دأبت دول مجلس التعاون الخليجي خلال السنوات الماضية على صياغة قرارات وتشريعات اقتصادية تصب في مجملها في المصلحة المشتركة لها جميعا, وذلك في المشروعات التي تكتسب أهميتها التنموية الكبيرة في تقوية البنى والقطاعات التي تشكل ركائز تعتمد عليها اقتصادات هذه الدول في رسم ملامح الطموحات المستقبلية. ويعتبر القانون الخاص بالاتحاد الجمركي لدول المجلس من أبرز تلك القرارات المشتركة التي تم اتخاذها. إن التعاضد أمر تفرضه التحديات في هذه المرحلة, خاصة في ظل التطورات المتسارعة التي تتطلب اليقظة والجاهزية للتعامل مع معطيات هذه المرحلة والمراحل المقبلة. ويرى المهتمون بالدراسات الخليجية أن الفوائد التي ستجنيها دول مجلس التعاون الخليجي من وراء تطبيق القرارات الاقتصادية المشتركة كافة التي تم اتخاذها منذ بداية تأسيس مجلس التعاون العام 1981 ستكون عظيمة, خاصة وأنها أسهمت إسهاما كبيرا في تفعيل النشاط الاقتصادي خلال العقد الماضي, كما قضت على الكثير من المعوقات التي كانت تحد من تعزيز التعاون الخليجي, سواء في المجال الصناعي أم السياحي أم الخدمي. ووفق البيانات التي أصدرتها الأمانة العامة لاتحاد غرف دول مجلس التعاون الخليجي في مجال العقارات فقد سجلت الإحصاءات تملك ما يزيد على 11 ألف مواطن خليجي لعقارات في دول خليجية أخرى حتى العام ,1997 فيما بلغ عدد التراخيص الممنوحة لممارسة أنشطة اقتصادية في الفترة نفسها نحو 5649 ترخيصا منها نحو 41% في دولة الإمارات العربية المتحدة. أما عدد المشروعات المشتركة في الدول الست فقد بلغ 405 مشروعات برأسمال يقارب 20 مليار دولار, في حين بلغ عدد الشركات المساهمة المسموح تداول أسهمها بين مواطني دول مجلس التعاون 772 شركة برأسمال قدره 92 مليار دولار. أما حجم التجارة البينية فقد ارتفع بين دول المجلس من 6 مليارات دولار في العام 1987 إلى نحو 14 مليار دولار في نهاية العام 1997 بنسبة زيادة قدرها 133%. ونوه تقرير الأمانة إلى أنه في إطار حرص قادة دول المجلس على دعم وتقوية مسيرة العمل الاقتصادي المشترك لهذه الدول في ظل المرحلة الحالية التي تشهد تطورات متسارعة وتحمل في طياتها تحديات كبيرة وفرصا واعدة كبيرة تستدعي بالضرورة سرعة العمل على توحيد الصفوف وحشد الإمكانات, فقد أنهى قادة دول المجلس قمتهم العشرين في الرياض العام الماضي باتخاذ مجموعة من القرارات الاقتصادية المهمة التي تسهم في دفع مسيرة التكامل الاقتصادي بين دول المجلس إلى الأمام وتعزز من قوتها الاقتصادية. وأشار إلى أن من أهم القرارات التي تم اتخاذها في تلك القمة اعتماد العمل بالاتحاد الجمركي لدول المجلس اعتبارا من أول مارس من العام ,2005 حيث تم تقسيم السلع إلى 3 فئات هي السلع المعفاة والسلع الأساسية التي يفرض عليها رسوما جمركية بواقع 5.5%, والسلع الأخرى التي يفرض عليها 7.5%. كما تم اعتماد النظام (القانون) الاسترشادي الموحد للجمارك على أن يتم العمل به بشكل إلزامي في نهاية العام الجاري بعد فترة تجريبية لمدة عام يعمل به بشكل استرشادي. وذكر التقرير أيضا أنه تم تعديل الشروط المحددة لاكتساب صفة المنشأ الوطني للمنتجات الصناعية بإلغاء شرط نسبة الملكية والاكتفاء بنسبة القيمة المضافة, إضافة إلى تعديل تنظيم التملك العقاري لمواطني دول المجلس في الدول الأعضاء لمختلف الأغراض السكنية والاستثمارية, بجانب اعتماد نظام براءات الاختراع المعدلة ليصبح متوافقا مع اتفاقية حقوق الملكية الفكرية المتعلقة بالتجارة (تريبس) , وكذلك إقرار عقد تأسيس هيئة الربط الكهربائي بين دول المجلس ونظامها الأساسي تمهيدا لتنفيذ المرحلة الأولى من المشروع. ومن القرارات الأخرى التي اتخذها قادة دول المجلس خلال السنوات الماضية التأكيد على حرص المجلس على دعم استقرار أسواق النفط العالمية بما يحافظ على مصالح المستهلكين والمنتجين, موضحا أن قرار توحيد التعرفة الجمركية حظي بأهمية كبيرة من بين القرارات السابقة على الصعيد الإعلامي وعلى صعيد رجال الأعمال والخبراء والمختصين, ذلك أنه جاء بعد محاولات جادة عديدة من قبل دول المجلس للتوصل إلى اتفاق يرضي جميع الأطراف حول آلية تطبيق التعرفة الجمركية. وقد استطاعت دول المجلس من خلال الدبلوماسية الهادئة والنوايا الصادقة والإيمان بأهمية العمل المشترك تجاوز خلافاتها بما يحافظ على مصالح الجميع ويأخذ بعين الاعتبار الظروف الاقتصادية الخاصة لكل من الدول الأعضاء, فكان أن تقرر تأجيل التنفيذ الفعلي لقرار التوحيد للتعرفة الجمركية إلى بداية العام 2005 ليتسنى لبعض دول المجلس التي قد تتأثر سلبيا في المدى القصير من هذا القرار تعديل أوضاعها الاقتصادية الداخلية تدريجيا وفق متطلبات هذا القرار, وكذلك لإعطاء جميع الدول الفرصة للاتفاق على نقاط دخول السلع من الخارج وإجراءات إعادة التصدير وضوابطه التي تشكل أحد التحديات الرئيسة الناتجة عن توحيد التعرفة الجمركية. لقد جسد صدور القرار السابق وعي دول المجلس بأنه مهما كانت طبيعة خلافاتها حول هذا الموضوع فهو لا يرقى إلى مستوى التحديات التي تفرضها طبيعة المرحلة الراهنة والمستقبلية التي تفرض على الجميع التضحية بالمصالح الذاتية الآنية من أجل تحقيق مكاسب أكبر وأشمل تعم خيراتها جميع أبناء دول المنطقة في المدى البعيد. وتؤكد مصادر الأمانة العامة لاتحاد غرف دول مجلس التعاون الخليجي أن السبب الآخر وراء تسليط الضوء على قرار توحيد التعرفة الجمركية هو أن دول المجلس قد خسرت كثيرا بسبب التأخر الذي صاحب مشروع الاتحاد الجمركي, حيث كان لها أن تجني العديد من الفوائد لو تم إنجاز هذا المشروع في منتصف الثمانينات, خاصة وأنه كان من الممكن أن يمنح دول المجلس الفرصة الكافية للتأقلم مع متطلبات العولمة ومنظمة التجارة العالمية. ولعل من أهم الفوائد العظيمة التي ستجنيها دول المنطقة من وراء تطبيق هذا القرار هو أن خطوة تطبيق الاتحاد الجمركي تعتبر خطوة مهمة بكل المقاييس, حتى وإن جاءت متأخرة بعض الشيء, فهو على طريق تدعيم مسيرة التكامل الاقتصادي بين دول المجلس وصولا إلى تأسيس السوق الخليجية المشتركة أسوة بدول الاتحاد الأوروبي. كما أن هذه الخطوة تعمل على تقوية المركز التفاوضي للدفاع عن المصالح الاقتصادية المشتركة لهذه الدول في علاقاتها مع هذه التكتلات مما يسهم في تذليل الصعوبات التي تواجه دول المجلس مع هذه التكتلات, خاصة مع دول الاتحاد الأوروبي في مجال توقيع التجارة الحرة معها, مما يسهم في فتح أسواق هذه الدول أمام المنتجات الخليجية, وأهمها المنتجات البتروكيماوية التي تفرض عليها رسوما عالية تصل إلى 41%. إن خطوة تطبيق الاتحاد الجمركي بين دول المجلس ستعمل بلاشك على زيادة حجم التجارة البينية بين دول المجلس, وقيام صناعة خليجية تكاملية وليست تنافسية, مما يعزز من المقدرة التصديرية لهذه الدول في السلع النفطية, وبالتالي تحفيز الاستثمار المحلي والأجنبي والتقدم التقني من خلال فرص التجارة التي يوفرها الاتحاد الجمركي. كما أن هذه الخطوة ستسهم في زيادة حجم السوق التجارية, مما يساعد على الاستفادة من وفورات الحجم الكبير واستغلال الطاقة الإنتاجية الكاملة للمشروعات, ومن ثم انخفاض تكاليف الإنتاج بما يدعم المقدرة التنافسية للمشروعات الاقتصادية الخليجية. وترى الأمانة العامة لاتحاد غرف دول المجلس, وهي تعبر عن تطلعات القطاع الخاص الخليجي, أنه على الرغم من الانجازات السابقة التي تم تحقيقها خلال السنوات الماضية, والتي تعد في نظر رجال الأعمال والمواطنين الخليجيين محدودة إذا ما قورنت بمستوى الطموح والآمال العظام التي بناها أبناء دول المنطقة, يبقى الأمل في أن يسهم تطبيق القرارات الأخيرة لقمة الرياض في نجاح دول المجلس بتجاوز خلافاتها حول كافة القضايا المتعلقة بآليات العمل الاقتصادي المشترك لتمضي بخطى واثقة ومتسارعة نحو اتخاذ جميع الخطوات اللازمة لتعميق وحدتها الاقتصادية لتدخل هذه الألفية ككيان اقتصادي موحد وكبير يؤثر في مسيرة الاقتصاد العالمي بقدر ما يتأثر به, ولا يمكن لهذه الدول بإمكاناتها الاقتصادية الهائلة ووحدتها التاريخية والجغرافية والاجتماعية أن تدخل الألفية المقبلة ككيانات صغيرة وأن تشكل لبنة قوية في بناء الاقتصاد العالمي تلعب فيه دورا مؤثرا من دون أن تؤمن بأهمية التضحية وتغليب المصالح المشتركة على المصالح القطرية لحماية مصالحها في محيط تتقاذفه الأزمات والحركة الدؤوب التي لا تعرف السكون نحو التحرر والاندماج.