نحن نرى ان الكثير من شعوب العالم لديها الرغبة القوية في الحصول على السلع والخدمات التي تنعم بها الشعوب الاخرى والرغبة في الحصول على مستوى معقول من الرفاهية, وهناك شعوب مازالت تعيش مستويات متدنية جداً من المعيشة ولم تجد حتى حاجاتها الاساسية (المسكن والطعام والشراب واللباس والتعليم) . ان مثل هذه الشعوب لاشك تتطلع الى اليوم الذي تصبح فيه قادرة على اشباع حاجاتها ورغباتها. بيد ان قيد القوة الشرائية هو القيد الرئيسي الذي يحول دون تحويل تلك الرغبات والحاجات الى طلب فعلي. ان فكرة العولمة المنظمة والمقننة من خلال نظام منظمة التجارة العالمية تنبع من هذه الأفكار الاقتصادية المحصنة, وقد يكون في فرض العولمة على الشعوب صورة من صور تأصيل هيمنة الدول الصناعية على الدول النامية. الا ان الانسان لا يستطيع ان ينكر اطلاقاً ما يتوقع ان تجنيه الدول النامية من فوائد من عملية العولمة, ومن تلك الفوائد الاقتصادية تمكن المتسهلك من اشباع حاجاته ورغباته من السلع والخدمات والتنعم بكافة ما انتجه المجتمع الدولي من سلع وخدمات وبأسعار منخفضة وجودة عالية حيث ان انخفاض الاسعار سوف يدعمه جانبان: الجانب الأول هو سيادة سوق المنافسة الاحتكارية عالمياً, والجانب الثاني الغاء الضرائب والقيود الجمركية المفروضة على السلع والخدمات. ان المستفيد الأول من ذلك هو المستهلك كما ذكرنا ثم المنتج الذي سيتمكن بلاشك من توسعة انتاجه ليتناسب مع الزيادة المتوقعة في الطلب. وسوف يظهر العائق الكبير أمام الصناعات الناشئة وهو عائق القدرة على المنافسة ومستوى المواصفات القياسية لجودة منتجاتها. بيد ان هذه مسألة مرحلية وسوف تسعى بعدها الى تحسين مستوى انتاجها أو البحث عن الاسواق المناسبة لمنتجاتها والتي هي في الغالب الاسواق الناشئة, وقد يكون انخفاض مستوى أسعارها حافزاً لخلق طلب لها في الأسواق الناشئة التي لاتبحث في الغالب عن مواصفات قياسية راقية. والحقيقة ان العولمة سواء نظرنا اليها بشكلها المنظم والمقنن أم بشكلها العادي الذي يفرض ذاته عن طريق الانترنت والدش والسياحة ونقل التكنولوجيا والتجارة الخارجية وانتقال القوة العاملة بين الدول وغيرها من الطرق والوسائل لها ايجابيات اقتصادية كبيرة جداً على كافة شعوب العالم. بيد ان الشعوب المحافظة مثل الدول الاسلامية والدول الشرقية تنظر الى العولمة من الزاوية الدينية والاجتماعية والاخلاقية والتربوية أكثر منها الى النظرة الاقتصادية, وهي بلاشك محقة في ذلك, غير أن العولمة بالمفهوم الاقتصادي الذي أوضحناه تجمع بين مفهوم العولمة المنظمة والعولمة غير المنظمة. والعولمة المنظمة عن طريق المنظمات الدولية لاشك قد أعطت مرونة كافية للدول لوضع الآليات الادارية والاجرائية والقانونية اللازمة للمحافظة على حضاراتها من النواحي غير الاقتصادية التي ذكرناها. أما العولمة غير المنظمة فتبقى مسئولية المحافظة على حضارات الشعوب وثقافاتها ومبادئها مسئولية الدول ذاتها وليست مسئولية المنظمات الدولية. وان مسئولية الدول لا تعني فقط مسئولية الحكومة وانما تعني مسئولية الشعوب والأسر ذاتها وكافة مؤسسات المجتمع. فالعولمة واقع يفرض ذاته ولا يمكن تجنبه اطلاقاً غير اننا لابد من ان نعد له عدته اللازمة حتى لا نفاجأ به بعد ذلك فيتمكن منا ويقضي على هويتنا ثم نذوب معه في حضارات الأمم الأخرى.