تسعى كافة دول العالم وبشكل مكثف خلال العقدين الأخيرين من القرن العشرين الى اجراء اصلاحات اقتصادية منها ما هو هيكلي بالطبع ومنها ما هو مكمل أو جزئي وذلك من أجل التكيف مع المتغيرات الاقتصادية الدولية وعلى الأخص التطورات الأخيرة في منظمة التجارة العالمية. ان العالم العربي وعلى الرغم من حرصه العاطفي والوجداني على التكتل الاقتصادي وايجاد الكيان الاقتصادي العربي الموحد ولو بدرجة متدنية من مستوى التنسيق والتعاون, وعلى الرغم كذلك من توفر بعض مقومات ذلك التكتل المستهدف الا انه يبدو من واقع الاصلاحات الاقتصادية المتباينة ان الرياح قد تجري بما لا تشتهي السفن, فلو نظرنا الى واقع الاصلاحات الاقتصادية في العالم العربي خلال العقدين المنصرمين, نلاحظ ان تلك الاصلاحات لم تأخذ اطلاقا بالاعتبار امكانية قيام صورة من صور التعاون الاقتصادي العربي.. كيف حدث ذلك؟ فلو نظرنا الى دول الخليج العربي, وهي دول بترولية كما نعلم, نرى ان هذه الدول ترحب بالانضمام الى منظمة التجارة العالمية وليس لديها تحفظات تذكر على ذلك سوى حرصها على بعض القطاعات والصناعات الداخلية والمفاوضة على استثنائها من نظام المنظمة حيث ان هذه الدول لا تعتمد على دخلها من الضرائب والرسوم الجمركية التي تعتبرها هامشية جدا بالنسبة لحجم ايراداتها العامة الأخرى, فقد قامت هذه الدول باتباع سياسة الخصخصة في بعض القطاعات وهي تهدف الى تنشيط القطاع الخاص والتقليل من الاعتماد على القطاع العام, كما انها تستهدف بعض الاسواق العربية. بيد ان سياسات الاصلاح في الدول العربية المستهدفة قد لا تشجع اطلاقا فتح تلك الاسواق أمام السلع الخليجية المصنعة, فلو نظرنا الى دول مثل مصر والاردن والمغرب والجزائر وتونس نرى ان سياساتها الاصلاحية تكاد تتشابه, حيث ان كافة هذه الدول قامت باجراء اصلاحات ضريبية, وذلك نظرا لكونها تعتمد اعتمادا كبيرا على الضرائب في تمويل الميزانية العامة للدولة. وهي تعي جيدا ان ما ستفرضه عليها منظمة التجارة العالمية من نظام حول الضرائب الجمركية قد يوقعها في أزمات اقتصادية ومالية كبيرة ما لم تجد بديلا لتلك الضرائب المفقودة من الجمارك. ولقد تم استحداث بعض أنواع من الضرائب مثل الضريبة العامة على المبيعات في مصر وضرائب أخرى جديدة على السلع الكمالية وعلى دخول الافراد والشركات والممتلكات واعادة هيكلة المؤسسات العامة في مختلف الدول المعنية. كما قامت هذه الدول باجراء بعض الخصخصة على بعض المؤسسات العامة وتحويلها الى القطاع الخاص وذلك لغرض تخفيف الانفاق العام من ناحية والحصول على ايراد فوري من بيع تلك المؤسسات للقطاع الخاص, وأقبلت ايضا على انشاء أسواق سندات حكومية لغرض زيادة الايرادات العامة ورفع الدعم الحكومي عن الاستهلاك (التموين الحكومي) وذلك بغرض ضغط الانفاق العام من ناحية وتهيئة المجتمع للاعتماد على ذاته اعتمادا كليا في تمويل الاستهلاك في القطاع الأسري وذلك تخوفا من غزو السلع والخدمات الخارجية التي قد يتكيف معها الافراد, وبالتالي يزداد طلبهم على السلع والخدمات بشكل كبير قد يخرج عن السيطرة ويصبح معها المستهلك متحررا من كافة القيود والضوابط التي تحكم الاستهلاك. أما دول مثل العراق وليبيا وسوريا فقد كانت اصلاحاتها الاقتصادية ذات نمط متشابه وهي اصلاحات ادارية ومالية محدودة للغاية حيث انها مازالت تركز على أهمية القطاع العام ودوره التقليدي في ادارة وتوجيه التنمية الاقتصادية الى جانب بالطبع الدور التقليدي المحدود للقطاع الخاص. وتأتي دولة كالسودان مثلا وعلى الرغم من البرامج الاصلاحية الداخلية وتشجيع الاستثمار الاجنبي وتشجيع القطاع الخاص, الا ان البعد السياسي الدولي للنظام السياسي السوداني يكاد يفرض سلطته التي تطغى على سلطة الاقتصاد. ولقد بدأ ذلك ينحسر بعض الشيء مع التطورات السياسية الأخيرة في السودان. والحقيقة ان ذلك التباين الواضح في أنماط وأشكال الاصلاحات الاقتصادية الداخلية في العالم العربي وان ينبع من الظروف الاقتصادية الداخلية لتلك الدول منفردة الا انه في الواقع لا يعير اهتماما للبعد الاقليمي يكاد يذكر. وبالتالي فإن تلك الاصلاحات لا تبدو مشجعة لتقوية ودعم التجارة العربية البينية ولا تفتح أبواب الاستثمارات البينية الموصدة منذ زمن بعيد ولا تشجع حركة انتقال رؤوس الأموال والأيدي العاملة والسلع والبضائع ما بين الدول العربية بصورة متميزة أو متطورة. والحقيقة ان عالم اليوم لا مجال فيه للعاطفة, وإنما المجال الأكبر والأرحب للغة الاقتصاد ولغة الرقم.