ادى ارتفاع اسعار البترول والوعود باجراء اصلاحات اقتصادية وتحسن الاوضاع الامنية إلى ان تنظر الشركات الاجنبية إلى الجزائر بعين الاعتبار الاستثماري وان ترى مستقبلاً مزدهراً للاستثمارات الاجنبية فيها. ولا تزال الحكومات الاوروبية تحذر رعاياها من السفر إلى الجزائر بسبب الحرب الاهلية الدائرة هناك, غير ان هناك كثيرا من رجال الاعمال الاجانب يتدفقون على البلاد. ويبدو ان هذه الثقة تولدت من الخطة التي طرحها الرئيس الجزائري بوتفليقة لتحقيق المصالحة الوطنية والاصلاح الاقتصادي منذ انتخابه العام الماضي. غير ان هناك كثيرا من القضايا تحتاج إلى ايضاحات حتى تجذب الجزائر الاستثمارات الاجنبية الموجودة التي تساعد على تحسن المستوي الاقتصادي للبلاد. لا يزال امر سيطرة الرئيس بوتفليقة على الامور بشكل مستقل بعيداً عن الجيش يثير الجدل والقلق, حيث ان المنافسين الستة له في الانتخابات قد انسحبوا منها قبيل اجرائها في اللحظة الاخيرة, مما جعل بعض التقارير الغربية تشير إلى نجاح بوتفليقة في الانتخابات بأنه انقلاب عبر صناديق الاقتراع. لكن المؤيدين لبوتفليقة يفندون هذه التقارير, حيث ان بوتفليقة ذاته ظل ينأى بنفسه عن الجيش منذ انتخابه. ويقول مؤيدوه ان الرئيس اثبت قوته السياسية وقال عنه احد المصرفيين الاوروبيين انه سوف يفعل كل شيء من اجل ادارة شئون البلاد بنجاح. ويعتبر بوتفليقة اقالة بعض كبار الضباط في فبراير مثالاً على انه يفرض ارادته على الجيش والمؤسسة العسكرية. وهناك اتفاق كبير على اهمية قانون الوئام المدني, وهي المبادرة التي طرحها بوتفليقة بقوة خلال جولاته في البلاد في الصيف الماضي. واعاد تأييد هذه الخطة السلمية بنسبة 85% في الاستفتاء الذي جرى عليها الكثير من الرصيد الذي فقده بوتفليقة بسبب فوزه في الانتخابات دون منافسين كما اثبتت هذه المبادرة للجزائريين والعالم الخارجي ان الحكومة عازمة على انهاء النزاع الاهلي الذي تعاني منه البلاد منذ عام ,1992 عندما الغي الجيش نتيجة الانتخابات ومنع جبهة الخلاص الاسلامي من تولي السلطة. الاستقرار وجذب المستثمرين ويقول ديفيد راي احد المسئولين بمؤسسة في جنيف شاركت في عملية الخصخصة الكبيرة في الجزائر عام 1992 ان الاستقرار عنصر فعال في جذب المستثمرين إلى الجزائر. فأول شيء يتبادر إلى الاذهان عند الحديث عن الجزائر هي المذابح. لابد ان يتغير هذا الوضع حتى يفكر المستثمرون في ان يأتوا إلى هذا البلد. وليس هذا المستثمر الاوروبي هو الوحيد الذي يعتقد ان الجزائر قادرة على جذب الاستثمارات والمستثمرين, حيث يقول ديفيد شيلبي, مستثمر آخر ان الجزائر تمر بالمرحلة التي مرت بها مصر في السبعينيات. فهي في بداية مراحل الاصلاح, وهناك دعم سياسي واقتصادي وشعبي, والتزام من الحكومة بالاصلاح. وهناك فرص كبيرة هائلة متاحة في هذا البلد. وتطلب مؤسسة اي.افل.جي التي ينتمي اليها ديفيد شلبي ترخيصا بادارة اعمال مصرفية في الجزائر, ويذكر انها لعبت دوراً هاماً في وضع مصر على الخريطة الاستثمارية العالمية. ويقول راي ان العبء على الحكومة كبير في الاستفادة من حماس الشركات الاجنبية التي ترى فرصاً كبيرة متاحة في الجزائر استغلال هذه الرغبة. ويضيف راي انه لابد من التركيز على ابرام الصفقات واعلانها, لانه عند التوصل إلى صفقات ناجحة, سوف تتحدث الحقائق عن نفسها ويتحرك المستثمرون الذين ينتظرون ان يروا ما سيحدث. مشكلات تعاني منها الجزائر وليست مشكلة الجزائر الوحيدة انها تخرج لتوها من حرب اهلية, بل انها تحمل ايضاً تركة من الاقتصاد المركزي عمرها 25 عاماً. وتعاني ايضاً من ارتفاع البطالة وضعف قوى الانتاج وسيطرة الدولة على كامل القطاعات. غير ان غياب تشريعات ولوائح واضحة, يعد من اهم المشكلات التي تواجه البلاد ايضاً. ويقول احد المحللين ان هناك حاجة ماسة لوجود مؤسسات فعالة في الجزائر, حتي تستطيع الاستثمارات ان تأمن على نفسها ويطمئن المستثمرون إلى حماية استثماراتهم. كما ان الذين يستفيدون من الوضع الحالي سوف يقاومون المحاولات الجادة لفتح البلاد امام الاستثمارات. ويقول راي ان القضايا الخاصة باللوائح والتنظيمات في حاجة إلى حلول, وهيئة تنشيط الاستثمار الحكومية في الجزائر تبذل جهوداً في هذا الصدد. كما قام الرئيس الجزائري بجهود كبيرة لتشجيع المستثمرين وجذب الاستثمارات الاجنبية, حيث كان يشغل منصب وزير الخارجية لمدة 15 عاماً سابقاً, اضافة إلى خبرته كمستشار دولي خاص. وقد ساعدت علاقات بوتفليقة بالخليج في لفت الانتباه إلى الجزائر وتعزيز احتمالات جذب استثمارات من منطقة الخليج. كما ان ايطاليا تنظر باهتمام إلى الفرص الاستثمارية في الجزائر. وهناك حديث عن اقامة تحالف استراتيجي بين الخطوط الجوية الجزائرية والخطوط الجوية الايطالية (اليطاليا) التي استأنفت رحلاتها إلى الجزائر في نوفمبر الماضي. واعربت شركة تليكوم ايطاليا عن اهتمام كبير في الحصول على ترخيص لتشغيل نظام الاتصالات للهاتف المتحرك (المرحلة الثانية) في الجزائر. وبدأت العلاقات مع فرنسا تتحسن, وتهتم الشركات الفرنسية بالتعاون عبر المتوسط والاستثمار في الجزائر. ويضيف راي ان هناك فرصاً بالتأكيد, والاصلاحات الاقتصادية تطال كل القطاعات الاقتصادية, وهناك عائدات محتملة كبيرة لكل من هو مستعد لتحمل المخاطر. واقامت مجموعة من المصارف منها سوسيتيه جنرال وسيتي بنك والمؤسسة المصرفية العربية فروعاً لها في الجزائر تحسباً لقدوم وتدفق الشركات الاجنبية والمشروعات الكبيرة المحتملة في مجالات المياه والطاقة والنقل التي جذبت انتباهاً كبيراً. الغاز والبترول غير ان اكبر الفرص المتاحة هي في مجال البترول والغاز, الذي ظلت الشركات الاجنبية تعمل فيه حتى في اوج المشكلات والمتاعب التي كانت تثقل كاهل البلاد. ولاشك ان هدوء التوترات وارتفاع اسعار البترول قد شجع على تزايد الاهتمام بهذا القطاع المربح. وتصطف شركات البترول الكبيرة من اجل الحصول على حصة في العديد من المشروعات التي قامت الحكومة مؤخراً بإعادة بث الحياة فيها, وهناك كثير من الفرص تلوح في الافق. ولن تستطيع ادارة الطاقة في الحكومة تنفيذ برنامج الاستثمارات الطموح الذي يقدر بنحو 20 الف مليون دولار على مدى خمس سنوات دون مساعدة شركاء اجانب لتوفير التمويل المطلوب واللازم. وتقول الحكومة انها تفكر جدياً في تخصيص هيئة الطاقة الحكومية سونا تراش. وهناك محللون آخرون يعتقدون ان البترول وحده فقط هو الذي يجذب الشركات الاجنبية إلى الجزائر. ويقولون مع ارتفاع اسعار البترول, فإن الجزائر تعتبر موقعاً مربحاً للاستثمارات البترولية, كما انها تمثل سوقاً استهلاكية كبيرة لم تستغل بعد. والشركات الاجنبية تهتم اكثر بالصفقات التجارية مقارنة بالاستثمارات. كما ان هناك مخاوف من ان الحوافز الرامية إلى اجراء الاصلاحات الاقتصادية وقد تلاشت الآن بعد تحسن الاوضاع المالية للبلاد. بوادر تحسن اقتصادي في الجزائر مع اقتراب رئاسة الرئيس بوتفليقة على العام الآن, بدأ اقتصاد البلاد يظهر بعض بوادر التحسن ويمثل قطاع البترول 97% من عائدات التصدير الجزائرية, ويساهم بنسبة 35% من اجمالي الناتج المحلي, واكثر من نصف عائدات الحكومة. لقد جاء ارتفاع اسعار البترول في الوقت المناسب, لانه بدون ذلك كان عجز الميزانية سيخرج عند السيطرة, وتتلاشى الاحتياطيات من النقد الاجنبي, وتعاني البلاد من خدمة الديون. ومن اكبر التحديات التي تواجه بوتفليقة حالياً استقلال المناخ الاقتصادي المواتي لجذب مزيد من الاستثمارات الاجنبية. وقد تم تعديل ميزانية العام الماضي عدة مرات بسبب انخفاض العائدات, وانتهت الميزانية إلى الحجز نسبته 5.6% من اجمالي الناتج المحلي. وتم وضع هذه الميزانية على اساس ان سعر برميل البترول 15 دولارا. وتم خفض العجز إلى 5% من اجمالي الناتج المحلي. وبلغ سعر بترول الجزائر من خام صحراء 31 دولارا للبرميل في الاسابيع الماضية. ويقول المحللون ان متوسط سعر 23 دولارا للبرميل يعد تقريراً جيداً على مدار العام, لان الميزانية بهذا السعر سوف تحقق فائضاً. وكانت التوقعات الفرنسية عن الاقتصاد الجزائري للعام الجاري متحفظة حيث قدرت الصادرات الجزائرية بنحو 14 مليار دولار للعام, وتوقعت ان يصل عجز الميزانية إلى 1.2% من اجمالي الناتج القومي. غير ان احد خبراء الاقتصاد في احد البنوك الدولية توقع ان تصل الصادرات إلى 19 مليار دولار على أساس سعر البرميل 23 دولارا للبرميل طوال العام. واذا حدث ذلك, لابد ان تسجل الميزانية الجزائرية فائضا. وكان اهم اسباب التعافي المالي الجزائري خلال فترة انخفاض اسعار البترول في مطلع العام الماضي هو قرار الحكومة بزيادة الاحتياطي من النقد الاجنبي, عندما ارتفعت اسعار البترول في 96/1997. غير ان الاحتياطي الاجنبي انخفض من ثمانية مليارات دولار عام 1997 إلى اربعة مليارات في الصيف الماضي. وكانت الحكومة ستجد صعوبة كبيرة في الوفاء بحاجات خدمة الديون, التي بلغت 700.5 مليارات دولار عام ,1999 دون بناء قاعدة الاحتياطي الاجنبي. والآن الفرصة الذهبية متاحة امام بوتفليقة ليكتسب الاقتصاد الجزائري الثقة التي كانت موجودة من قبل ولعدة سنوات طويلة.