أكد عبدالملك يوسف الحمر محافظ المصرف المركزي السابق والمستشار في ديوان صاحب السمو رئيس الدولة ان التطبيع الاقتصادي يشكل أخطر صور الواقع ما بعد التسوية لأنه يستهدف القاعدة الشعبية التي ليس لها علاقة بالقاعدة الشعبية, الا انه أشار الى الموقف الشعبي الرافض للتطبيع مع اسرائيل ، وخاصة من شرعية كبيرة من رجال الأعمال العرب ووسائل الاعلام قائلا: (ان رجال الأعمال في الامارات رغم اختلاف مواقفهم يتفقون في مناهضة ورفض اقامة أي مشروعات تجارية واقتصادية مع رجال أعمال (اسرائيليين) . وحذر الحمر الذي كان يحاضر في دائرة جمارك دبي عن الاحتمالات الاقتصادية في ظل التسوية, من التوسع في سياسات الخصخصة في الدول العربية في القطاعات الاقتصادية, مطالبا بوضع حدود وضوابط لهذه العملية بحيث لا تتدخل في شريحة الضرورات والحاجات الاساسية للشعوب العربية, ورأى ان الاقتصادات العربية تتعرض لعملية احتواء مخطط لتحويلها الى اقتصادات تعتمد على الخدمات أكثر من الانتاج والبناء, محذرا ايضا من اختراق رؤوس الأموال (الاسرائيلية) للاقتصادات العربية في ظل الاندفاع نحو الخصخصة. وقال الحمر ان (اسرائيل) لديها خططها التوسعية الحيوية وليست الجغرافية فقط, كما ورد في الكتابات الصهيونية وسمي (بنداء شبتاي زفي) والموجه الى يهود العالم وكان ذلك عام 1798 لتحديد المجال الحيوي ذي الصيغة الاستراتيجية للربط بين أوروبا والشرق الأوسط حينذاك وانسجاما مع وعد بلفور الشهير قدم الحاخام فينسمان عضو الوكالة اليهودية الى لجنة التحقيق الدولية عام 47 خريطة توضح أبعاد الدولة الاسرائيلية المأمولة بما في ذلك شطيرة من شرقي مصر واخرى من شمال شبه الجزيرة العربية بالاضافة الى غرب العراق. وتساءل الحمر عن أيهما أسبق, السياسة أم الاقتصاد, ومن يتبع الآخر؟ وأجاب ان القرار السياسي خلال النصف الثاني من القرن العشرين كان ولايزال الدور الاساسي في اشكالية التكامل الاقتصادي العربي أو عدم تكامله, ففي عام 1994 بلغت الاستثمارات العربية بالخارج نحو 670 مليار دولار, أي ما يوازي 56 ضعفا من الاستثمارات العربية البينية ولو استمر تصحيح أوضاع الاستثمارات العربية الى الوصول الى حالة مساواة بنظيراتها في الخارج لاحتاج ذلك الى حوالي 663 عاما لكي نحقق الهدف المنشود! العولمة ويرى الحمر ان أبرز سمات العولمة انها تسعى الى الهيمنة والسيطرة على المستوى الدولي, وحينما نناقش ظاهرة العولمة يتبادر الى الاذهان العوامل الاقتصادية أولا, بل تكاد تنحصر في الانشطة التجارية في ظل اتفاقية منظمة التجارة الدولية, وهذا خطأ شائع, فالعولمة ظاهرة مترامية الاطراف وتيار متصاعد متراكم الآثار لها أبعاد متعددة, منها تميز في تقنية عالية متقدمة, تفوق قوة عسكرية أمنية مسيطرة, هيمنة اقتصادية بتجارة واسعة الانتشار تشمل مجالات حيوية مثل الشركات الكبرى وقطاع الخدمات وتنامي دور الخصخصة مع تهميش الدور الحكومي بالسيطرة على شبكة الاتصالات, الاسبقية في إعداد وتنظيم خطط استراتيجية بعضها خفي متصلة بعلم المستقبليات. وأهم أبعاد العولمة هي التميز التقني الذي استطاعت به الدول الصناعية المتقدمة ومعها اسرائيل ان تسيطر على جميع أبعاد العولمة وآلياتها المتطورة, ولذلك فمن يمتلك التميز التقني يحظى على المستوى العالمي بتفوق نوعي في جميع الانشطة الاقتصادية وما يتصل بها من خدمات, وكذلك في المجالات العسكرية الحيوية بما يحقق لها أهدافها الاستراتيجية بعيدة المدى. ويشير الى ان التقرير الاقتصادي العربي الموحد لعام 99 ذكر بأن اجمالي ما تنفقه الدول العربية للفرد 8 دولارات مقابل 243 دولارا تنفقها (اسرائيل) للفرد الواحد, ونسبة الانفاق على البحث العلمي الى الناتج المحلي الاجمالي لا تتعدى 2.1% للدول العربية مجتمعة مقابل 8.1% لاسرائيل, ان الأخيرة تخصص 9 أضعاف ما تخصصه الدول العربية للبحث العلمي وبالتالي التقنية. أما التفوق العسكري فمازال الخلل لصالح (اسرائيل) رغم حجم الانفاق العسكري الهائل للدول العربية. الشرق أوسطية ومن المعالم البارزة للعولمة وتأثيراتها المباشرة هو التركيز على اقتصادات السوق عن طريق تحرير التجارة والتي فيما يبدو تأتي لصالح الدول الصناعية. وبالنسبة للدول العربية انتقل الصراع الاقليمي من المواجهة العسكرية الى المواجهة أو الحرب الاقتصادية, وابتدع منظرو السوق الشرق أوسطية هيكلية الثلاثية تجمع بين التفوق التقني والعلمي الأوروبي وتخطيط وادارة وفائض الاموال الخليجية (جهة التمويل) واستخدام الايدي العاملة العربية (مصر, فلسطين مع الاردن مثلا). ويستهدف ذلك تبسيط العلاقات الاسرائيلية العربية في السوق الشرق أوسطية باعتبار اسرائيل تملك وتشارك في تقنية أوروبية عالية وترغب في استغلال الثروتين المالية والبشرية العربية. واذا كان العرب يملكون هذه الاحتياطيات الضخمة خارج أوطانهم فلماذا لا يمتلكون اقتصادات السوق؟ ومع ان مخططي مشروع الشرق الأوسط لم ينجحوا بعد في ادخاله بصورة متكاملة في اتفاقيات التسوية, الا ان مظاهره قد برزت خلال التسعينيات وفي كفة الجانب الاسرائيلي بشكل خاص. وتعرضت احدى الدراسات العبرية الى ايجابيات التسوية بشكل جائزة اقتصادية لصالح اسرائيل. أولا, باعتبار اسرائيل دولة عسكرية فقد انفقت في منتصف الستينيات ما نسبته 6% من الناتج الوطني ثم ارتفعت الى 18% حتى أواخر السبعينيات, ولكنها عادت فانخفضت الى 8% عام 1995 بعد ابرام معاهدة سلام مع مصر. ثانيا, تسهيل دخول منتجات الاقتصاد الاسرائيلي الى الاسواق العربية والعالمية مع اشاعة مفهوم السلام الشامل. ثالثا, تخفيض كلفة الاقتراض المالي لاسرائيل من أسواق التسليف الدولية, وبعد مؤتمر مدريد تم اعادة تقييم مخاطره فارتفعت اسرائيل الى الفئة (A) عام 1995. رابعا, تحفيز الاستثمارات الاجنبية وانسيابها الى الاقتصاد الاسرائيلي, فبعد ان كانت أقل من نصف مليار دولار ارتفعت في منتصف التسعينيات الى 12 مليار دولار لتتمتع اسرائيل بميزة نسبية في مجال التقنية العالية مثلا مع ملاحظة ان أغلب تلك الاستثمارات تأتي من شركات أصحابها يهود, خامسا تقليل مخزون اسرائيل الاحتياطي من النفط, كما ستعتمد على غاز الدول الخليجية في انتاج الكهرباء. سادساً, اتاحة أسواق جديدة لمنتجات اسرائيل واستخدام القوى العاملة العربية بشكل مؤقت, واختراق رؤوس الأموال الاسرائيلية الاقتصادات العربية. وتذكر الاحصاءات ان اجمالي الناتج المحلي عام 90 في اسرائيل بلغ 2.53 مليار دولار مقابل 2.109 مليارات دولار لمصر وسوريا ولبنان والاردن وفلسطين. وسيصل اجمالي الناتج المحلي لاسرائيل عام 2020 الى 240 مليار دولار مقابل 9.170 مليار دولار للدول العربية الخمس ويقدر نصيب الفرد من الناتج الاجمالي المحلي في اسرائيل عام 90 بنحو 8.11 ألف دولار مقابل 1500 دولار في الدول العربية ويقدر عام 2000 بنحو 1.16 ألف دولار في اسرائيل مقابل ألفي دولار في الدول العربية, وسيصل عام 2020 الى 29 ألف دولار للقروض في اسرائيل وغير معلوم الرقم في الدول العربية ورغم ما تملكه الدول العربية من موارد متاحة متعددة. نتساءل لماذا استمرارية التخلف الاقتصادي؟ فنسبة القيمة السوقية للأوراق المالية مثلاً لا تتعدى 9.33% من الناتج المحلي بينما ترتفع نسبة المديونية الخارجية ما بين 40% و60% أما المديونية الداخلية والتي تركزت في اذونات وسندات حكومية فتفوق في بعض البلدان العربية نسبة 100% وتشمل تلك المديونيات حسبما تكشف اختلالات الميزان التجاري عجزاً ماليا متراكماً حتى بين دول الخليج المنتجة للنفط, بالاضافة الى الفجوة في الأمن الغذائي التي تقدر سلباً بعشرات المليارات من الدولارات سنويا بالاضافة الى شح المياه. وفي ختام محاضرته طالب عبد الملك الحمر الدول العربية الأخذ بعناصر أساسية في المواجهة أهمها التقنيات المتقدمة فهي القوة الحقيقية لفئة قليلة تتحكم في الهيمنة الاقتصادية والتجارية, المعلوماتية والإعلام, انسياب رؤوس الأموال الاستثمارية عبر الحدود. اقتصادات تابعة ويؤكد الزميل فؤاد زيدان الكاتب الصحفي بـ (البيان) في مداخلته على ان اسرائيل تخطط ليس فقط للسيطرة على الاقتصادات العربية وانما على اقتصادات خارج المنطقة مشيرا الى تولي كيسنجر مستشارا للرئيس الاندونيسي, وأضاف ان الأمة تساق الى التبعية تحت دعاوى القوة الأكبر في العالم إلا أنها قادرة على التخلص من ذلك مثلما حدث في الماضي القريب. وقال زيدان ان ما يحدث حالياً في الاقتصادات العربية يتيح الفرصة للتحكم فيها بعد تحولها إلى الخدمات والانفتاح على الاستثمار التشغيلي واعتبارها اقتصادات خدمية وهذه هي الخطورة لأن ذلك سيساهم في المنافسة بين الدول العربية وليس التكامل وستتحول السياحة إلى عنصر تنافسي وليس تكاملي. ومع ذلك يؤكد زيدان ان الصورة الحالية ليست قاتمة وليست قدرا حتمياً فإسرائيل تعلم أن نقيض وجودها هو نهضة الأمة العربية بطاقاتها وامكانياتها على المواجهة والإنسان العربي موجود. وقد أدار المحاضرة جورج نصيف الكاتب الصحفي. كتب عادل السنهوري