كل من يتذكر ارتفاع أسعار البترول في أعوام 1973/1974 و79/1980 و1990 لابد أنه يعاني من الأرق والقلق لانه في المرات الثلاث التي حدثت فيها ما يسمى صدمة البترول وتضاعفت أسعاره ثلاث مرات, ارتفع التضخم ودخل اقتصاد العالم في دائرة من الكساد. وخلال العام الماضي, وللمرة الرابعة ارتفعت أسعار البترول بأكثر من ثلاثة أضعاف, غير انه يبدو ألا أحد يقلق لذلك, ولم يتوقع أحد حدوث كساد, لابد انهم في حاجة للإستيقاظ والتنبه. ارتفعت أسعار البترول في الفترة القريبة الأخيرة لما يزيد على 30 دولاراً للبرميل, أي ثلاثة أضعاف أكثر من سعره الذي كان نحو عشرة دولارات للبرميل في أواخر عام ,1998 وهو أعلى ارتفاع له منذ حرب الخليج 1991. ويعكس ارتفاع أسعار البترول عنصرين, هما انخفاض الانتاج الذي قامت به منظمة أوبك, والطلب العالمي المرتفع المتوقع, واللذين أديا أيضا الى انخفاض مخزون البترول الى أقل معدلاته منذ سنوات طويلة, غير أن قليلاً من خبراء الاقتصاد اهتز لهم جفن بسبب هذه الصدمة البترولية الرابعة, فهم يعتقدون ان الاقتصاديات الفنية لم تعد شديدة التأثر بارتفاع أسعار البترول كما كانت من قبل, ويعتقدون ان الاقتصاد الجديد يقوم على تكنولوجيا المعلومات وليس على البترول. وهناك أسباب وجيهة تجعل الخبراء يظنون ان أثر ارتفاع أسعار البترول سوف يكون أقل من أي وقت مضى, مثل السبعينيات مثلاً. من هذه الأسباب ان الارتفاع في أسعار البترول يأتي عقب إنهيار كبير فيها, في بداية العام الماضي كانت أسعار البترول عند أقل معدل لها من حيث القيمة الحقيقية أي المعدلة حسب التضخم, منذ ,1972 حتى بعد الارتفاع الأخير, فإن أسعار البترول الحقيقية تعد نصف قيمتها في عام 1981. وهناك سبب آخر يخفف من حدة القلق هو ان الحفاظ على الطاقة (بسبب رفع الضرائب) والتحول الى أنواع أخرى من الوقود والانخفاض في الاعتماد على الصناعات الثقيلة قد جعل الدول الغنية أقل اعتماداً على البترول مما كانت عليه فيما سبق. وبالطبع شركات تكنولوجيا المعلومات تحتاج الى وقود أقل كثيراً من شركات انتاج السيارات. ومنذ بداية السبعينيات, انخفضت كمية البترول المستهلكه مقابل كل وحدة إنتاج قيمتها دولار واحد بمعدل النصف في الدول الغنية. وهناك نقطة ثالثة هي ان في كل مرة من مناسبات ارتفاع أسعار البترول الثلاث السابقة, كان الارتفاع مرتبطاً بحروب أو ثورات, مما كان يؤدى الى مزيد من القلق والغموض, غير ان هذه المرة, الارتفاع جاء تطوعا لذلك فإن أثره العكسي على الأعمال التجارية وثقة المستهلك قد تكون أضعف كثيراً. والنقطة الرابعة هي ان صدمات الأسعار البترولية السابقة وقعت عندما كانت اقتصاديات الدول الغنية محمومة ومعدلات التضخم مرتفعة بالفعل, فأثرت بشكل مباشر على الأجور والرواتب, ورغم ان الاقتصاد الأمريكي قد يبدو محموماً في الوقت الحالي, فإن لدى أوروبا واليابان قدرة فائضة كبيرة, فلا تزال الآثار التضخمية لارتفاع أسعار البترول هذه المرة محدودة. فقد ارتفع مؤشر ايكونوميست لأسعار السلع غير البترولية مثلاً بنسبة أقل من 5% خلال العام الماضي, مقابل 70% عام 1973. لكن حتى إذا كان لارتفاع أسعار البترول أثر أقل عما كانت عليه من قبل, فإن للارتفاع أثر لايزال موجوداً, فمن الواضح ان ارتفاع أسعار البترول يرفع مؤشر أسعار المستهلك, هذا يحدث حالياً بالفعل, وارتفع معدل التضخم في الولايات المتحدة هذا العام الى 7.2% مقابل 6.1% العام الماضي, فيما ارتفع معدل التضخم في منطقة دول اليورو من 8.0% الى 2%. كما تشير المؤشرات في أسعار المنتجين ان هناك ارتفاعات قادمة في الأسعار, حيث ارتفعت مؤشرات أسعار المنتجين في منطقة اليورو بنسبة 5% خلال اثنى عشر شهراً المنتهية في يناير الماضي, مقابل انخفاض بنسبة 7.2% خلال العام المنتهى في يناير 1999. ومن المؤكد ان معدلات التضخم الحقيقية, التي لاتشمل أسعار البترول لم ترتفع إلا بشكل بسيط بفضل الضغوط على الأسعار من رفع القيود وانتشار الانترنت. غير ان ما يقلق البنوك المركزية هو خطر ان ينتشر التضخم ويرفع الأجور والرواتب لأعلى, وهذا الخطر هو أكبر احتمالاً في الولايات المتحدة, حيث سوق العمل حرجة جداً وشديدة التأثر. ويؤدى ارتفاع اسعار البترول الى انخفاض الانتاج لسببين, اولاً انه يؤدى الى ضغوط الدخل الحقيقي وبالتالي ضغط انفاق الشركات والأسر. وثانياً انه يؤدى الى تغير في شروط التجار التي تحول دخل البترول من مستهلكي البترول الى منتجيه, فإذا ادخرت الدول المنتجة للبترول كثيراً من عائداتها من البترول, فهذا يعظم بطء نمو الاقتصاد العالمي, لكن في ظروف الارتفاع الحالي فإن دول البترول المتعطشة للنقد والدخل يحتمل ان تنفق العائدات الكبيرة التي تكتسبها من ارتفاع البترول. وسوف يعتمد التأثير الدقيق لارتفاع أسعار البترول الحالي على المدى الزمني الذي تبقى فيه أسعار البترول مرتفعة, نفترض ان الأسعار ظلت عند مستوى 30 دولاراً للبرميل لمدة عام, ماذا يمكن ان يحدث للتضخم والانتاج في الدول الغنية؟ سوف يزيد ارتفاع الأسعار من مدفوعات الدول الغنية لقاء واردات البترول بنسبة 1% من اجمالي الناتج المحلي, أي أقل مما إضطروا لدفعه خلال ارتفاع الاسعار في السبعينيات وعند تحليل أسعار البترول, افترضت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن مصدري البترول سوف ينفقون 80ـ90% من عائداتها الاضافية خلال عامين وأن أسعار الفائدة الحقيقية والانفاق العام الحقيقي في الدول الغنية لن يتغير, وعلى هذا الأساس تقول المنظمة ان ارتفاع أسعار البترول بمقدار 10 دولارات للبرميل الواحد يرفع معدل التضخم في الدول الغنية بنسبة نصف في المئة بعد عام واحد, وينخفض النمو بنسبة 25.0% خلال نفس الفترة, وقد يؤدى ارتفاع الاسعار بمقدار 20 دولاراً للبرميل الى مضاعفة هذه الأرقام, وتقدر المنظمة ان ارتفاع أسعار البترول سوف يدفع معدلات التضخم في أوروبا أكثر من الولايات المتحدة أو اليابان, لأن أسواق العمل في أوروبا أكثر تصلباً بما يعني ان الأجور تتأثر بشكل أكبر بارتفاع الاسعار. ومن جانب آخر تقدر المنظمة ان الانخفاض في الانتاج قد يكون أكبر في اليابان (يؤدى الارتفاع بمقدار 10 دولارات للبرميل الى انخفاض الانتاج بنسبة 4.0%) بدرجة أكبر من أوروبا وأمريكا, وذلك لأن اليابان تعتمد بدرجة أكبر على البترول المستورد وصادراتها الى دول الأوبك أقل من صادرات الاتحاد الأوروبي اليها, وهذا لسوء الحظ نظراً لأن الاقتصاد الياباني أضعف الدول الاعضاء في المنظمة حالياً. اذن الرسالة الموجهة من منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية هي انه لا داعى للذعر أو الخوف, لأن ارتفاع اسعار البترول لن يؤدى الى انخفاض كبير في نمو الدول الغنية مقارنة بنسبة 3% المتوقعة للعام الجاري, وليس هناك مخاطرة مباشرة بحدوث كساد. ربما يكون ذلك صحيحاً لكنه لا ينبغى المبالغة بالشعور بالأمان, فقد قلل خبراء الاقتصاد من تأثير موجات الارتفاع السابقة على النمو, لكن النتائج كانت أعظم وأكثر تأثيراً من توقعاتهم.