قال فتح الله ولعلو وزير الاقتصاد والمالية المغربي ان العلاقات الاقتصادية والمالية التي تربط بين المغرب ودول مجلس التعاون الخليجي, لا ترقى إلى المستوى المطلوب, بالنظر إلى العلاقات السياسية التي تجمع المغرب بهذه الدول. وأكد في لقاء مع البيان على هامش الاستعدادات الجارية لعقد الملتقى المغربي - الخليجي الذي ستحتضنه الدار البيضاء في الأسبوع الأول من مايو ان وسائل الاعلام مطالبة بلعب دور للتعريف بأهمية هذا اللقاء الذي سيكون ايجابيا للمستثمرين العرب والمغرب والعالم العربي بأكمله, مشيرا إلى أهمية الموقع الاستراتيجي الذي يحتله المغرب بالنسبة للبلدان العربية كافة, كونه أقرب بلد جغرافي. وتحدث ولعلو الذي يحتل موقعا قياديا في حزب (الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية) عن الوضع الاقتصادي في بلاده, وخطط تطويره بما في ذلك تحسين بنى استقبال الاستثمار, ومحاربة الرشوة, معتبرا ان موضوع تخليق الإدارة المغربية بصفة عامة, هي مسئولية مشتركة تتقاسمها الحكومة وفعاليات المجتمع المدني. وفيما يلي نص الحوار: * كيف تقيمون العلاقات الاقتصادية بين المغرب ودولة الامارات؟ ـ تعتبر العلاقات التي تجمع المغرب بدولة الامارات أكثر من حميمية, ونسجل هنا ان الحضور الاستثماري الاماراتي في المغرب حضور متميز, حيث يوفر المغرب فرصا استثمارية كبيرة ومجدية تساندها قوانين غاية في المرونة. ونحن نعمل على ترجمة توجيهات القيادتين السياسيتين في البلدين, وتقوية العلاقات بين الشعبين الشقيقين في المجالات كافة, لزيادة حجم التعاون الاقتصادي والتجاري والاستثماري بين المغرب والامارات بشكل يتناسب مع حجم وطبيعة العلاقات السياسية بينهما. وأنا متفائل جدا بامكانية تحقيق هذه الأهداف وأهداف أخرى لتعزيز التعاون بين بلدينا. إن المغرب يسعى إلى تمتين علاقاته الاقتصادية مع الدول العربية الشقيقة, وتجاوز الحاجز الجغرافي الذي يقف في وجه التعاون الاقتصادي والتجارة العربية البينية, وتركيز الحكومة الحالية ينصب على ضرورة توسيع مجالات عمل اللجان المشتركة بين المغرب والدول العربية الأخرى, ووجوب تعميق وتنمية العلاقات بين الفعاليات الاقتصادية المغربية ونظرائهم العرب, والخطط المستقبلية للمغرب تهدف إلى تطوير الأسواق الخارجية بالنسبة للإنتاج المغربي في مختلف الاتجاهات. والشيء الذي يفرحنا, ان الاستثمارات الاماراتية والخليجية بشكل عام أخذت تحقق زيادة مستمرة في المغرب, وتغطي مجالات السياحة والصناعة, ونأمل أن تمتد مستقبلا إلى مجالات الصناعة النفطية, اضافة إلى مجالات تجارية مختلفة. الملتقى المغربي الخليجي * ماذا عن فكرة وأهداف الملتقى المغربي - الخليجي المرتقب؟ ـ الهدف الأساسي هو تجاوز التناقض بين العنصرين السياسي والاقتصادي في العلاقات بين المغرب ودول الخليج, ففي حين بلغت العلاقات السياسية مستوى رفيعا جدا يقوم على التشاور والتفاهم الكاملين, ظلت العلاقات الاقتصادية محدودة باستثناء بعض الأوجه كالعلاقات مع الصناديق الخليجية. وقد جاء التفكير في تنظيم هذا اللقاء بعد الزيارة التي قمت بها إلى المنطقة في فبراير من السنة الماضية, بصحبة وفد هام يضم عدة مسئولين وممثلي القطاع الخاص والبنوك والسوق المالية, وهي زيارة كان مغزاها دعم الاستثمار المعنوي للاستثمار المادي. أهداف الملتقى المغربي - الخليجي للشراكة والاستثمار كثيرة, إلا انها تتمثل في التعريف بالواقع العام للبلد, وبالسياسة المتبعة من طرف الحكومة فيما يتعلق بالتحكم في التوازنات الماكرواقتصادية التي تشكل العنصر الرئيسي لكسب ثقة المستثمرين, اضافة إلى التعريف بالاستراتيجية المغربية المبنية على التآزر بين الدولة والقطاع الخاص. الملتقى سيكون مناسبة هامة ليطلع المستثمر الخليجي على ان هناك امكانية استراتيجية للتكامل بين الاقتصادين الخليجي والمغربي انطلاقا من المواقع الجغرافية لكل منهما, فالمغرب يمكن أن يلعب دور المنفذ إلى أوروبا وأمريكا, والخليج له امكانيات كبيرة للتواصل مع القارة الآسيوية, وبالتالي فإن الهدف من هذا الملتقى يتجلى في بعدين: مغربي وعربي, عن طريق خلق آليات التعاون الذي لا يمكن أن يكون إلا في خدمة تمنيع اقتصاديات الأقطار العربية, والاستجابة إلى متطلبات العولمة والأقلمة. * بارتباط مع أهداف هذا الملتقى, هل تعتبرون الاجراءات الواردة في القانون المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة الواردة التي صادق عليها البرلمان مؤخرا, كافية لتشجيع الاستثمار الخارجي؟ ـ جميع القوانين ذات الطابع الاقتصادي التي تنجز الآن هي لتهيئة السوق المغربية للاندماج بالأسواق الدولية بحيث تزول العراقيل التي تلحق الضرر بالاستثمار. لهذا القانون أغراض داخلية أيضا, فالغاية الرئيسية هي أن يضمن للمستهلك المغربي حرية اقتناء ما هو أجود بأقل ثمن, فهو يمنع الاحتكار والسيطرة على السوق, ويمنع جميع الصيغ التي توقف أو تعرقل النفاذ إليه, وبالتالي فهو يحمي المستثمرين, ويعطي مدلولا تم التنصيص عليه فيما يخص تجسيد حرية المبادرة, التي تعني في اللغة الاقتصادية, توفير شروط الحرية أمام رأس المال دون أي عوائق, وأن يكون المستهلك هو الحاكم عن طريق الحكم على ما هو متداول في السوق. أما بالنسبة للاستثمارات الأجنبية تحديدا, فإن مصالح الوزارة تنكب حاليا على تعديل قانون الاستثمارات. والحقيقة, ان قانون الاستثمارات تقادم, وقد أغفل قطاعات مهمة جدا كما هو الشأن بالنسبة للسياحة والتكنولوجيا والاتصالات السلكية واللاسلكية, وهذا نعتبره خللا كبيرا, ثم ان هناك عدة مقتضيات لم يتم انجازها في ذلك القانون, منها خلق صندوق للاحتياط العقاري, وصندوق لتمويل مساعدات تقدم للمستثمرين, وانشاء وكالة للاستثمار. كل هذه المقتضيات لم يتم تفعيلها مما يحتم اعادة صياغة بنود هذا القانون لينسجم مع الأوضاع والتطورات المستجدة. وكالة الاستثمار * أعلنت الحكومة عن قرب العمل بالوكالة الوطنية لتوجيه وتشجيع الاستثمارات, فمتى تنطلق هذه الوكالة, وما هي الضمانات المتوفرة فيها لتسهيل الاستثمارات المحلية والأجنبية, وحمايتها من البيروقراطية؟ ـ قانون الوكالة جاهز تماما, وتنقصه شكلية بسيطة جدا. * هل يمكن الكشف عن هذه الشكلية؟ ـ هي شكلية ترتبط فقط بالتضارب الذي تعرفه بعض مشاريع القوانين أحيانا, وسيعرض القانون على المجلس الحكومي في أقرب الآجال. أما كيف ستشغل الوكالة لكي تتلافى البيروقراطية, فقد حاولنا ان نجعل منها أداة ليست في يد الادارة, بل أداة في يد الوزراء وهم مسئولون سياسيون, بحيث سيكون أي وزير ملزما سياسيا بتبرير أي تأخير, وهناك ايضا ارتباط بين هذه المؤسسة وجهات المملكة والاقليم, حيث تم التنصيص على مسئولية المسئولين الجهويين (المحافظين), وقد بدأنا من الآن, من خلال لجنة الاستثمار, التي يرأسها الوزير الأول, بالعمل في هذا الاتجاه, فنبحث المشروع, واذا كان هناك تعثر نبحث عن أسبابه, ونعلم في كل مرة عن طبيعة المشاريع المعروضة, وكل التفاصيل المتعلقة بالتأخر, اذا ما كان هناك تأخر وتعثر, وسيكون اعتماد الشفافية من الوسائل الناجحة لتفعيل عمل هذه الوكالة. * ترتكز استراتيجيتكم, من خلال التصريح الحكومي على عنصرين أساسيين: الأول, هو انعاش الصادرات, والثاني تنمية السوق الداخلي, ويرى بعض المحللين ان انعاش الصادرات يصطدم مع ما يسمى بتحرير التجارة الدولية, فيما تصطدم تنمية السوق الداخلي مع القوة الشرائية للمواطنين, وكيف ستقيمون التوازن ما بين هذين المرتكزين؟ ـ كنا نقول, ونحن في المعارضة وأؤكدها الآن انه ليس بين اكتساب مواقع في السوق الخارجية وبين تنمية السوق الداخلية أي تناقض, بل هناك علاقة جدلية, لأنهما عندما يرتبطان معا تنخفض الكلفة وترتفع المداخيل, وبالتالي لا ينبغي الدخول في مناقشات دوغمائية كانت في الستينيات وتم تجاوزها. الآن, يجب تطوير المقاولات المغربية من أجل ان تكتسب مواقع في الأسواق, ليس فقط في الاتحاد الاوروبي بل في كل الاسواق, وفي الوقت نفسه, يجب ان نعمل على استقطاب أكثر ما يمكن من الاستثمارات من أجل العمل على توسيع السوق الداخلي. واسمحوا لي ان أقول, وأنا لدي علاقات عاطفية مع النقابات, ليست الزيادة في الاجور هي التي توسع السوق الدخلي, بل الحل هو الزيادة في الانتاج, فالانتاج المحلي مثل قطعة خبز صغيرة يجب الزيادة فيها لتكبر عن طريق الاستثمار والاجتهاد والعمل, وبدون استثمار لا يمكن ان تتطور البلاد, فكل البلدان التي تطورت قبلنا لم تتطور الا بفعل مجهود الادخار, فالادخار يؤدي الى الاستثمار, وكذلك بتحسين البنية الاستقلالية. والمقاولة المغربية ليست هي المقاولة الخاصة فقط, بل هناك المقاولة العامة, ونحن نفتخر ببعض المؤسسات فيها التي تحسنت فعاليتها ووتيرة تطورها, ففي ميزانية الدولة بلغ استثمار الدولة 15 مليار درهم, ولكن استثمار المؤسسات العمومية التابعة للدولة وللوزارات بلغ 27 مليارا, وبالتالي فكل انواع المقاولات تدخل في هذه الحركة الاقتصادية. للخروج من المواجهة ما بين الصادرات والسوق الداخلي, يجب ان نكون حاضرين في الواجهتين معا. * تشرف وزارتكم على المفاوضات مع مؤسسات الاقراض الدولية, كيف تقيّمون علاقة هذه المؤسسات مع المغرب؟ وهل هناك في الأفق القريب قروض جديدة؟ ـ منذ الأيام الأولى لتشكيل الحكومة, كانت لنا اتصالات مع البنك الدولي والبنك الافريقي للتنمية اللذين عرضا مشروع البرنامج الحكومي قريب المدى, وامكانية مساهمتهما في تمويله, وقد استجابت المؤسسات نظرا لطبيعة المشاريع, ولما توليانه من اهتمام بمسألة التطور الديمقراطي في المغرب, حيث تعتبر هذه المؤسسات ان المسلسل الديمقراطي الذي دخل اليه المغرب هو مسلسل واعد. وأفضت تلك الاتصالات والمفاوضات الى اتفاق مع البنك الدولي لمنح المغرب قروضا ميسرة من حيث الفوائد والمدة تصل الى 200 مليون دولار بالنسبة للبنك الدولي, اضافة الى قروض بقيمة 150 مليون دولار لتحديث قطاع الاتصالات, وستكون طريقة تسليم القروض مختلفة وغير معهودة, بالحصول عليها دفعة واحدة ودون التنصيص على تمويل مشروع معين. بطء وتيرة العمل الحكومي * هناك من يعتقد ان عمل الحكومة كان بطيئا خلال العام الماضي, وانها لم تبعث ما يكفي من الاشارات القوية لتأكيد رغبتها في الاصلاح والتغيير, ما هو رأيكم؟ ـ اعتقد انه كان هناك تباطؤ لضرورة الاطلاع على الملفات. لم تكن هناك من قبل تلك الشفافية المعروفة في دول العالم الديمقراطية التي تمكن المعارضة من ان يكون لها برنامج دقيق يمكن ان تطبقه منذ اليوم. ثم ان هناك نظاما مؤسسيا جديدا وهو نظام الغرفتين في البرلمان (مجلس النواب ومجلس المستشارين) بنفس الاختصاصات تقريبا, ثم تأخر انطلاق العمل, والذي لم يتحقق الا بعد موافقة البرلمان على الميزانية الحالية. فعلا, لم تكن هناك اجراءات كبيرة لها وقع كبير لدى الجماهير والرأي العام, لا القوانين التي صدرت لحد الآن والمتعلقة بالمنافسة والخصخصة, واستعادة الدعم المخصص للسكر, والاستثمار, وانشاء وكالة التنمية الاجتماعية, ومراجعة وضع الصندوق الوطني للقرض الفلاحي, ومرسوم تمرير الصفقات العمومية, تطلب كثيرا من الوقت لاعدادها واخراجها الى حيز التنفيذ. وكانت هناك عمليات مهمة جدا, ربما لم يولها الرأي العام الأهمية التي تستحقها, ومن ذلك تطبيق جميع مقتضيات اتفاق الحوار الاجتماعي لشهر أغسطس ,1994 وقد أبرمت الحكومة السابقة هذا الاتفاق والذي كان مطالبا بتنفيذه هو الحكومة الحالية مع ما يتطلب ذلك من أعباء مالية, وهكذا مثلا أرجع جميع النقابيين الى عملهم في الوظيفة العمومية, وصرفت مستحقات الترقية الداخلية لرجال التعليم, كما تحقق تطور في ميدان الحريات العامة, خصوصا فيما يتعلق بحقوق الإنسان, إذ كان هناك مجهود استثمر الإرادة الملكية, وأعتقد ان ما أنجز في هذا الميدان وما سيترتب عنه في المستقبل سيساهم في تحسين صورة المغرب الخارجية مما ينعكس إيجاباً على مجمل القضايا الوطنية والاستثمار في المغرب. كما سجلت قفزة مهمة في قطاع التعليم, سواء فيما يتعلق بارتفاع عدد المدرسين أو زيادة وتيرة التعبئة, ونحن بصدد تحضير مشاريع تتعلق بمحاربة الأمية وتوسيع قاعدة التعليم, وهذا يتطلب بعض الوقت وكثيراً من الإمكانيات المادية, ولا يساعد انعدام المرونة الذي يحكم بنية ميزانية الدولة على ذلك مع الأسف الشديد, فبعد خصم حصة الدين الخارجي وحصة التسيير وحصة دعم الاستهلاك لا يبقى المجال للتوفير. نعم, قد يقول البعض ان التوفير ممكن عن طريق الجبايات, ولكن الجبايات في بلادنا وصلت الى مستوى لم يعد ممكنا تخطيه. * من انتقاداتكم كمعارضة سابقاً ان الحكومة كانت تتذرع بالواقعية في تخطيطاتها وبرامجها المالية, وفي تعاملها مع الملفات ذات الطابع الاجتماعي, واليوم, تتذرع حكومة (التناوب) بنفس التبرير, فأي فرق بينكم وبين الحكومات السابقة؟ ـ هناك تغيير كبير, هناك واقعية ربما تكنوقراطية, مع احترامي للتكنوقراطيين, وواقعية استراتيجية, اليوم, هناك واقعية جديدة تقوم على اعتبار ان تدبير الشأن العام يجب ان يرتبط بتدبير الصعوبات اليومية على المدى القصير بنظرة مرتبطة بالأمد المتوسط والبعيد, أي واقعية تطورية تأخذ بعين الاعتبار أولا وقبل كل شيء طبيعة المرحلة, المرحلة من الناحية السياسية يجب ان نقوم بتحليلها, فعادة نقول بأن لدينا حكومة التناوب, وفي الواقع, فهذه المرحلة هي جزء من تطور نوعي سياسي تعرفه البلاد, صنعه الملك الراحل الحسن الثاني وحاميه الملك محمد السادس, وفي الوقت نفسه, يستجيب لرغبة عميقة للشعب المغربي, فهذا موعد من المواعيد الأساسية التي التقت فيها الإرادة الملكية بارادة الشعب المغربي الواقعية ما معناها, هو ان نعمل من الناحية السياسية ومن الناحية الاقتصادية على إنجاح هذه المرحلة. من الناحية السياسية, لابد من ان نعتبر بان هذه المرحلة اداة من اجل التحكم في تدبير الانتقال الديمقراطي, فالانتقال الديمقراطي الذي نجح في البلدان التي سبقتنا في ذلك لم ينجح إلا في اطار تحول هادىء رصين, وفي نفس الوقت نعطي لهذه المرحلة فرادة اقتصادية, لان علينا ان نقوم بتدبير الصعوبات, وان نعمل على اخراج اقتصاد البلاد من دوامة المديونية الى دوامة التوسع, كما علينا ان نتعامل مع التحديات الدولية والاقليمية وما أكثرها, ولذلك يمكن القول بان هذه الحكومة متواجدة بقوة, وفيها نوع من تساكن القيم, فلا بأس من ان نطور بلدنا بهدوء وبرصانة, لأن المهم بالنسبة لنا هو ان نخلق أقصى ما يمكن من الانسجام والتضامن والاحترام المتبادل من أجل تطوير البلاد, فهذه الواقعية هي واقعية التطور على المدى البعيد. ترشيد النفقات * ألا ترون ان مثل هذه الاكراهات تفرض على الحكومة الاجتهاد لابتكار حلول للازمة, كترشيد النفقات وتخفيض مستوى عيش الدولة؟ ـ نعم, هذا هو السبيل, والحكومة تفطنت إليه من خلال الإصرار على ترشيد النفقات, فمثلا تم تقنين السفر الى الخارج, فكل وزير مطالب اليوم باستشارة الوزير الأول في أية سفرية, والوزير الأول هو الذي يقدر أهمية الموضوع ويوافق على السفر أو يقرر انتداب المسئولين في سفاراتنا للحضور باسم المغرب, وهناك أيضا تخفيض كبير جداً في غلاف المصاريف الرسمية, وسنزيد في تخفيضها في هذه السنة أيضا لإلغاء جميع المصاريف غير الضرورية, وكان الوزير الأول قد وجه مذكرة لجميع الوزراء بمنع المآدب والولائم أيضا والاكتفاء بحد معقول جدا من مظاهر الحفاوة اثناء استقبال المسئولين الأجانب, وهناك توجه الى مراجعة هيكلة الضريبة العامة على الدخل, لأنه لابد من بحث الصيغ التي تحقق عدالة هذه الضريبة. والمعول عليه بصفة عامة هو توظيف أمثل للمواد لخلق احتياطات الشغل والإنتاجية, من خلال تنشيط اقتصاديات العالم القروي, وتنظيمها في تعاونيات توفر لها إمكانيات عصرنة التدبير. ان الرهان يتجسد في تحقيق إصلاحات هيكلة مصحوبة بمبادرات في الحريات العامة, وإشراك المواطنين بصورة تجعل بلادنا أكثر جاذبية للاستثمارات, مع الحرص على الاهتمام بالقطاعات الاجتماعية لتقريب الهوة ما بين الفئات, والقضاء على الفوارق التي لا يمكن تأجيل إيجاد الحلول لها الى ان تتوفر الامكانيات. تنامي الحركات الاحتجاجية * بالموازاة مع هذه المنجزات والبرامج, يلاحظ تنامي الحركات الاحتجاجية, التي قد تكون نتيجة اتساع هامش الحرية في التجربة الحكومية الحالية, لكن ألا ترون ان بعض الاعتصامات والإضرابات والمسيرات, يؤكد تفاقم الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية؟ ـ أعتقد, ان التفسير الأول صحيح, وهذا عنصر ايجابي, أما فيما يخص الرأي الثاني فإنني أعتقد ان الأوضاع في ظل فترة الحكومة الحالية, وهي فترة قصيرة, لم تتفاقم. وبالعودة الى المؤشرات الاقتصادية, نجد المؤشرات الاقتصادية بصفة عامة ايجابية, والتفسير الصحيح والدقيق في اعتقادي هو ان المواطنين كانوا ينتظرون الكثير من وصول فئات سياسية كرست حياتها للدفاع عن مصالحهم, وفضح المظالم والامتيازات وغير ذلك الى الحكم, ومن الطبيعي ان تلح الجماهير على مطالبها أكثر من السابق, واليوم ما هو الأمر الذي قد يدفع الى التخوف؟ إنني بصراحة أتخوف من ان تتشتت القوى المنظمة في المجتمع, بسبب المزايدات أو حتى بسبب ممارسات تهدف الى حماية المجتمع من مزايدات لقوى هامشية في المجتمع. فبقدر ما أؤمن بأهمية نضال الأحزاب الوطنية الديمقراطية في الحكومة, فإنني أتخوف من ان يكون ذلك عاملا من عوامل تفتيت القوى. نعم, ان وجود القوى الوطنية في الحكومة يساعد النقابات والمنظمات الحقوقية وفعاليات المجتمع المدني, لكن مع ذلك يحقق التخوف في حالة انعدام الوعي لاستغلال الفرص التي تتيحها المرحلة وتركيز أدوات الديمقراطية التي هي الأحزاب والنقابات, وعوض ذلك يتم الانصراف الى الاختلافات والصراعات ونقاش الوضع وما كان يجب أن يكون, وآفاق ما يجب ان يكون, مما قد يجعلنا نفاجأ بمناخ سلبي. * يزداد التذمر من الرشوة والمحسوبية واستغلال النفوذ وانعدام إصلاح حقيقي للقضاء والادارة, كيف ترون التصدي لهذه الظواهر وتخليق الحياة العامة في البلاد؟ ـ نعم, هذه الظواهر سائدة, ولكن هناك أيضا مجهود كبير للإصلاح, وهناك منجزات, وهناك مخطط إصلاح إداري سينطلق العمل به, من خلال حملة تواصل داخلية لتحسيس العاملين بالإدارة ببعض المقتضيات القانونية والأخلاقية, التي يجب ان تسود داخل الادارة, وهو ما نسميه بميثاق حسن التدبير في الادارة المغربية, كما ستبادر الحكومة الى تشكيل لجان اليقظة ولجان الأخلاق, في كل الادارات, على ان تكون هذه مرحلة أولى ستتبعها مراحل اخرى ستعرف تغييرات هيكلية وتنظيمية في الادارة. ولابد ان نذكر بأن الخلل الذي تعرفة الادارة المغربية لايمكن ان توجد له حلول حقيقية إلا بتوفر ارادتين, إرادة تغيير داخلية من مسئولية الحكومة, ثم إرادة تغيير خارجية وهي مسئولية المناضلين ومسئولية المواطنين, لابد من تعبئة المواطنين لفضح مكامن الخلل في إدارتنا, ذلك ان اصلاح العدل والإدارة صعب جداً, من حيث المنطق, لأنك تطلب من جهاز ان يصلح نفسه بنفسه. تقليص نفقات الادارة * صرحتم في احدى المناسبات بأن الحكومة عازمة على تقليص نفقات الادارة الى حدود 9% من الناتج الداخلي الخام, في أفق ,2003 كيف ستحققون ذلك, ثم ماذا عن الأجور خصوصا المرتفعة منها؟ ـ ان الأجور تمثل ما بين 11 و12% من مجموع الناتج الداخلي الخام, وهذا لايوجد في أي بلد من البلدان, فحتى في حالة مصر المعروفة بانتفاخ الادارة لا تتعدى النسبة 8%, وفي تقديرنا أن مرد ذلك لا يقتصر على الأجور وحدها بل هناك تبذير وتحويل جزء كبير من الموارد المحسوبة على الأجور لتستعمل في مجالات أخرى, وهناك أيضًا انعدام التناسق بين مختلف طبقات الأجور, إذن لابد من إعادة هيكلة نظام الأجور, وهذا أمر ملح جداً, ثم لابد من البحث عن تجويد الانتاجية, فالادارة في غالب الأحيان مكتظة, لكن الغريب أنها ليست مكتظة بما هو مطلوب ومفيد وتستجيب لحاجيات معينة, وهذا يفرض إعادة تأهيل الموارد, وأيضاً توزيعها بشكل يستجيب للحاجيات, فمثلاً هناك اكتظاظ الموظفين في بعض القطاعات, في حين يسجل نقص كبير, في حين تجد موظفين فائضين في جهات أخرى. إن الخلل في بنية الأجور وسوء توزيع الكفاءات في القطاعات والجهات, من الاختلالات الكبرى في ادارتنا, وسيخفض ايجاد الحلول لها نسبة تكلفتها من الناتج الداخلي الخام. * ألا ترون أن العدد الكبير للحقائب الوزارية, وتداخل الاختصاصات بين بعض الوزارات يتطلب إعادة هيكلة الحكومة؟ ـ إذا ادعى أحد أن كثرة الحقائب الوزارية فيها فائدة يكون ادعاء في غير محله, ولكن الخريطة السياسية التي بنيت عليها الحكومة في ظروف معينة اقتضت هذا التعدد, وهناك وعي لدى جميع الوزراء بأنهم يساهمون في تجربة ربما ستكون فريدة, ومفتاحاً لآفاق أكثر ديمقراطية, وهم يساهمون بإرادة وإخلاص, وبصدق, فان شخصية الأستاذ عبد الرحمن اليوسفي وطريقته الهادئة والمعتمدة على الحوار والإنصات للجميع والاحترام الذي يكنه له جميع الوزراء كل ذلك يساعد على العمل, مما يضعف هامش تأثير السلبيات. الرباط ـ رضا الأعرجي