مفهوم العولمة ليس مفهوماً جديداً فهو موجود منذ القدم وذلك بمعناه العام والذي يعني التقاء الشعوب وتفاعل أفكارها وحضاراتها وتبادلها لكي تستفيد كافة شعوب الكون من بعضها البعض, ولقد ذكر القرآن الكريم وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا الحجرات :13 , بيد ان مفاهيم العولمة القديمة تختلف عن مفاهيمها الحديثة وذلك لعدة أسباب: يأتي على رأسها التطور التكنولوجي المذهل الذي يشهده عالم اليوم واختلاف شكل الدولة والنظم السياسية ومبدأ السيادة (أي سيادة الدولة على أرضها ومقدراتها والمقيمين على أرضها) واختلاف الأرضيات القانونية والأنظمة ووجود المؤسسات والمنظمات الدولية, والعولمة مبررات اقتصادية ذات أبعاد علمية ومنطقية وواقعية بحيث يكاد يؤمن بها أغلب الاقتصاديين من علماء ورجال فكر ورجال أعمال وقياديين ومن تلك, المبررات يرى الاقتصاديون ان الاقتصاد العالمي في الماضي لم يكن يواجه مشكلة طلب وذلك بسبب ضعف التكنولوجيا وضعف مستوى امكانيات الآلة ذاتها حيث كان انتاجها متواضعاً ومقبولاً عالمياً, فكان كل ما ينتج يتم طلبه واستهلاكه مهما كان حجم الانتاج, ومن هذا المنطلق تم التركيز على جودة المنتج وقوة تحمله وديمومته مدة طويلة. أي بمعنى آخر كان هناك نوع من التوازن العالمي بين العرض والطلب في مجال أو أسواق السلع والخدمات والمواد الأولية, وكذلك كانت عليه الحال في أسواق النقود والمال وسوق العمل, أما اليوم فالحال قد تبدل تبدلاً ملحوظاً, وأصبحت هناك مشكلة عالمية تعاني منها كافة شعوب العالم وهي انعدام التوازن بين العرض والطلب, ان التطور التكنولوجي الذي يشهده العالم اليوم والذي لاشك تنبأ به الكثير من الاقتصاديين السابقين قد خلق للآلة امكانيات رهيبة يعجز العقل البشري عن تصورها وظهرت هناك حقول تخصصات دقيقة لا يتصورها المرء بسبب التطورات العلمية المذهلة, ان هذه الامكانيات المذهلة قد زادت من الطاقة الانتاجية للآلة الى درجة لا يكاد المرء يصدقها, ونحن نؤكد هنا على ان الزيادة في الطاقة الانتاجية ذاتها وليس في الانتاج, وهذا يعني بدوره خلق طلب عالمي على السلع والخدمات أي بمعنى آخر خلق أسواق عالمية حيث ان مفهوم الطلب الحديث أصبح مرادفاً لمفهوم السوق ويجب التأكيد هنا على ان الطلب لا يعني فقط مجرد الرغبة في الشراء, وانما الطلب الفعلي المؤكد يعني الرغبة المدعومة بقوة شرائية, فالرغبة غير المدعومة بقوة شرائية لا تحرك السوق على الاطلاق, ونحن نرى عالمياً ان الرغبات كثيرة وجامحة عالمياً غير ان قيد قوة الشراء هو المانع الحقيقي لتلك الرغبة الجامحة من الانطلاق, ومن هنا تنبع المفاهيم الاقتصادية للعولمة بتحريك تلك الرغبات والحاجات الكامنة لدى الشعوب وتحويلها الى طلب فعلي على السلع والخدمات.