النقد والمال من الموضوعات المثيرة دائما عند الحديث عنها وكذلك فإن التكنولوجيا تثير كثيراً من الإهتمام والجدل, وعندما بدأت التسعينيات, ظهرت انواع من النقد الالكتروني ولم يكن ذلك مثيراً للدهشة, وتوقع البعض أن ينافس النقد الالكتروني العملات الحقيقية مثل الدولار, وبدأت المصارف المركزية تشعر بالقلق خوفاً من ان تصبح نسياً منسياً في زوايا التاريخ. لكن الواقع أثبت عدم صحة هذه المخاوف, لأن النقد الالكتروني لم ينتشر بالسرعة المتوقعة, وتعرض من يصدروه للافلاس (مثل ديجيكاش) أو لتخفيض إصدار (مثل سايبركاش) أو تحولوا الى أعمال اخرى, ولاتزال غالبية المدفوعات على الانترنت تتم عن طريق البطاقات الائتمانية غير الجذابة. الحقيقة ان النقد الالكتروني لايزال أمامه طريق طويل جداً, حتى في أمريكا أخذت البطاقات الائتمانية عشرات السنين حتى تظهر وتنتشر. ولم يطور الجيل الأول من النقد الالكتروني جاذبية كبيرة, فهو يضطر المستهلكين الى إدخال برمجيات من نوع خاص, والأسوأ من ذلك أنهم يستطيعون إنفاق النقد الالكتروني في أماكن قليلة جداً, فليس غالبية الأماكن تتعامل بهذا النوع منه. وبرغم هذه التجربة المتواضعة, تعطى مجموعة من الشركات المالية من الجيل الثاني دفعة قوية أخرى للنقد الالكتروني عبر الانترنت, فلا يكاد يمر أسبوع قبل ان يبدأ مشروع جديد, غالباً ما يكون أمريكياً, ويعلن عن شكل جديد من النقد الالكتروني, لكن الاحتمالات تبدو أكثر إشراقاً هذه المرة. هناك الان طلب حقيقي على بديل للبطاقات الائتمانية لاستخدامه على الانترنت وسوف يدفع هذا الطلب ويعززه نمو التجارة الالكترونية, فأحياناً يفضل المستهلكون ان تظل شخصياتهم خفية, وكثير جداً من المستهلكين لا تتوافر لديهم النقود البلاستيكية (البطاقات) خاصة خارج أمريكا, وقد خلقت المزادات والأنواع الاخرى من التجارة بين المشروعات الاستهلاكية حاجة للدفع عبر الشبكة بين الأفراد العاديين. واثبت مسح أجرته مؤسسة جوبيتر كوميونيكيشن أن المستهلكين غير راضين عن طريقة إنفاق نقودهم عبر الانترنت, وتوقعت المؤسسة ان سيطرة البطاقات الائتمانية على المدفوعات عبر الشبكة سوف تنزوى, لكن تدريجياً, وتتوقع انخفاضاً من 95% الى 81% في قيمة الصفقات التي تدفع عن طريق البطاقات الائتمانية بحلول عام 2003. والتجار من جانبهم قد يرحبون بالنقد الالكتروني, لأن تكلفة البطاقات الائتمانية تستهلك جزءاً كبيراً من عائداتهم, هذا يمثل مشكلة بالنسبة للمواقع الالكترونية المتزايدة التي تبيع سلعاً رخيصة مثل شرائط واسطوانات الاغنيات والموسيقى مثلا. وتسعى غالبية الشركات التي تعمل في مجال النقد الالكتروني إلى أن تكون المدفوعات الصغيرة هدفها وهي المدفوعات التي تتراوح بين جزء من السنت والعشرة دولارات, ومن الوسائل التي تجعل هذه المدفوعات ذات قيمة بالنسبة للتجار هي تجميع القيمة في حساب عبر الانترنت وخصم المشتروات الصغيرة منه, والشركة الرائدة في هذا المجال هي كليك تشارج وقد طورت شركتان كبيرتان للكمبيوتر هما كومباك وآي.بي.إم تكنولوجيا مماثلة, وهناك شركات اخرى مثل كيوباس لا تتقاضى هذه المدفوعات الصغيرة, لكنها تراكم المدفوعات وتخصم من البطاقات الائتمانية, وتستخدم شركتا ترايفنت وآبي. ان شركات توفير خدمات الانترنت لمتابعة إنفاق المستهلكين عبر شبكة الانترنت وتضيفه الى فاتورتها الشهرية. وقد تكون هذه الخدمات أكثر من إمتداد أو توسع لأنظمة الدفع القائمة حالياً ومفيدة أيضا, وتحاول مجموعة اخرى من الشركات أن تذهب لأكثر من ذلك. ويقول روبرت ليفيتان مدير ومؤسس شركة فلوز دوت كوم ان فشل الجيل الأول من النقد الالكتروني يرجع الى إفتقاره الى وسائل الإجبار التطبيقية على الدفع, وترى الشركة ان حل ذلك يمكن في الشهادات الهدايا, ويقول ليفيتان ان المستهلكين في حاجة اليها لأنهم غالباً ليس لديهم الوقت الكافي. كما ان التجار يفضلونها لأن المستهلكين يميلون الى استخدامها في الانفاق أكثر من استخدام النقد الحقيقي. من خلال هذا النظام يدفع من يهدون الهدايا قيمتها عبر بطاقات إئتمانية في حسابات, ثم يحولونها عن طريق البريد الالكتروني الى المستقبلين, الذين يستطيعون بالتالي إنفاقها عند 68 من الشركات التجار, وهكذا تكمل الشهادات المذكورة بقيمة خمس دولارات دورتها. أما شركة بينز كوم فلها أسلوب آخر, حيث يقول مديرها التنفيذي ان هناك 50 موقعاً تقريباً تمنح حوافز لمستخدمي الانترنت لزيارتها وملء بيانات الاستطلاع أو الشراء عبرها, ويمكن إنفاق هذه الحوافز في مواقع اخرى, فالشركة تبيع عملتها النقدية للتجار الشركاء بسعر مئة وحدة لكل دولار, نصفها في شكل عمولة, لذلك فإن الوحدة النقدية الالكترونية تساوي نصف سنت. وتسمح شركة ساييرجولد بتحويل دولاراتها الالكترونية إلى دولارات حقيقية. وقد تكون المنافسة الحقيقية من خارج الشبكة الالكترونية. لأنه اعتباراً من مايو العام الحالي سوف يكون بمقدور 38 مليون عضو في برنامج الطيران المتعدد لشركة امريكان ايرلاينز أن يحصلوا على مسافات طيران عن طريق شراء السلع والخدمات عن طريق شبكة امريكا اونلاين, اكبر شركة خدمات عبر الانترنت في العالم وسوف يكون بمقدورهم انفاق هذه الحوافز عن طريق الشبكة, وقد يتسبب ذلك في اطلاق قوة شرائية هائلة. وتقدر شركة خدمات الطيران المتعدد الاستشارية ان هناك الآن نحو ثلاثة تريليونات ميل طيران غير مستخدمة. وعندما تبيع الخطوط الجوية اميال الطيران مقابل 301 سنت للميل الواحد, سوف تصل هذه الاميال إلى 30 ـ 90 مليار دولار. ويقول ديفيد بيرس مدير شركة كونسلتانت هيبريون البريطانية لاستشارات النقد الالكتروني انه بما ان المستهلكين لا يمكن ان يتداولوا الدفع بينهم عن طريق معدات النقد الالكتروني او اميال الطيران, فإن هذه الوحدات لا ترقى إلى نقد الكتروني حقيقي. لكن تكنولوجيا باي بال التي طورتها شركة كونفيثي تستطيع ان تكون كذلك, وهي عبارة عن وسيلة تمكن الناس من ارسال الدولارات فيما بينهم عن طريق البريد الالكتروني بعد فتح حسابات على مواقع الشركة او يستطيع المستخدمون استخراج النقود على حاسب آلي مجهز ببرنامج (بالم) ثم تحويله إلى جهاز آخر عن طريق اشارات تحت الحمراء. كما تمكن شركة إي.جولد الافراد من تبادل النقد بسهولة, لكن بطريقة غير عادية عبارة عن تسعير الانترنت بالذهب. يمول المستهلكون حساباتهم الالكترونية عن طريق شراء الذهب او معادن نفيسة. ثم يستطيعون بعد ذلك تحويل وحدات هذه المعادن (قياساً بوزنها) على موقع إي.جولد من خلال ادخال رقم حساب المستقبل وكلمته السرية. ولدى شركة إي جولد رؤية طموحة عن نظام مالي خال تماماً من المخاطر تدعم عمليته سلعة حقيقية. لم يتحقق الغرض بعد هذا الجيل الجديد من شركات النقد الالكتروني استطاع تحقيق ميزات وايجابيات اكثر من الجيل السابق. فهناك شركة كونفينتي التي لها 185 الف مستهلك عضو حالياً, وهناك نحو 450 الف مشترك في شركة فلوز. كوم واكثر من 750 الف مشترك في شركة بينز.كوم. وهي تحقق نمواً كبيراً وسريعاً, ومن اسباب ذلك انها تدفع لكل مشترك جديد ما يعادل عشرة دولارات من النقد الالكتروني. لكن هذه البرامج لم تحقق الغرض المطلوب من النقد الالكتروني بعد فغالبيتها تتابع ما يشتريه المستخدمون للنظام, وبالتالي لا تفي بحاجة المستهلك لاخفاء شخصيته والحفاظ على خصوصيته. والكثير من هذه الانظمة تحدد ما يمكن ان ينفقه المشترك. وافضل مستقبل هو للانظمة التي توفر اقصى قدر من الخصوصية والسيولة, خاصة وانه يمكن انفاقها ايضاً خارج الشبكة الالكترونية. فسوف تكون تكنولوجيا شركة كونفينتي على سبيل المثال متاحة لمستخدمي الهواتف المتحركة, وسوف يستطيع المشتركون توجيه النقد إلى ماكينات بيع السلع, وهي خدمة يتم تجريبها في فنلندا حالياً (مع استخدام تكنولوجيا مختلفة). وحتى اذا فشل الجيل الثاني من النقد الالكتروني, سوف يكون هناك جيل ثالث, لاسباب ليس اقلها ان التكنولوجيا الخاصة بها من السهل ان تتطور بسرعة وتخرج برامج جديدة. فإذا اثبتت تكنولوجيا النقد الالكتروني نجاحاً, هل يبدأ المستهلكون في تفضيلها على العملات التقليدية؟ ليس هذا احتمال كبير. فسوف يمر وقت طويل قبل ان يتولد لدى المستهلكين ثقة في النقود الالكترونية تعادل ثقتهم في النقد التقليدي. فالشركات حتى الآن معرضة للافلاس, لكن البنك المركزي لا يفلس. ومع ذلك فإن البنوك المركزية لا يمكن ان تتجاهل المنافسة الشديدة التي تشكلها النقود الالكترونية, لأنها على سبيل المثال, تحقق الصفقات بالعملة الاجنبية بتكلفة اقل. وقد تجعل خدمات مثل باي سال واي.جولد من الاسهل على سكان البلد الواحد ذي عملة ضعيفة ان يحولوا نقودهم إلى عملة اقوى. وقد تصبح دولرة عملة بلد ما في يوم من الايام مجرد ضغطة على زر أو فأرة كمبيوتر. وقد تؤدي تكنولوجيا المعلومات نظرياً إلى اقتصاد نقدي خالص بصفقات الكترونية حقيقية (بالنقد الالكتروني) وعندئذ قد تتحقق مخاوف البنوك المركزية من ان تصبح صفحة من صفحات التاريخ.