اعترف مصرف الامارات الصناعي بوجود تباطؤ في البلدان الخليجية والعربية بشأن عمليات الاندماج بما لا يتناسب ومتطلبات التغيرات السريعة في التجارة الدولية علماً بأن هناك بعض التوجهات الهامة في هذا الصدد. وأضاف المصرف في دراسة له حول آفاق الاندماجات في دول مجلس التعاون الخليجي ان العلاقات الاقتصادية الدولية في بداية الألفية الثالثة تتميز بالعديد من الخصائص التي تشكل في مجموعها تحديات هامة لكافة الدول في العالم وبالأخص بلدان العالم النامي. وبجانب قوانين منظمة التجارة العالمية المتعلقة بالحرية التجارية وانفتاح الأسواق وإلغاء كافة أشكال الدعم والاعانات التي تحد من المنافسة المتكافئة فان عمليات الاندماج بين كبريات الشركات العالمية تمثل ظاهرة تحمل في طياتها الكثير من المحاذير الخاصة بقدرة الشركات في مختلف بلدان العالم على المنافسة في ظل الأسواق المفتوحة مما يشكل أحد أهم الاستعدادات الرامية الى استيعاب المستجدات في العلاقات الاقتصادية التي ستسود العالم في القرن الحالي. وحتى الآن فان هذه الظاهرة الهامة مقتصرة على البلدان الصناعية المتطورة بصورة أساسية وبالأخص الاندماجات الخاصة بقطاع الخدمات والذي يحتل أهمية متزايدة في الاقتصاديات الحديثة. ومن بين أكبر عشرة اندماجات في قطاع الاتصالات في عقد التسعينيات استحوذت الشركات الأمريكية أو كانت طرفاً في تسعة منها, حيث بلغت قيمة الصفقات في هذه الاندماجات 468.5 مليار دولار. وبالإضافة الى شركات الاتصالات, شملت عمليات الاندماج هذه قطاعات هامة أخرى, كصناعة السيارات والمصارف وشركات الطيران والتأمين, حيث يتوقع أن تهيمن الشركات الجديدة على عمليات التسويق الرئيسية في العقد الحالي ليس في بلدانها فحسب, وانما في معظم بلدان العالم, خصوصاً وأن منظمة التجارة العالمية تسعى إلى تعميم تطبيق اتفاقية تحرير تجارة الخدمات لتشمل جميع البلدان الأعضاء في المنظمة. وبالتأكيد, فإن لعملية الاندماج نتائج ايجابية هامة ستنعكس على نوعية الخدمات التي تقدمها الشركات الجديدة من جهة وعلى القدرة التنافسية لهذه الشركات من جهة أخرى, حيث يتوقع أن تتمخض عن عملية الاندماج: تخفيف تكاليف الانتاج والخدمات, وزيادة القدرات المالية والكفاءة, وتحسين نوعية الانتاج والخدمات المقدمة, وزيادة القدرات التنافسية. وتتناسب هذه التوجهات مع متطلبات الظواهر المستجدة في العلاقات الاقتصادية الدولية والتي تتيح للشركات الكبيرة إمكانيات هائلة للتطور والنمو. ومن الواضح أن هذه الظاهرة الهامة لم تأخذ مداها بعد في البلدان الخليجية والعربية الأخرى, وذلك على الرغم من أهمية الاندماج لمعظم مؤسسات هذه البلدان والتي تسيطر على أسواقها في الوقت الحاضر مؤسسات صغيرة لن تتمكن من الاستمرار في ظل علاقات العولمة الاقتصادية التي تجتاح العالم في الوقت الحاضر. وتشير هذه البيانات الى مدى الحاجة لاندماج المؤسسات الخليجية, وبالأخص في قطاع الخدمات, بما فيها الخدمات المالية والاتصالات لتتمكن هذه الشركات في العقد الحالي من المنافسة والاستمرار وتقديم خدماتها بأسعار تنافسية وجودة عالية بالاعتماد على قدراتها في الأسواق المفتوحة. وتشير هذه التجارب الخليجية إلى وجود فرص كبيرة لإقامة شركات عملاقة قادرة على تطوير نوعية الخدمات التي تقدمها وعلى المنافسة في الأسواق المحلية والخارجية. وبجانب قطاع المصارف والقطاع النفطي, فإن هناك قطاعات أخرى هامة مرشحة للاندماج, كصناعة الأسمنت وشركات التأمين وشركات الطيران والاتصالات, بحيث لا تقتصر هذه الاندماجات على الشركات القائمة في كل بلد خليجي على حدة, وانما يمكنها ان تمتد لتشمل دول مجلس التعاون أو بعض منها. لقد وضعت دول المجلس الأرضية التشريعية والقانونية اللازمة لعمليات الدمج, مما يلبي أحد أهم متطلبات نجاح هذه العمليات, فدولة الامارات على سبيل المثال اصدرت في عام 1984 القانون الاتحادي رقم (8) الخاص بدمج الشركات, حيث نصت المادة (672) على دمج الشركات بطريقة الضم وهو حل شركة أو أكثر ونقل ذمتها إلى شركة قائمة, وبطريقة المزج وهو حل شركتين أو أكثر وتأسيس شركة جديدة تنقل إليها ذمة كل من الشركات المندمجة. وبوجود الأرضية التشريعية والقانونية والقدرات المالية والدعم الرسمي والمتمثل أحد أشكاله في ملتقى الامارات الدولي, فإن الشركات الخليجية, وبالأخص شركات الخدمات تقف أمام منعطف هام تفرضه مستجدات العلاقات الاقتصادية الجديدة والمتمثلة في منظمة التجارة العالمية. وفي هذا الصدد, فانه لا توجد الكثير من الخيارات فالاندماج يتيح تحسين نوعية الخدمات وتخفيض تكاليفها وبالتالي زيادة القدرة على المنافسة في الأسواق المفتوحة, أما البديل الآخر المتمثل في المحافظة على المؤسسات الصغيرة القائمة حالياً, فانه يحمل في طياته امكانية التعرض لتحديات كثيرة ولمنافسة غير متكافئة ليس في الأسواق الخارجية فحسب وإنما في الأسواق المحلية أيضاً.