إلا أن المعضلة تكمن في أن الأيكو تشمل جميع عملات دول الاتحاد الأوروبي بما في ذلك الجنيه الاسترليني والكورون الدنماركي والدراخما اليونانية وهي عملات دول لن تعتمد اليورو في الوقت الراهن. وفي هذا الصدد قررت المفوضية الأوروبية ومؤسسة النقد الأوروبية استخدام معادلة اقتصادية محددة تشمل بعض المؤشرات الاقتصادية في الدول الأعضاء كمعيار لحساب سعر الصرف مثل معدل التضخم ومعدلات أسعار الفائدة ونسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي. ومن المرجح أن تلجأ المفوضية والبنك المركزي الأوروبي إلى اتخاذ تدابير احترازية لتحديد أسعار صرف ثابتة قبل وقت سابق لتاريخ طرح اليورو درءا لأية انحرافات قد يلجأ إليها المضاربون. أما على صعيد أسعار الفائدة فإن الفترة الانتقالية ستشهد دمج وتوحيد أسعار الفائدة المصرفية, إلا أن ذلك لن يحول دون وجود تفاوت فيها حتى داخل دول الاتحاد نسبة لوجود الفوارق الملحوظة بينها من حيث مستوى الأداء والتقويم الاقتصادي من جهة وتوفر السيولة النقدية من جهة أخرى. ومع حلول الأول من يناير 2002 تبدأ مرحلة تداول العملة الجديدة والقديمة في وقت واحد حتى نهاية يونيو من العام ذاته, بعدها ستفقد العملات الوطنية صفتها القانونية لتفسح المجال أمام اليورو ليصبح العملة الثانية الأكثر تداولا في العالم. ولم تحظ قضية اقتصادية خلال العقود الأربعة الماضية باهتمام رسمي وشعبي مثلما حظيت به قضية اليورو, فالحدث في حجمه وتأثيره لا يقل عن انهيار المعسكر الاشتراكي وسقوط حائط برلين. وقد ثار الجدل حول اليورو لأسباب تاريخية وسياسية واقتصادية واجتماعية, فتاريخ أوروبا الحديث خط بمداد من دم عبر حروب ثنائية وشاملة, والزعامة السياسية كانت دائما بين شد وجذب بين أكثر من طرف, أما قيادة دفة الاقتصاد فكانت صراعا بين إمبراطورية غابت عنها الشمس وأخرى نهضت بمعجزة اقتصادية إثر هزيمتها في الحرب العالمية الثانية. وفي إطار هذه الخلفية تم التوقيع على اتفاقية باريس العام 1951 فاتفاقية روما العام 1957 ثم معاهدة ماستريخت العام ,1990 وفيها تم وضع الأسس التي أفضت إلى اتفاقية اليورو في مايو 1998. وهناك تباين واضح بين مواقف المتفائلين والمتشائمين بمصير هذه الوحدة النقدية ونتائجها بين مبشر بعهد جديد من الرخاء والسلام في أوروبا نتيجة لهذا (الزواج الذي أبرم في السماء (وبين محذر من نشوب حروب أوروبية داخلية ومواجهات مع الخارج نتيجة أيضا لهذا الزواج (الذي يجب أن يدوم إلى الأبد) . إن تحولا نقديا كبيرا كهذا الذي تشهده منطقة جغرافية يقطنها أكثر من 290 مليون مستهلك لابد أن يكتنفه الكثير من الصعوبات والمخاطر والمخاوف. وترتكز وجهة نظر (اليوروقراطيين) على عدد من المعطيات السياسية والاقتصادية أهمها أن وزن أوروبا الغربية السياسي وثقلها الاقتصادي كفيلان بضمان نجاح التجربة, وأن النهج المرحلي والتدريجي الذي انتهجته في تحقيق خطوات الوحدة الاقتصادية منذ العام 1951 وفر لها رصيدا من الخبرة المتراكمة وأرضية صلبة من التعاون البناء. ويمكن تلخيص أهم النقاط الداعمة لهذا التيار في الآتي: * إن أهم مزايا الوحدة النقدية تكمن في بناء كيان اقتصادي ضخم يوازي في حجمه وقوته الاقتصاد الأمريكي, وأكبر فوائدها هي تلك المتأتية من التفاعل بين العملة الواحدة والسوق الواحدة استنادا إلى القاعدة الاقتصادية التي تقول إن ثمار السوق الموحدة لا تجنى إلا بعملة موحدة. * إن قيام الوحدة النقدية بعد الانتعاش الاقتصادي الذي شهدته أوروبا خلال السنوات الماضية سيؤدي إلى توفير بيئة تنافسية جاذبة للاستثمار, وبالتالي الإسهام في قيام سوق موحدة قوية ونشطة بدلا من الأسواق المالية المشتتة في إحدى عشرة دولة أوروبية. * إن توفيق الأوضاع الاقتصادية والمالية مع متطلبات ومعايير معاهدة ماستريخت يستدعي إجراء إصلاحات هيكلية جذرية في عدد من القطاعات في بعض الدول الأعضاء, خاصة في سوق العمل, إذ تعاني غالبية هذه الدول من معدلات البطالة العالية والتي معظمها ذات طبيعة هيكلية وليست دورية. * إن إجراء الإصلاحات الهيكلية المطلوبة وتنقية الأجواء والبيئة الاقتصادية سيكشفان نقاط الضعف في اقتصادات الدول الأعضاء ويسلطان الضوء عليها مما يشكل الحوافز والمبررات لإحداث التغيير المطلوب. وقد لخص بعض المختصين الميزة الخاصة لليورو بأن (العملة الموحدة في حد ذاتها إصلاح هيكلي رئيس) . * ستؤدي زيادة استخدام العملة الجديدة إلى إيجاد سوق أكثر سيولة, مما يؤدي إلى تخفيض كلفة تمويل الصفقات ونشوء سوق رأسمالية جديدة. ومن المؤكد أن سوقا بهذا الحجم من السيولة ستسهم إيجابيا في حركة واسعة ونشطة من عمليات الاندماج والتملك وشركات متعددة الجنسيات ذات الحجم الكبير جدا. أما معارضو الوحدة النقدية الأوروبية والمراهنون على فشلها فيبنون وجهات نظرهم على النقاط التالية: ـ يحمل الاتفاق في أحشائه بذور فنائه, فمعاهدة ماستريخت التي أوجدت الاتحاد النقدي تدعو بصورة لا لبس فيها إلى تطوير الاتحاد إلى كيان سياسي مستقبلا (ويشير أصحاب هذا التيار إلى أن أوروبا المقسمة سياسيا غير قادرة على بناء كيان اقتصادي موحد). ـ تتسم وثيقة الاتحاد النقدي بسمة خطيرة ألا وهي أنها لم تحدد وسيلة شرعية تسمح لأية دولة من دول الاتحاد بالانسحاب إذا ما رأت في الاستمرار في عضوية الاتحاد مساسا بسيادتها الوطنية أو ضررا بمصالحها الاقتصادية, الأمر الذي قد يسبب الكثير من النزاعات مستقبلا. ـ تلعب الفوارق الثقافية واللغوية والاجتماعية دورا محوريا في عرقلة حرية وحركة انتقال العمالة من دولة إلى أخرى داخل الاتحاد, مما يقلل من فرص الاستفادة من المزايا التي من المفترض أن توفرها الوحدة النقدية. ـ إن عدم قدرة دول اليورو على مواصلة تنسيق سياساتها المالية والاقتصادية بالمنوال نفسه وبالوتيرة التي تنسق بها سياساتها النقدية قد تسفر عنه عملة ضعيفة, وتزيد من ضعفها الاعتبارات السياسية التي قد تظهر في المستقبل والتي ظهرت إرهاصاتها بالفعل في شكل تجاذبات سياسية عند اختيار محافظ البنك المركزي الأوروبي وفي التغاضي عن عدم استيفاء بعض دول الاتحاد لمعايير التقارب المتفق عليها بحجة أن السلبيات السياسية لعدم الانضمام أكثر بكثير من الأضرار الاقتصادية الناجمة عن الانضمام. ـ إن الانضمام للوحدة النقدية بالنسبة لبعض الدول في الظروف الاقتصادية التي تمر بها يعني التخلي عن بعض مظاهر السيادة الوطنية مثل العملة الوطنية, أو القبول بشروط اقتصادية يصعب الدفاع عنها أمام مواطنيها مثل تبني أسعار فائدة متدنية والضغوط التضخمية الأخرى. وربما تؤدي صرامة القيود المالية الجديدة إلى انفلات شعبي واضطرابات تصعب السيطرة عليها. ومن المؤكد أن يكون لليورو ـ على نطاق الاتحاد الأوروبي ـ تأثير مباشر على الصعيدين القاري والوطني, إذ ستشهد المنطقة إلغاء الحدود أمام حركة التجارة ورؤوس الأموال والخدمات, فضلا عن تبني سياسة نقدية واحدة بكل مكوناتها, وكذلك التنسيق بين السياسات المالية بما في ذلك النظم الضريبية. أما على الصعيد القطري فإن أهم جوانب التأثير ستكون إصلاحات هيكلية جذرية على الصعد المالية والنقدية والتشريعية. ولعل من أهم مجالات الإصلاح في الاقتصادات القطرية تلك المتعلقة بالإصلاح الضريبي لأن دول القارة تشهد تفاوتا كبيرا في النظم الضريبية بجانب عدم وجود مرونة كافية في حركة انتقال العمالة. ومن المعروف أن وضعا كهذا يجعل العامل أكثر كلفة بالنسبة للخدم, والأجور أقل جاذبية بالنسبة للعمال, والقوى البشرية ذات ميزة أقل مقارنة برأس المال بالنسبة للمنتجين. من ناحية أخرى فإن مجال المبادلات التجارية العالمية يعتبر أكثر المجالات تأثرا بتداول العملة الجديدة, سواء أكان ذلك على نطاق الأسواق المالية أم نظام المدفوعات أم سلة الاحتياطيات والوزن النسبي للعملات المكون لها. ومن البديهي أن تتأثر حركة التجارة العالمية في السلع الرئيسة بالعملة الجديدة, ذلك لأن الأخيرة تعكس حجم التجارة الدولية لأكبر منطقة تجارية في العالم تصديرا واستيرادا. من جهة أخرى فإن مستوى تنافسية العملة الجديدة عالميا سيتأثر بحجم المنطقة التجارية المستخدمة لها لأن اختيار عملة التسوية يؤثر حتما على اختيار عملة احتياطيات الأطراف الداخلة في التبادل التجاري. كما أن توحيد العملات الأوروبية واستخدام عملة موحدة سيمكن الشركات الأجنبية المصدرة إلى منطقة اليورو من الاستفادة من ميزة وفورات الحجم, إذ ستجد هذه الشركات نفسها في وضع أفضل نتيجة لانخفاض كلفة التحويل (من الين مثلا إلى عملة وسيطة أخرى ـ كالدولار ـ ومن ثم إلى عملة الدولة المستوردة). وهذه النقطة تقودنا إلى موضوع أكثر أهمية وإثارة للجدل, ألا وهو تأثير اليورو على قوة ومكانة الدولار عالميا. بداية يجب التنويه إلى أن الدولار هو عملة القوة العظمى الوحيدة اقتصاديا وسياسيا وعسكريا, فهو الأكثر تداولا في العالم ويبلغ معدل دورانه تجاريا ضعفي معدل دوران العملات الأوروبية مجتمعة, فيما تبلغ نسبة الاحتياطيات النقدية الدولية بالدولار نحو 62% من جملة الاحتياطيات العالمية. وعلى صعيد التجارة العالمية تبلغ مساهمة كل من دول (اليورو لاند) والولايات المتحدة الأمريكية فيها نحو 6.18% و6.16% على التوالي, وقد احتل الدولار الأمريكي موقعه المتميز هذا منذ أكثر من أربعة عقود ولايزال. ويتمثل أكثر العوامل تأثيرا على درجة تنافسية اليورو للدولار في حجم المنطقة التجارية المستخدمة لليورو ومدى انفتاح أسواقها أمام الاستثمارات الأجنبية. وفي هذا الصدد يقول فريق من المحللين إن نجاح اليورو عالميا مرهون بنجاحه داخليا, وهذا الأخير محكوم بعوامل سياسية وتاريخية واقتصادية واجتماعية, فالفكرة ـ كما يقولون ـ مغامرة سياسية أولا واقتصادية ثانيا على الرغم من كونها نقدية الدوافع اقتصادية المنافع. إلا أن فريقا آخر يرى أن المواجهة ـ ناهيك عن المنافسة ـ أمر حتمي وقد تكون فورية لأن الدولار قد لا يتمكن في المدى البعيد من الاحتفاظ بالسيادة التي يتمتع بها الآن. فقد تشهد السنوات القليلة المقبلة تحولات جذرية في التعاملات بالنسبة للمارك الألماني والفرنك الفرنسي. وقد تشهد الفترة المقبلة أيضا انحسار نظام الاستثمار الحالي المرتكز على الدولار, خاصة إذا قامت دول العالم بتحويل جزء من استثماراتها واحتياطياتها إلى اليورو, فضلا عن احتمال توجه بعض الدول نحو استخدام العملة الأوروبية الجديدة كعملة تسعير لكثير من السلع الاستراتيجية. وإذا انتقلنا إلى الحديث عن التأثير والعلاقة التي تربط بين اليورو والدول العربية, نجد أن درجة تأثير اليورو على الاقتصادات العربية تتفاوت بتفاوت الأهمية النسبية للاقتصاد الأوروبي لها, فهنالك الدول العربية المرتبطة باتفاقات شراكة (اقتصادية وسياسية) مع الاتحاد الأوروبي, وهناك دول أخرى مرشحة للدخول في اتفاقات مماثلة في المستقبل, فضلا عن مجموعة ثالثة من الدول العربية التي لم تصل مرحلة الشراكة لكنها ترتبط بعلاقات اقتصادية وثيقة مع الاتحاد الأوروبي مثل دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية. وتتمثل أهم مجالات تأثير اليورو في معاملات الصرف الأجنبي والمعاملات التجارية والاستثمارات وكذلك الصناعة المصرفية بالنسبة للبنوك العربية الموجودة في الدول الأوروبية, سواء تلك التي لها فروع لبنوك محلية أم شركات تابعة. وعلى صعيد الصناعة المصرفية والبنوك العربية العاملة في أوروبا (علما بأن غالبيتها مسجلة في المملكة المتحدة التي لم تنضم إلى منطقة اليورو حتى الآن) فإن عليها أن تعيد النظر في استراتيجية عملها في السوق الأوروبية الموحدة بما يتطلبه هذا الحضور من بيئة تنظيمية متشددة ومستوى عال من الشفافية والافصاح. من جهة أخرى فإن الوضع بعد طرح اليورو لن يخل من التحديات والمخاطر لأن المراكز المالية الأوروبية ستكون أكثر تشبعا بالبنوك والمؤسسات المصرفية, مما يعني زيادة حدة المنافسة داخل منطقة اليورو. وقد تجد البنوك العربية صعوبة بالغة في منافسة البنوك الأوروبية والأجنبية الأخرى نظرا لأن البنوك العربية غير مؤهلة ماليا وتنظيميا وتقنيا, كما أن فرص النمو الكبير المتمثلة في عمليات الاندماج والتملك ضئيلة أمامها نسبة لقلة خبرتها فيها. أما فيما يتعلق بتأثير اليورو على أسعار صرف العملات العربية فإن غالبية هذه العملات إما مرتبطة بالدولار أو بسلة عملات, إلا أن المكون الأوروبي في السلة ضعيف أو محدود مقارنة مع الدولار الذي يشكل عصب هذه السلة. وعليه فإنه من المستبعد في حالة ارتباط عملة عربية بسلة العملات أن يحدث تغير كبير في سعر الصرف في المدى المنظور لأسباب عدة أهمها أن العملة الجديدة تحتاج إلى فترة اختبار طويلة. كما أن العملات الأوروبية الوطنية لن يتم سحبها قبل منتصف العام 2002 وبالتالي ستبقى تحت التداول على الرغم من أن سعر صرفها سيظل ثابتا حسب نصوص اتفاقية ماستريخت. من جانب آخر فإن نجاح تجربة اليورو قد يفرض على الدول العربية ربط عملاتها بعدة عملات تشمل اليورو والدولار والين الياباني, وهذا يعني أن تقوم الدول العربية بتغيير سياستها النقدية. وعلى صعيد التجارة والاستثمارات يرى المحللون أن الدول العربية التي تربطها اتفاقات شراكة مع الاتحاد الأوروبي ستستفيد من عملية دمج أنظمتها المالية المحلية مع أسواق المال الأوروبية, وأن اعتماد اليورو سيزيد من تدفق رؤوس الأموال والاستثمارات فضلا عن استفادة الشركات العربية المحلية من استقرار أسعار الصرف ومعدلات التضخم وأسعار الفائدة. كما أن الاقتصادات العربية ستجني ثمار انخفاض كلفة الواردات الناتجة عن تخفيض معدلات التضخم وتثبيتها مما يعزز فرص ضبط عجز الموازين التجارية مع الاتحاد الأوروبي. أما فيما يتعلق بالصادرات العربية إلى دول اليورو فإن استقرار أسعار الصرف سيؤدي إلى انتعاش الصادرات التي تضررت دوما من وجود عملات ضعيفة داخل الاتحاد الأوروبي. ويعتبر طرح اليورو بمثابة دعوة للدول العربية لإعادة التفكير في عدد من القضايا أهمها تسعير سلعها الاستراتيجية بعملة غير الدولار أو على الأقل بسلة من العملات تجنبا للتأثيرات الضارة الناتجة عن تراجع قيمة الدولار. فالدول العربية المصدرة للبترول (وغالبيتها تعتمد اعتمادا شبه كلي على العوائد النفطية) مطالبة اليوم قبل أي وقت مضى بإعادة النظر في سياسة تسعير نفطها حتى لا تتكرر تجارب الماضي المريرة المتمثلة في الخسائر التي تكبدتها ليس فقط لعدم قدرتها على حماية أسعار نفطها المعلنة بل نتيجة للتراجع المستمر لسعر صرف الدولار الأمريكي. أما الدول العربية المرتبطة باتفاقات شراكة مع الاتحاد الأوروبي (مثل المغرب وتونس) أو تلك التي في طريقها للدخول في اتفاقات مماثلة فإنها مدعوة لإعادة النظر ومناقشة بعض بنود الاتفاق ومن أهمها تقويم ديونها لدى دول الاتحاد درءا لأية مضاعفات غير منظورة. وفي واقع الأمر لا يمكن فهم أهمية الوحدة النقدية الأوروبية ما لم يكن هناك فهم واضح لتاريخ أوروبا, فقد خطت القارة خطوات واسعة نحو السلم والازدهار بعد أعوام من التطاحن, وتأمل أن تكون على مشارف انبعاث سياسي واقتصادي ينافس أمريكا القرن الحادي والعشرين. وعلى الرغم من كون هذه الوحدة إنجازا اقتصاديا ضخما إلا أنها ليست محصورة في الاقتصاد, فهي خطوة تحمل في طياتها انعكاسات سياسية كبيرة, والأهم من ذلك أنها بمثابة عملية شفاء من جراح قديمة بعد أن حولت الحربان العالميتان الأولى والثانية القارة الأوروبية إلى مسلخ بشري ثم إلى كارثة اقتصادية. فالأوروبيون مازالوا يتذكرون مقدار الوزن الجيوسياسي الهائل الذي كانت تتمتع به قارتهم حتى عهد قريب بوصفها نقطة الارتكاز للإمبراطورية العالمية والتطور التقني والفكر الحديث. وربما كان مبتغى الأوروبيين إظهار قدر أكبر من الرغبة في بناء (ولايات متحدة أوروبية) تعيد إلى القارة ما افتقدته من ازدهار. ليس ثمة أدنى شك في أن أوروبا الجديدة سوف تشكل مركز ثقل كبيرا يضاهي في حجمه وأهميته القطب السياسي والاقتصادي الأوحد الموجود على الجانب المقابل من الأطلسي فاليورو ـ كما قال أحد المحللين ـ (ليس مجرد عملة أخرى.. إنه حدث سوف ينشأ بسببه مجال واسع للمنافسة) . والواقع أن الأهداف السياسية بعيدة المدى التي تكمن وراء الوحدة النقدية الأوروبية هي أكثر تحديا من العملية الاقتصادية, وهنا يثور تساؤل طالما طرحه المتفائلون بنجاح اليورو والمراهنون على فشله على حد سواء ألا وهو: هل يستطيع أشخاص بعيدون عن دائرة القرار السياسي إدارة سياسة نقدية بهذه الضخامة؟ ألا تعني الإجابة بالنفي أن الوحدة السياسية قادمة لا محالة؟ وتساؤلنا الأخير هو: هل هناك ما يخيف الأمريكين من اليورو؟ يقول المسئولون الأمريكيون إن نجاح التجربة سيؤدي إلى ازدهار أوروبا وبالتالي الاقتصاد العالمي. وقد تجد الدول الأوروبية نفسها بعد أن فقدت سياساتها النقدية المستقلة مضطرة إلى تحرير أسواق العمل والأجور فيها مما يجعل من أوروبا الموحدة ساحة مثالية لعمل المؤسسات الأمريكية الكبرى. كما يرون في نجاح اليورو حلا لمشكلة التقويم الزائد والمغالى فيه للدولار. أما عن المنافسة أو المواجهة بين اليورو والدولار فإنهم يعتقدون أن محافظة الولايات المتحدة الأمريكية على اتباع سياسة نقدية قوية وذات مصداقية كفيلة بإبقاء مصير الدولار في الجانب الغربي من المحيط الأطلسي.