تعول الحكومة المصرية كثيرا على مؤتمر قمة التجمع الاقتصادي لدول شرق وجنوب أفريقيا الذي يعقد بالقاهرة يومي 28 و29 فبراير الحالي تحت شعار كوميسا 2000 السوق الأفريقية البازغة بمشاركة خليجية فعالة في إعادة صيغة التعاون الاقتصادي مع القارة الأفريقية التي باتت تستحوذ على 27% من أعضاء منظمة التجارة العالمية والمرشحة بقوة للقيام بدور بارز في صياغة المنظومة الاقتصادية للألفية الثالثة.. ومن هذا المنطلق حرصت القيادة السياسية المصرية الممثلة في الرئيس حسني مبارك على التواجد في المؤتمر من البداية حيث تقرر أن يفتتح الرئيس مبارك المؤتمر ويلقي كلمة الافتتاح. وحسبما يرى خبراء الاقتصاد فإن هذا الاهتمام بالدائرة الأفريقية يأتي متسقا مع الدور المصري في القارة السمراء الذي بدأ يشهد تحولات وتطورات إيجابية لمحاولة استعادة الأسواق الأفريقية الواعدة.. وفتح قنوات وفرص تصديرية جديدة أمام المنتجات والسلع المصرية.. وتوسيع نطاق النشاط الاقتصادي المصري ليشمل دوائر ومحاور عديدة على المستويات العربية والإسلامية والأفريقية والشرق أوسطية الأمر الذي يسمح بزيادة القدرة على المناورة.. وعدم التقيد بأطر ضيقة ربما تفرض عليه أشكالا وأطروحات غير عادلة للتعاون الاقتصادي لاسيما فيما يخص الطرح الإسرائيلي في المنطقة. التغلغل الإسرائيلي وكشف الخبراء عن أن القاهرة تسعى من خلال التواجد الاقتصادي القوي في أفريقيا من خلال منظمة الكوميسا إلى الحد من تغلغل إسرائيل اقتصاديا وسياسيا في القاهرة.. خاصة وأنها استطاعت خلال فترة ابتعاد الدائرة الأفريقية مؤقتا عن أولويات المنظومة الاقتصادية والسياسية المصرية أن تستأنف علاقاتها مع نحو 38 دولة أفريقية غير عربية .. وتتواجد بقوة في الأسواق الأفريقية لاسيما منطقة القرن الأفريقي من خلال تبادل تجاري وتعاون اقتصادي قوي مع كل من إريتريا وأثيوبيا.. وأكدوا أن هذا التواجد كان سببا مباشرا في عدم استقرار العلاقات المصرية مع هذه الدول حيث أن التعاون مع إسرائيل تركز في المشروعات المائية التي تمثل محوراً حساساً في ملف العلاقات المصرية مع دول هذه المنطقة خاصة أثيوبيا. بواعث اهتمام أخرى وحدد الدكتور عبد الفتاح فرج أستاذ الاقتصاد بمعهد الدراسات والبحوث الأفريقية في جامعة القاهرة أن الاهتمام المصري بتدعيم التعاون الاقتصادي مع أفريقيا له بواعث أخرى أهمها تصاعد الوزن النسبي والدور الإقليمي لقوى اقتصادية عديدة في القارة مثل نيجيريا وجنوب أفريقيا وكينيا.. وبروز أكثر من تكتل اقتصادي يمتلك عناصر ومقومات القوى في مناطق عديدة من القارة أبرزهم (جماعة التنمية لدول الجنوب الأفريقي) سادك.. وجماعة غرب أفريقيا (إكواس) الذي تقوده نيجيريا.. مشيرا إلى أن هذه التكتلات تهدد الوزن النسبي الاقتصادي المصري في القارة ومن ثم كان الأمر يستلزم التواجد بقوة على قمة تجمع اقتصادي مماثل لا يقل قوة ويسمح بمشاركة مصرية فعالة في صياغة المنظومة الاقتصادية للقارة.. علاوة على ذلك فإن المؤشرات تؤكد نمو حجم التبادل التجاري بين دول تجمع الكوميسا بمعدل 11% سنويا حيث تجاوزت 5 مليارات دولار العام الماضي مقارنة بنحو 832 مليون دولار عام 1985, كما أن تراجع الميزان التجاري المصري ووصول الفجوة بين الصادرات و الواردات لأكثر من 12 مليار دولار العام الماضي كان يحتم البحث عن أسواق جديدة تتمتع فيها الصادرات المصرية بميزة تنافسية لا تتمتع بها في أسواق أخرى الأمر الذي يمكنها من التواجد القوى في هذه الأسواق وفتح فرص تصديرية واستثمارية واسعة تساهم في تحسين أوضاع الميزان التجاري. 3 أهداف ويرى المستشار ناصر كامل مدير وحدة الكوميسا بوزارة الخارجية المصرية أن قمة الكوميسا التي تستضيفها القاهرة ستتيح الفرصة لتحقيق 3 أهداف مهمة أولها دعم العلاقات الاستثمارية والاقتصادية بين الدول الأعضاء في الكوميسا وتنشيط حركة التبادل التجاري فيما بينها.. والتعريف بتجميع الكوميسا عالميا كمنظمة إقليمية واعدة تضم سوقاً قوامها 400 مليون نسمة.. وكذا جذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية لدول المجموعة. وأضاف أنه من المنتظر أن تركز جلسات القمة اهتمامها على عدد من الموضوعات الرئيسية المهمة يأتي في مقدمتها تحرير التجارة والاستثمار الأجنبي المباشر وتحديات العولمة.. فضلا عن تنظيم ورش عمل عديدة لمناقشة قضايا الاقتصاد والصناعة والتجارة والاستثمار والتمويل.. بالإضافة إلى التركيز على الفرص التي يتيحها إعلان إنشاء منطقة التجارة الحرة بين دول الكوميسا في أكتوبر المقبل لدعم العلاقات الاقتصادية البينية لهذه الدول.. والتعريف بالمشروعات والقطاعات المؤهلة لجذب الاستثمارات الإقليمية والدولية إلى المنطقة التي تمثل سوقا واسعة سكانيا وتجاريا. مشاركة خليجية قوية وقال ناصر كامل أن موعد انعقاد مؤتمر الكوميسا الذي يتمتع بمشاركة قوية من بعض دول مجلس التعاون الخليجي في مقدمتهم الإمارات والسعودية والكويت.. ووزراء الخارجية والاقتصاد والتجارة في الدول الأعضاء بالكوميسا وكذا رجال الأعمال والصناعة وكبار المسئولين في المنظمات الاقتصادية الإقليمية والدولية والمؤسسات المالية والشركات العالمية.. هذا الموعد يكتسب أهمية مضاعفة لأنه يأتي بعد عدة معارض ومشاركات قوية للمنتجات المصرية في إريتريا وكينيا وأوغندا والكاميرون شهدت إبرام صفقات تجارية ناجحة منها صفقة لتأسيس أول شركة لقطع غيار السيارات بالتعاون مع رجال الأعمال وأطراف اقتصادية رسمية في كينيا برأسمال 250 مليون دولار.. وكذا لأن المؤتمر يسبق إقامة سوق القاهرة الدولية التي تبدأ في مطلع مارس ولمدة 15 يوما وتتيح فرصة طيبة للمشاركين في المؤتمر للتعرف على السوق المصرية والعربية والدولية من خلال الأجنحة المختلفة. وأضاف ناصر كامل أن القاهرة تسعى من خلال المؤتمر إلى إعطاء تجمع الكوميسا دفعة قوية لإنعاشه وتحفيزه على الاستمرار وتشكيل آليات اقتصادية معاونة.. بالإضافة إلى التهوين من تداعيات انسحاب كل من موزمبيق وتنزانيا المفاجئ من عضوية التجمع لصالح تجمع منافس هو سادك الذي تقوده جنوب أفريقيا.. فضلا عن بحث ومناقشة كافة المعوقات التي تعرقل بلوغ هذا التجمع لأهدافه التي وضعها والمتمثلة في التحرير الكامل للتجارة بين الدول الأعضاء مع مطلع هذا العقد وسنواته الأولى.. والوصول لاتحاد جمركي في عام 2004 وإقامة اتحاد نقدي بحلول عام 2025 ثم سوق أفريقية مشتركة عام 2028 بما يعني توحيد التعريفة الجمركية بين الدول الأعضاء والاتفاق على تعريفة موحدة للواردات القادمة عبر أي دولة أخرى ليست عضوا في الكوميسا. شروط النجاح ورهن الدكتور سيد عليوة أستاذ الاقتصاد بجامعة حلوان نجاح المؤتمر في تحقيق أهدافه بعدة اشتراطات منها أن تضم الوفود المشاركة ممثلين عن الحكومات والقطاعين العام والخاص.. وأن يضم التمثيل من لهم سلطة القرار حتى يمكن تنفيذ ما يتم التوصل إليه بصفة عاجلة ولا يستغرق شهورا أو سنوات مشيرا إلى أن تصريحات المسئولين في الخارجية عن أن المشاركة الحكومية ستصل إلى 20% مقابل 80% لرجال الأعمال والمستثمرين والقطاع الخاص ظاهرة إيجابية تدل على اهتمام القطاع الخاص الإفريقي بالتعاون بين دول التجمع وتحمي أسهم لتنفيذ مشروعات واستثمارات مشتركة. وأضاف أنه يتعين أن تنقسم أعمال المؤتمر إلى قسمين أولهما يتناول اتفاقيات التعاون في مجالات التجارة والصناعة والزراعة والخدمات والجمارك وغيرها من القطاعات الأخرى وأن يتم الاسترشاد في هذا النطاق بالتجربة الأوروبية الناجحة التي حققت التعاون الاقتصادي وتجاوزته لتعاون سياسي وعسكري مشترك.. موضحا أن القسم الثاني يجب أن يهتم بدراسة تنفيذ مشروعات إقليمية وثنائية لاسيما في المجالات الخدمية والإنتاجية تكون معدة مسبقا من الحكومات ورجال الأعمال.. وأن يأخذ في الاعتبار خطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية في كل دولة بالإضافة لأوضاع التكامل الاقتصادي بين الدول الأعضاء والتي تساعد على زيادة السلع والأموال والخدمات وتمنح الأفراد حرية حركة بين دول التجمع دون قيود. استراتيجية مصرية للتحرك ونظرا لأهمية الكوميسا باعتبارها بوابة واسعة أمام الصادرات المصرية في ضوء عدم توقيع اتفاق الشراكة المصرية الأوروبية حتى الآن.. وبطء تنفيذ البرنامج الزمني لمنطقة التجارة الحرة العربية.. وكذا تعرض الصادرات المصرية لقضايا إغراق مفتعلة وكثيرة في الأسواق الخارجية لاسيما الأوروبية بإيعاز في كثير من الأحيان من إسرائيل فقد طالبت وزارة الاقتصاد ـ حسبما أوضح سيد البوهي مستشار وزير الاقتصاد ـ بوضع استراتيجية للتحرك الاقتصادي المصري في أسواق الكوميسا لتحقيق أقصى استفادة ممكنة من هذا التجمع الذي تتجاوز صادراته 12 مليار دولار سنويا. وتبلغ تجارته البينية 4 مليارات دولار ويستورد بما قيمته 25 مليار دولار سنويا.. موضحا أن هذه الاستراتيجية المقترحة تعتمد على عدة محاور تشمل اختيار عدد من الدول الأعضاء في الكوميسا لتكون مناطق ارتكاز للتحرك (أوغندا وكينيا وأنجولا وإريتريا).. وإنشاء شركات مشتركة في هذه الدول يستفاد من مزايا الاستثمارات بها.. وتنشيط مكاتب التمثيل التجاري في هذه الدول.. والإسراع بإعادة هيكلة وتطوير مكاتب شركة النصر للاستيراد والتصدير باعتبارها نواة جيدة لهذا الغرض.. علاوة على إقامة معارض دائمة ومتنقلة للسلع والمنتجات المصرية.. وكذا وضع آلية للتصدير لأسواق الكوميسا تملك القدرة المالية والإدارية والفنية التي تؤهلها لتثبيت أقدام السلع والمنتجات المصرية في هذه الأسواق وإنشاء مراكز مصرية أو مشتركة لتجميع الصناعات المصرية الخفيفة في هذه الدول. المكاسب المتوقعة ورصد سيد البوهي مكاسب مصر المتوقعة من الانخراط في تجمع الكوميسا والتواجد بقوة في المنظومة الاقتصادية لقارة أفريقيا.. مشيرا إلى أن قائمة المكاسب المتوقعة تشمل إتاحة الفرصة للسلع الصناعية المصرية أن تغزو أسواق أفريقيا الواسعة خاصة بعد حصول هذه السلع على تخفيضات جمركية ودخولها معفاة من الرسوم الجمركية لأسواق دول الكوميسا بما يعد حافزا للمصدرين المصريين ويتيح إنشاء الشركات وتبادل الاستثمارات.. والتمكن من استيراد السلع والتقاوي الزراعية والمواد الخام المختلفة من دول مجموعة الكوميسا.. والمساهمة في إقامة مزارع نموذجية تتراوح مساحتها بين 2000 و20 ألف فدان تلقت مصر طلبات من 14 دولة في الكوميسا لمساعدتها في إقامتها المشاركة في الخطه المتكاملة التي تعدها الكوميسا لتطوير نظم الري وإدارة الموارد المائية بها.. الأمر الذي سوف يتيح لمصر استخدام خبرتها في مجال إدارة المياه عند صياغة هذه الخطة وبما يسمح بتعظيم الاستفادة من مياه النيل ـ كما أن السوق الأفريقية مفتوحة أمام شركات المقاولات المصرية خاصة التي لها سابق أعمال في هذه الدول بالإضافة إلى أن الكوميسا تفتح الباب أمام الخبرات الفنية والكفاءات المصرية للعمل في المشروعات التنموية الإفريقية. معوقات التعاون ورغم سعي مصر لتفعيل التعاون مع مجموعة الكوميسا وتنازلها عن 131 مليون دولار سنويا هي حصيلة الجمارك على الواردات من هذه الدول.. ومنحها تسهيلات في الرسوم والاتصالات والمواصلات وتنشيط عمليات ضمان الصادرات لدول الكوميسا.. إلا أنها تواجه مشكلات عديدة في هذا الصدد ستكون محل دراسة وبحث في القمة التي تستضيفها القاهرة. وكشفت دراسة لإدارة الشئون الأفريقية بالخارجية المصرية عن أن أهم هذه المشكلات تكمن في الخسائر التي لحقت بالخط الملاحي المصري لدول الكوميسا والتي تجاوزت 5.3 ملايين دولار نتيجة المنافسة الشرسة من الشركات المناظرة التي تعمدت خفض رسومها بحوالي 25% من أجل إفشال هذه المحاولة الرامية لتجاوز أكبر معوقات عرقلة التجارة البينية مع أفريقيا والمتمثلة في عدم وجود خطوط نقل بحرية منتظمة.. وكذلك عدم وجود نظم تأمين على المخاطر غير التجارية كالحروب الأهلية والانقلابات.. وبطء دول الكوميسا في تنفيذ الاقتراح المتعلق بإنشاء شركة تأمين ضد المخاطر السياسية.. علاوة على استخدام دول الكوميسا لقواعد منشأ تسمح بمنح شهادات منشأ وطنية لسلع ومنتجات تدخل هذه الدول ويعاد تصديرها مرة أخرى الأمر الذي يحرم الدول الأعضاء ومنها مصر من حصيلة جمركية عالية على السلع الواردة من دول ليست أعضاء في الكوميسا.. ويمنح مزايا جمركية بطريقة غير مباشرة لطرف ثالث.. سيعرض السلع الوطنية المماثلة لمنافسة غير عادلة تؤثر على الاستثمارات المنتجة لها. توجه ذكي ويؤكد الدكتور حمدي عبد العظيم أستاذ العلوم الاقتصادية بأكاديمية السادات للعلوم الإدارية أن تكريس التوجه الاقتصادي المصري نحو أفريقيا خطوة ذكية وفعالة من جانب الحكومة المصرية ورجال الأعمال حيث أنها تخرج بهم إلى آفاق واسعة تمنح الاقتصاد المصري القدرة على المناورة والمساومة ولا تجبره على التعاطي مع أية مبادرات ومشروعات تطرحها أطراف معنية حسب مصالحها ورؤيتها للاقتصاد في منطقة الشرق الأوسط.. موضحا أن الطرح الإسرائيلي الذي تحاول تل أبيب إنعاشه مرة أخرى من خلال تحركات خالية من المضمون تجاه عملية السلام يتضمن تحفظات عديدة ويحقق فقط مصالح إسرائيل دون غيرها من أطراف المنطقة ومن ثم يجب التعامل معه بحرية ومن موقع القوة.. الأمر يثبت أن التوجه الاقتصادي المصري تجاه الدوائر العربية والإسلامية والإفريقية أولى بالرعاية والاهتمام لأنه يحقق مصالح مشتركة ويحول دون الهرولة تجاه إقامة تعاون اقتصادي مع إسرائيل. وأضاف أنه بصرف النظر عن المحاذير والمشاكل التي تعوق التواجد الاقتصادي المصري بالفاعلية المرجوة في القارة الأفريقية فإنه من المتوقع أن تشهد الفترة المقبلة طفرة في الصادرات المصرية للأسواق الأفريقية التي تبلغ حاليا 192 مليون جنيه والمتوقع أن تصل لحوالي 615 مليون جنيه خلال السنوات القليلة المقبلة خاصة في ضوء نتائج مؤتمر القاهرة والنجاح المصري في تنظيم عدد من المعارض المتخصصة والدولية في أغلب دول القارة. القاهرة ـ يوسف شاكر