يفترض في الإحصاءات أن تعبر عن حقائق معينة عن طريق أرقام واضحة ودقيقة, إلا أن واقع الأمور يشير إلى أن هذا الأمر ليس صحيحا دائما. ففيما يتعلق بصناعة النفط على وجه الخصوص, تشبه الإحصاءات الخاصة بثوابت السوق واحتياطات الدول المنتجة وإنتاجها وحجم التصدير بها وإيراداتها , حقل ألغام يجب على المرء أن يتحلى بقدر كبير من الحذر عند الخوض فيه. الأرقام والإحصاءات التي تنشر في هذا الصدد, بما فيها تلك التي توصف بأنها رسمية, يمكن أن تكون غير صحيحة وقابلة للجدل في بعض الأحيان, ويمكن أن تؤدي إلى أخطاء جسيمة في الحكم. ففيما يتعلق بالاحتياطات المؤكدة, فإن التقديرات الرسمية التي تعلنها بعض الدول تظل كما هي لمدة أعوام متواصلة, وكأن الأمر أن كل برميل يتم إنتاجه يستبدل على نحو أوتوماتيكي ببرميل آخر يضاف إلى الاحتياطي دون أي تغيير! وهذا بالطبع شيء مستحيل. وهناك لغز آخر معروف في هذا الصدد, يتمثل في حقيقة أن في حقبة الثمانينات قامت بعض دول الأوبك على نحو فجائي برفع تقديرات احتياطاتها على نحو كبير. وكانت النتيجة أن الاحتياطات المؤكدة لدول الأوبك قفزت بنسبة 7.42%, وبالتحديد من 8.535 مليار برميل في العام 1985 إلى 8.764 مليار برميل في العام 1989. وتصادف أن تلك القفزة العالية حدثت في الوقت الذي كانت فيه الدول المعنية تناقش حصص إنتاجها, وتستعمل مستوى احتياطيها كذريعة للحصول على أعلى سقف إنتاجي ممكن. وعلى الرغم من الاعتراف بصحة أن عملية تنقيح الاحتياطات كانت شيئا مبررا بشكل أو بآخر لبعض الدول, إلا أن الأمر أبعد ما يكون عن الجزم بأن تلك كانت الحقيقة بالفعل. ففي معظم أو أكثر الدول المصدرة ليس هناك ما يوازي لجنة الأوراق المالية والبورصة الأمريكية, التي تعتبر في حد ذاتها وكالة مستقلة ومسئولة عن التحقق من دقة المعلومات المنشورة والمعلنة من قبل الدول. وفيما يتعلق بالإنتاج النفطي للدول الأعضاء, لم يعد الموقف مطمئنا. فالإحصاءات والأرقام الرسمية في هذا الشأن أحيانا لا يمكن الاعتماد عليها, لدرجة أنه من أجل تحديد مستوى الإنتاج الذي يمكن استعماله كأساس لتحديد مستوى حصصهم الإنتاجية, تلجأ الدول المصدرة إلى المصادر الثانوية. ومن ضمن هذه المصادر الأرقام والإحصاءات التي تنشرها الوكالة الدولية للطاقة, والتي يحوم حولها قدر من الجدل في بعض الأحوال. وكان هذا هو ما حدث بالضبط في حادثة (البراميل المفقودة) الشهيرة, تلك البراميل التي وصل عددها إلى 400 مليون برميل من النفط, وظهرت في النصف الأول من العام 1998 واختفى أي أثر لها بعد ذلك. وكان الأمر من الأهمية بحيث دفع مجلس الشيوخ الأمريكي إلى أن يطلب من المكتب العام للمحاسبة أن يقوم بتحقيق كامل لفك طلاسم هذه الحادثة الغريبة. وقد أدى سوء تقدير حجم العرض والمبالغة فيه, وسوء التقدير أيضا لحجم الطلب, إلى تأثر الأسعار بصورة سلبية. وانتهى الأمر بتدهور كبير في الأسعار في العام 1998. ويأتي على مستوى الخطورة نفسه التباينات الكبيرة في التقديرات الخاصة بالقدرة الإنتاجية لكل دولة. فالتقديرات الرسمية بوجه عام في هذا الشأن تتسم بقدر كبير ومبالغ فيه من التفاؤل, كما أوضحت تجارب السنوات السابقة. فإذا تمت مقارنة التقديرات التي أعلن عنها في الماضي مع حقائق الأمور التي تجلت بعد ذلك, يكتشف المرء, باستثناء حالات نادرة للغاية, أن ما حدث كان أقل بكثير من التوقعات. ففي نهاية السبعينيات أعلن وزير النفط السعودي السابق أحمد زكي اليماني, في مناسبات عدة, أن طاقة بلاده الإنتاجية سيتم رفعها إلى 20 مليون برميل في اليوم خلال أعوام قليلة. ويمكن رصد أمثلة مماثلة في كل من إيران وإندونيسيا وفنزويلا والصين, وغيرها من الدول. أما بشأن المستقبل المنظور, وبالتحديد من الآن إلى العام ,2003 نجد أن العديد من المصادر المستقلة والموثوق فيها تقدمت بتوقعات شديدة التباين بشأن أشياء غاية في الأهمية, مثل القدرات الإنتاجية لدول الأوبك وغيرها من الدول. ففي عددها الصادر في شهر أكتوبر العام ,1999 توقعت صحيفة النفط والغاز أن إنتاج الأوبك الكلي من النفط الخام سيرتفع من 2.34 مليون برميل يوميا في العام 2000 إلى 6.35 مليون برميل يوميا العام 2002. وبدورها أعلنت نشرة بتروليوم أرجوس توقعات أقل بكثير في عددها الذي صدر في السابع من فبراير الماضي, حيث توقعت أن يكون إنتاج الأوبك 03.32 مليون برميل يوميا في العام ,2002 وتوقعت أيضا أن هذه الطاقة الإنتاجية ستزيد إلى 01.34 مليون برميل يوميا في العام 2003. وفي كلتا الحالتين فإن الأمر يعني أن الطاقة الإنتاجية الاحتياطية لدول الأوبك سوف تهبط خلال الأعوام المقبلة. وبالتالي فإن معدل هذا الهبوط, والذي يختلف على نحو كبير حسب توقعات كل مصدر والسيناريوهات المتشائمة والمتفائلة في هذا الصدد, سيكون له بالتأكيد تأثير كبير على الأسعار, إلا أن هذا الأمر بعيد كل البعد عن أن يكون حلا مسكنا للوضع, لاسيما عند الأخذ في الاعتبار الجدل الحالي حول حصص الأوبك من ناحية, وحقيقة أن دول الأوبك ستكون مطالبة بتغطية حجم النمو المستقبلي للطلب العالمي من ناحية أخرى. وعلى المدى الأبعد, نجد أن الاحتمالات الخاصة برفع الطاقة الإنتاجية لدول الأوبك تعد مصدر إزعاج آخر لهؤلاء الذين يحاولون التوصل إلى حالة توازن بين العرض والطلب, في الفترة ما بين العام 2010 والعام 2020. وهناك علامة استفهام أخرى كبيرة تتعلق بموضوع تحديد ما يطلق عليه بالإجماع إيرادات النفط للدول المصدرة. فالدول المصدرة لم تعد تتحدث عن أية إيرادات في إحصاءاتها, ولكن تتحدث عن قيمة صادرات النفط, وهي بالطبع شيء مختلف. فبالنسبة لبعض الدول, فإن قيمة الصادرات يتم نشرها دون الإفصاح عن أية أرقام بشأن الواردات, ومن ثم لا توجد أية أرقام بشأن قيمة صادرات النفط الصافية. وفي حالات أخرى, في مصر واليمن مثلا, تتضمن الإحصاءات الخاصة بصادرات النفط صادرات الشركات العاملة في المجال, وهو الأمر الذي لا يمثل حجم إيرادات الدولة المعنية. وبوجه عام يتضح أن دقة بعض الإحصاءات المتاحة, لاسيما تلك المرتبطة بالاحتياطات والطاقة الإنتاجية, تمثل مشكلة خطيرة لأي طرف معني بطريقة أو بأخرى بتحقيق التوازن بين العرض والطلب وتطور أسعار النفط. فالأمر إذن يتطلب حكمة وترويا كبيرين عندما يتعلق الأمر بإصدار مثل هذه التوقعات والسيناريوهات, التي يتم باستمرار تغييرها وإعادة صياغتها وحتى إلغائها.