رفع معدل التضخم الأمريكي من 1.9 إلى 2.8%، هل لا يزال البترول سلعة هامة تؤثر في الاقتصاد العالمي؟

تضاعفت أسعار البترول ثلاث مرات خلال العام الماضي من عشرة دولارات إلى 30 دولارا للبرميل, لكن خبراء الاقتصاد يعتقدون أن أسعار البترول لم تعد أمراً هاماً, على الأقل بالنسبة للاقتصاد الأمريكي. فالتكنولوجيا هي التي تدفع عجلة النمو الاقتصادي حالياً , وهي لا تعتمد كثيرا على الطاقة مثل الصناعات التحويلية, وقد أصبحت منظمة الدول المصدرة للبترول (الأوبك) لا تملك حولاً ولا قوة. ويبدو أن البترول ملك السلع فيما سبق لم يعد له القوة التي تؤثر في الاقتصاد الأمريكي في عصر الانترنت إذا ما قورن بسلع أخرى مثل النحاس والقطن. ولا يزال هذا الفكر يمثل نوعاً من الحكمة التقليدية لكن ارتفاع أسعار الوقود وتذاكر الطيران نتيجة لارتفاع سعر البترول جعل الناس تتساءل إذا كان البترول حقاً لا يؤثر في الاقتصاد. لقد أثار ارتفاع أسعار البترول جدلا حامي الوطيس حول قدرة ومناعة, الاقتصاد الأمريكي ضد تأثير سلعة كانت لها مكانة كبيرة في السابق, كما كان يعتقد البعض, وإذا لم يكن الاقتصاد الأمريكي منيعاً ضد أثر تغيرات أسعار هذه السلعة فهل يشكل البترول تهديداً على النمو والتوسع الاقصادي الأمريكي القياسي؟ وقد جعل هذا الارتفاع في الأسعار واشنطن ايضا تشعر بالعصبية تجاه الدول المنتجة للبترول لأول مرة منذ حرب الخليج, عندما ارتفع سعر البرميل الى 30 دولارا ايضا, وقد أرسلت حكومة واشنطن وزير الطاقة الأمريكي للحديث مع وزراء بترول دول الشرق الأوسط, بضغط من الكونجرس والمستهلكين, بهدف إقناعهم بزيادة انتاج البترول, كما تناقش الحكومة الأمريكية مسألة التدخل لخفض الأسعار, ربما عن طريق إعارة الشركات بعض البترول من المخزون الاستراتيجي للبترول, الذي لا يستخدم إلا وقت الحرب, ومن جانب آخر أعرب آلان جرينسبان محافظ البنك المركزي الأمريكي عن قلقه بشأن انخفاض أسعار أسهم شركات البترول نتيجة الآثار السلبية الضارة لارتفاع أسعار البترول, وكان معدل التضخم تحت السيطرة عند 1.9% لكنه مع ارتفاع أسعار البترول ارتفع الى 2.7% بما يعني أن أسعار البترول وحدها رفعت المعدل بهذا الفارق الكبير. ويبدو أن أرتفاع أسعار البترول قد تعزز الاتجاه نحو رفع أسعار الفائدة من أجل تهدئة الاقتصاد المحموم, حيث أن البنك المركزي الأمريكي يشعر بالفعل بالعصبية تجاه سوق الأوراق المالية المحمومة. لكن وزير الطاقة الأمريكي بيل ريتشاردسون يقول ان أسعار البترول لا تشكل خطرا على الاقتصاد بصفة عامة كما كانت من قبل, ومع ذلك قال اننا لا نستطيع أن نتجاهل احتمالات ارتفاع معدلات التضخم بفعل ارتفاع أسعار البترول, ان ما تفعله منظمة الأوبك له أهميته وأثره, كما يقول ريتشاردسون. عاد البترول فجأة ليشكل تهديداً اقتصادياً وسياسياً بسبب الأحداث التي تجري خارج الولايات المتحدة بالدرجة الأولى, ان بعض العوامل التي أدت الى انخفاض أسعار البترول بدرجة قياسية عام 1998 بدأت تظهر آثارها العكسية, العامل الرئيسي هو احتياج آسيا الشديد للبترول حالياً واقبالها عليه, فقد خيم الكساد الكبير الذي أصاب الاقتصاديات الآسيوية عام 1997 على انهيار أسعار البترول في ذاك الوقت, لكن انتعاش الاقتصاديات الآسيوية مؤخراً خلق طلباً كبيراً على البترول وساهم في رفع أسعاره. في الوقت نفسه فإن الدول المنتجة للبترول وتضامنها أدى إلى فترة من التناغم والتنسيق بسبب انخفاض الأسعار عام ,1997 لم تحدث منذ الحظر البترولي العربي عام ,1973 برغم أن هناك إشارات على أن بعض كبار الدول المنتجة مثل المكسيك, تميل إلى الرغبة في خفض الأسعار. ويشك الخبراء حاليا على عكس ما كان عليه الحال في السبعينات, في كل تصريح يصدر عن وزير بترولي يشير الى ان ارتفاع الانتاج سوف يحدث بعد فترة قصيرة. وهناك انقسام بين خبراء الاقتصاد ومن يراقبون منظمة الأوبك حول مدى احتمالات استمرار أزمة أسعار البترول القائمة, يعتقد كثيرون أن الأسعار قد بلغت مستويات غير مسبوقة فيما يطلق وزراء البترول إشارات بأنهم ينوون زيادة الانتاج جزئياً على الأقل خلال فترة غير طويلة. فإذا ثبتت صحة هذه التصريحات فقد تعتبر الارتفاعات الحالية في أسعار البترول اضطرابا مؤقتا وعارضاً, وليس اتجاها مستمرا أو طويل الأجل. ويبدو أن الحكمة التقليدية بشأن البترول سوف تثبت أنها سليمة أكثر من أي وقت مضى. صورة أقل تفاؤلاً لكن هناك آراء أخرى أكثر تشاؤماً تعتقد أن انخفاض الانتاج وارتفاع الأسعار سوف يستمر لمدة عامين آخرين حتى تستجيب الدول غير الأعضاء في أوبك وترفع انتاجها, وسوف تستمر الأسعار عند مستوياتها الحالية وقد تقفز إلى أعلى من ذلك أيضاً, وسوف يساهم ذلك في رفع معدلات التضخم ويؤدي الى ارتفاعات في أسعار الفائدة من جانب البنك المركزي الأمريكي, وعلى أسوأ الفروض, قد تدفع أسعار الفائدة المرتفعة الاقتصاد الأمريكي إلى حالة من الكساد. في ظل هذا السيناريو يدور البترول مرة أخرى ليمثل النقطة السوداء في الثوب الأبيض للاقتصاد الأمريكي, كما ساعد على الانخفاض الاقتصادي في السبعينيات ومطلع الثمانينيات وأوائل التسعينيات. وسوف تعتمد النتيجة على الاجتماعات التي يعقدها وزراء بترول الدول المنتجة للبترول والاجتماع نصف السنوي للأوبك الذي يعقد في فيينا في 27 مارس, وقال مسؤولون في الحكومة الأمريكية أنه بحلول هذا الموعد لابد أن يكون واضحاً إذا كانت الدول المنتجة للبترول ترغب في التضحية بالأرباح الكبيرة, من ارتفاع أسعار البترول من أجل دفع العجلة الاقتصادية الأمريكية والأوروبية وفي شرق آسيا, والاقتصاديات الكبيرة القوية التي تستورد غالبية هذا البترول. وكان وزيرا البترول في المكسيك والسعودية قد صرحا بأن سعر البرميل بين 20 و25 دولارا هو سعر مناسب, أكثر من سعر 30 دولارا للبرميل في موازنة بين ما يحققه بلداهما من أرباح والرغبة في الحفاظ على قوة الاقتصاديات الغربية ونصيب البترول في انتاج الطاقة العالمية. لكن المسئولين في الحكومة الأمريكية يواصلون الضغط لمعرفة كيف يمكن الوصول الى هذا المستوى من الأسعار وقال أحد هؤلاء المسئولين اننا نحاول أن نقنعهم بإعلان التزام حقيقي برفع الانتاج. ورغم ان المسئولين الأمريكيين يشعرون بنوع من التفاؤل بأن اجتماعات الأوبك سوف تؤدي الى رفع الانتاج البترولي, الا ان القضية أنه كيف سيتم ذلك. المخزون البترولي في الولايات المتحدة والدول الغربية عند أدنى مستوياته حالياً, وتقدر الوكالة الدولية للطاقة أنه لابد للأوبك أن ترفع الانتاج بنسبة 10% من أجل الوفاء فقط بالطلب العالمي. لكن المسألة الأكبر هي إلى متى سوف تظل الدول الأعضاء في الأوبك المنتجة للبترول متكاتفة؟ فقد ظلت منظمة الأوبك تشبه سوقاً أكثر منها مجموعة منظمة, حيث كان يغلب عليها انتهاك حصص الانتاج والمراوغة وعدم التعاون. لكن المملكة العربية السعودية العضو القوي في المنظمة والدول المنتجة للبترول عموما قامت بوساطة خلال الأزمة الاقتصادية الآسيوية التي تلاها انهيار كبير في أسعار البترول, ويقول المحللون ان السعودية استعادت قيادة عالم البترول مرة أخرى, من خلال تحسين العلاقات مع إيران, واستمالة كل من المكسيك وفنزويلا إلى صفها ومشاركتها خطتها لرفع الأسعار. والأكثر أهمية ان السعودية وافقت على خفض انتاجها, بعد أن كانت تتجاوز حصص الانتاج فيما سبق, واستمر فعلاً خفض انتاج دول الأوبك بنسبة 7% وظل القرار متماسكاً. ويقول أحد أقطاب البترول في فنزويلا ان الاتفاق على خفض الانتاج تلك المرة هو أقوى اتفاق توصلت اليه الدول الأعضاء في أوبك في تاريخ المنظمة. كما يقول كبير الباحثين في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن انه يعتقد أن الأوبك لديها الفرصة للتماسك برغم أنه لا يمكن استبعاد احتمالات الخروج عن الصف وانتهاك حصص الانتاج.

تعليقات

تعليقات