يقوم البنك المركزي المصري حاليا بإعداد ورقة لتطوير السياسة النقدية في مصر, وذلك في أعقاب أزمة الدولار التي واجهها السوق المصري وفتح البنك المركزي مليارات الدولارات إعادة الاستقرار إلى السوق و هو ما أدى في النهاية إلى تناقص احتياطي الدولار بنحو ثلاثة مليارات ونصف المليار ووصل إلى 17 مليار دولار فقط. تركز الورقة على توحيد سعر الصرف سواء في البنوك أو في شركات الصرافة والإشارة بأصابع الاتهام إلى شركات الصرافة وتجار العملة في الوقوف وراء تزايد سعر الدولار في الشهور الأخيرة ووصوله إلى 375 قرشا في السوق السوداء. ومن جانبهم أكد الخبراء أن إصلاح السياسة النقدية لا يقتصر فقط على سعر الصرف, كما أن إصلاح وتطوير هذه السياسة ليس منوطا بالبنك المركزي وحده وإنما لابد أن تقوم وزارة الاقتصاد والهيئات الاقتصادية بدورها في إصلاح الأوضاع الاقتصادية, وقالوا أن اختلال سعر الصرف هو مجرد عرض للأزمة وليس الأزمة ذاتها. وأشاروا إلى أن توحيد سعر الصرف بين البنوك وشركات الصرافة مسألة مستحيلة موضحين أن تفاوت سعر الصرف بالنسبة للعملات الأجنبية ظاهرة موجودة في مختلف دول العالم. في البداية يقول الدكتور محسن الخضير ي الخبير الاقتصادي والمصرفي في دراسة له: إن إدارة السياسة النقدية بمكوناتها وعناصرها تختلف عن إدارة المعروض النقدي اختصارا, مشيرا إلى أن متخذ القرار الاقتصادي يحتاج إلى رؤية استشراقية قائمة على منهجية التفعيل الذاتي للقدرات والإمكانيات وخلق الفرص الاقتصادية الفعالة حتى يستطيع تسخير القدرات والتكيف مع المتغيرات والمستجدات في عصر الأسواق المفتوحة الذي يطلق عليه اختصار عصر العولمة. ويرى أن الأدوات التقليدية الاقتصادية في هذا العصر يتم التعامل بها جزئيا نتيجة دخول أدوات غير تقليدية ابتكارية متطورة بتعيين الإلمام بها ومعرفة إيجابياتها ومحاذير استخدامها. وتشير الدراسة إلى أن السياسة النقدية تشتمل على ثلاثة قطاعات رئيسية متكاملة ومتفاعلة يؤثر كل منها في الآخر ويتأثر به وهي: قطاع السياسات الائتمانية التي تحدد دور الجهاز المصرفي ومؤسسات التمويل وترسم بوضوح الخطوات التي يجب القيام بها وتضع الضوابط التي تلتزم بها البنوك والمصارف ومؤسسات التمويل. قطاع إدارة الدين العام الذي يرسم سياسة الدولة في إدارة الدين العام تخطيطا وتنظيما وتوجيها ومتابعة وتحدد النسب المثلى الآمنة للاقتراض وكيفية تدوير التدفقات النقدية بما يمكن الدولة من السيطرة الآمنة على الدين الداخلي المحلي والخارجي الأجنبي والاحتفاظ بمركز إئتمانى قوي وفعال بما يجعلها قادرة على التفاوض بشكل قوي وسليم مع الجهات الممولة وفي نفس الوقت استخدام المديوينة كفرصة لزيادة قدرة الدولة الاقتصادية وقدرتها على التصدير إلى الخارج في إطار منهج تفاعلي تتابعي المراحل يتم رسمه في ضوء التصورات التسويقية والإنتاجية القائمة على صناعة القرض أو تخليقها وانتهازها بشكل علمي مدروس. توازن العملات قطاع الصرف الأجنبي الذي يرسم تصورات مستقبلية لتحقيق التفاعلات الاستهدافية ورسم توازنات العلاقات ما بين العملة المحلية والعملات الأجنبية الرئيسية ووضع آليات التوازن التي تحتفظ بكل من القوة الشرائية لعملة وتضع في الحسبان الاتجاهات المختلفة والتأثيرات المتباينة لتطورات سعر الصرف على النشاط الاقتصادي في الداخل من حيث التوظيف والإنتاج والدخل ومن حيث القدرة الإيرادية للاقتصاد إليها في الإطار الخارجي للتأثيرات المتبادلة على عمليات التبادل التجاري واستيرادا وتصديرا. ويوضح الدكتور الخضيري أنه من خلال هذه القطاعات الثلاثة يمكن رسم السياسة النقدية التي تعمل على تحقيق أهداف الاقتصاد القومي ككل من حيث آليات ودوافع الدخل وعلاقاتها الارتباطية المختلفة وإحداث عمليات التوظيف الشامل والمتكامل ومعالجة مشاكل الفاقد وغير المستغل وإصلاح مسيرة الإنتاج وعمليات التسويق والتمويل والتنمية البشرية وزيادة العائد والمردود ورفع القيمة المضافة وتحقيق التراكم الرأسمالي الكمي والنوعي وزيادة الدافعية الإنجازية وتحسين مناخ العمل والاستثمار ليصبح جاذبا للاستثمارات المحلية والأجنبية ودافعا قويا لتحقيق المزيد من التنمية في مفهومها الشامل والمتكامل. ويخلص إلى أن راسم السياسة النقدية هو راسم لآليات التفاعل وتصورات التوازن بما يعمل على تأكيد مقومات نجاح الاقتصاد الوطني وتحقيق أهدافه. آلية جديدة وحول الدعوة إلى إيجاد آلية جديدة لتقليل حجم تداول العملة الأجنبية في السوق بما يعمل على استقرار سعر الصرف يقول الدكتور الخضيري: لا يجب بأي حال من الأحوال وجود أية عملة في دولة غير عملتها الوطنية بل أنه من الناحية التشريعية والقانونية لا يعترف بأية عملة أخرى غير العملة المعترف بها قانونا والملزمة لمعاملات الأفراد بموجب القانون لأن تداول العملات الأخرى مسألة في منتهى الخطورة. ويشير إلى ضرورة تقليص هذه الظاهرة والحد منها وعدم استمرارها بكافة الوسائل والأساليب القانونية والتنفيذية موضحا أنه لا يجب الاقتصار على سعر الصرف عند تطوير السياسة النقدية لأن سعر الصرف مجرد ظاهرة يمكن التعامل معها وتغييرها وفقا لأهداف السياسة النقدية ووفقا لقوى وتوازنات الاقتصاد القومي ككل وبصفة خاصة آليات وتوازنات الاستيراد والتصدير والنتائج التي تسفر عنها الأهداف التي تم رصدها في ميزان المدفوعات. الأزمة الحقيقية ويؤكد الدكتور صلاح الدسوقي رئيس مجلس إدارة المركز العربي للتنمية الإدارية والاقتصادية أن الأزمة الحقيقية ليست عدم الاستقرار في أسعار الصرف وليست في التقلبات التي طرأت على سعر الجنيه أمام الدولار مشيرا إلى أن ذلك كله يمثل ظواهر أو أعراض الازمة ولا يعتبر في حد ذاته هو الأزمة. ويرى أن الأزمة الحقيقية تتمثل في حدوث خلل أو فجوة بين الإنتاج والاستهلاك بمعنى حدوث زيادة في معدلات الاستهلاك بدرجة أكبر بكثير من معدلات الإنتاج سواء في السلع أو الخدمات موضحا أن ذلك أدى إلى الضغط على الميزان التجاري وميزان المدفوعات وتزايد الطلب على العملات الأجنبية لتوفير احتياجاتهم من السلع المستوردة مثل القمح أو من الخدمات مثل الحج والسياحة في الخارج. ويضيف: وفي نفس الوقت لم تتمكن مصر من زيادة صادراتها وإنما حدث العكس فقد راجعته صادرات مصر من بعض السلع مثل المنسوجات وغيرها من السلع المصنعة كأثر حتمي لتطبيق اتفاقية الجات بالإضافة إلى انخفاض حصيلة الصادرات من البترول الخام في الفترة الماضية نتيجة انخفاض أسعاره في الأسواق العالمية إلى ما قبل ستة أشهر ماضية. الحل الجذري ويرى الدكتور الدسوقي انه من المفيد إيجاد آلية للتعامل في العملات الأجنبية داخل مصر لكن ذلك لا يمثل الحل الجذري لهذه لمشكلة مشيرا إلى أنه يبدو للمراقب أن الدولار أصبح عملة تنافس العملة الوطنية بل حدث خلال السنوات العشر الماضية داخل البلاد وهذا أمر غير مسموح به في كثير من الدول حتى تلك التي تتبع سياسة ليبرالية على المستوى الاقتصادي. ويشير إلى أنه إذا كانت الآلية المقترحة تفيد في تغيير أساليب تداول العملة الأجنبية إلا أن الحكومة مطالبة بالتصدي للمشكلة الرئيسية ولا تكتفي بمثل هذه الحلول ذات التأثير المحدود فرغم أهمية هذه الحلول الوقتية إلا أن الأمر يحتاج إلى رؤية استراتيجية بعيدة المدى. ويؤكد أنه من غير المنطقي أن يتصدى البنك المركزي وحده للسياسة الاقتصادية وان كان يهتم بالأدوات المصرفية التي تأتي في خدمة هذه السياسة مشيرا إلى أننا نحتاج بجانب هذه الخطوة التي يقوم بها البنك المركزي إلى خطوات واسعة وشاملة. ويضيف وإذا كانت شركات الصرافة قامت بدور سلبي بالنسبة للاقتصاد القومي من خلال دورها في أزمة الدولار الأخيرة إلا أن الأزمة أكبر بكثير من هذه الشركات. تدخل الحكومة ويرى محمد جابر رئيس البنك الوطني للتنمية استقرار السوق المصرفية رهن تدخل الحكومة وترك تحديد أسعار العملات الأجنبية للعرض والطلب مشيرا إلى أن تدخل الحكومة يفتح الطريق أمام السوق السوداء ويؤدي إلى زيادة أسعار العملات الأجنبية. ويؤكد أن تصريحات المسئولين حول إصدار إجراءات وقواعد جديدة لتطوير السياسة النقدية والعمل على استقرار السوق تؤدي إلى إثارة البلبلة في السوق لأن هذه القواعد تجعل الجميع في حالة ترقب وانتظار وتؤدي إلى إثارة المخاوف والشكوك ورواج الشائعات. ويشير إلى ضرورة الإسراع في إصدار هذه القواعد لتحقيق الاستقرار وقطع الطريق أمام تجار السوق السوداء موضحا أنه لا يوجد نظام تسير عليه السوق المصرفية الآن وهي تنظم بقرارات شفوية وليست رسمية لأن غياب القرارات الرسمية الواضحة من شأنه خلق حالة من عدم الاستقرار. ويضيف أن وزير الاقتصاد جعل الاعتمادات المستندية تصدر عن البنوك وحدها لأنها أكثر دراية بالسوق وتستطيع ترشيد هذه الاعتمادات والابتعاد عن تمويل استيراد السلع غير الضرورية في حين أن الأفراد والشركات لا يهتمون بغير الربح. ويطالب بأن تكون هناك أولويات في تنفيذ المشروعات الكبرى وإتاحة الفرصة للقطاع الخاص المصري والأجنبي لتمويلها حتى لا تستنزف العملة الصعبة بجانب الحد من استيراد الكماليات وعدم إنفاق العملات الأجنبية إلا للضرورة. ويشير إلى أن تفاوت أسعار العملات الأجنبية لا يدعو إلى القلق لأن التغير في أسعار العملات وليس الثبات هو الأساس, مثلا انخفضت قيمته بنسبة 7% ولم يتأثر الاقتصاد الألماني. السوق الحر ويرى أحمد عادل راشد وكيل وزارة الاقتصاد الأسبق أن تغير سعر الصرف لابد أن نتقبله في ظل سوق حر واقتصاد حر موضحا أن انزعاج الرأي العام كلما ارتفع سعر الدولار ليس في محله, فالحكومة تستطيع ضبط هذه المسألة من خلال تطوير سياستها النقدية والمالية, على سبيل المثال سعر الفائدة هو أحد أدوات السياسة النقدية والبنك المركزي هو الذي يحكم سعر الفائدة وهذا بدوره يرتبط بالعائد على الاستثمار والحكومة يكون لديها رؤية شاملة للتعامل مع ذلك. ويؤكد أن الضغط الإداري لتثبيت سعر الصرف إجراء غير سليم غير طبيعي مشيرا إلى أن الميزان التجاري هو أحد المؤشرات في سعر الدولار, فالصادرات المصرية تتجه إلى الانخفاض بصفة مستمرة وأصبحت لا تغطي إلا ربع الواردات وهذا يضغط على سعر الدولار. ويرى أن المحاولات التي بذلت من أجل تنشيط الصادرات لا تزال غير مدروسة وتخضع للعشوائية وعدم الواقعية لأن التصدير معناه أن تكون لدينا سلع جيدة تباع بأسعار جيدة وتلبي احتياجات الناس مشيرا إلى عدم وجود جهود لتطوير السلع المصرية لتلائم احتياجات السوق العالمي. ويشير إلى أن استقرار سعر الصرف لا تتحكم فيه شركات للصرافة أو تجار العملة لأن القضية في الأساس تحكمها الصادرات والواردات والافراط في الاستيراد يؤدي إلى زيادة الطلب على الدولار وتحسين الصادرات يوفر عوائد بالدولار وبالتالي يتحقق الاستقرار. القاهرة مكتب البيان